هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

سلامك النفسي ضرورة وليس رفاهية

السلام النفسي...

مصطلحٌ انتشر أكثر في الآونة الأخيرة، نسمعه يتردد في البرامج والبودكاست، نقرأ عنه في الكتب والمقالات ثم نبتسم ظانين أن الوصول إليه ضربٌ من ضروب الخيال في ظل ضغوطات الحياة ومتطلباتها ومشكلاتها، فما هو السلام النفسي؟ وما هو السبيل إلى تعزيزه لدينا وتبنيه كأسلوب من أساليب الحياة؟ 

                     تابعوا معي السطور التالي...


ماذا يعني السلام النفسي؟

هو حالة من الهدوء والطمأنينة والتصالح مع النفس والآخرين والظروف المحيطة رغم صعوبتها أي أنه بالمعنى الأبسط شعور الإنسان بالراحة مع نفسه أولًا ومع الآخرين والتعامل مع المشاكل بهدوء واتزان.


رحلة الوصول إلى السلام النفسي:

بعد قراءتك لهذا التعريف سيتوارد على ذهنك أن التوصل لهذه الحالة من السلام النفسي إحدى قصص الخيال العلمي أو أنني أتكلم من برج عاجي عالٍ لا فكرة لدي عن مشاكل الحياة وسخافات البشر وضغوطات العمل وفواجع الأقدار، لكن صدقني عزيزي القارئ، وصولك إلى الشعور بالسلام النفسي هو ما سيساعدك على مواجهة كل هذا بنفس هادئة مطمئنة بدلًا من مواجهتها بالخوف والسخط والغضب والتوتر والأمراض العصبية والنفسية.

" كل ما تخسره في سبيل سلامك النفسي هو مكسب عظيم".

إذن بطرقٍ عملية محددة وواضحة، كيف يمكننا الوصول إلى السلام النفسي؟

  • التقبل:

أولى الخطوات في طريق السلام النفسي أن تتقبل ذاتك بعيوبها وضعفها وأخطائها ومشاكلها كما تتقبل مواطن قوتك وإنجازاتها عليك أن تتقبل إخفاقاتها ومواطن ضعفها، عليك أن تتقبلها كما هي دون شروط ثم تسعى لتحسينها دون جلد ذاتي أو تأنيب.

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا ۝ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا ۝ قَدْ أَفْلَحَ مَن زكَّاهَا ۝ وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)   سورة الشمس
-

تقبل ذاتك نعم. تقبل أخطاءك. تقبل عيوبك لكن اسعى إلى تزكيتها وتحسينها يومًا بعد يوم.

  • البعد عن المقارنة:

ولكي تتقبل ذاتك بضعفها وعيوبها وإمكانياتها المحدودة عليك أن تبتعد عن مقارنة ذاتك بالآخرين، انظر في ورقتك، قارن ذاتك الحالية بذاتك القديمة واحرص أن تكون أفضل اليوم من نفسك أمس.

  • عش اللحظة:

التحسر على الماضي والخوف من المستقبل لا يجلب سوى التوتر وأحيانًا الاكتئاب والضغط النفسي والقلق والأمراض النفسجسمية أي الأمراض العضوية ذات المنشأ النفسي كالقولون العصبي والصداع النصفي وارتفاع ضغط الدم والقرحة وآلام العضلات والمفاصل واضطرابات النوم، والعكس، فإن التركيز في لحظتك الحالية وتأدية واجباتك بحواسٍ يقِظة وحسن التوكل على الله فلا قلق من مستقبل، والرضا بقضاء الله وقدره فلا حزن على ماضي، والنظر إلى كل لحظة جديدة كهدية منحها الله لنا تستوجب الشكر.

  • كن ممتنًا:

وعلى ذكر الشكر في فقرتنا السابقة قارئي العزيز، تعلم كيف تقدر النعم التي تراها بسيطة أو قد لا تراها أو ربما تراها كأمرٍ مُسلَّمٍ به. المفاجئ أن استيقاظك كل يوم أمرٌ كبير يستحق الشكر، يومك المتكرر أمرٌ كبير يستحق الشكر، عملك الممل، بيتك المُستأجر، نظرك الضعيف، أولادك الأشقياء، قدمك المُصابة، حياتك الرتيبة، كلها أشياء إن ذهبت في زيارة إلى مشفى أو سجن أو مدفن صدقني ستقدرها حق التقدير وستشكر الله عليها. لا أحرضك على ترك السعي لتحسين حياتك ولكن أقول أن هذا السعي ينبغي أن يكون بعد رضا بحياتك وقناعة وليس نابعًا عن سخطٍ وقنوط.

  • سامح وتجاوز:

لأجل نفسك وليس لأجلهم، لتتخفف من أحمالك، لتزيح تلك اليد المطبقة على رقبتك، فالضغينة لا تؤذي سوى حاملها، أما مَن آذاك فهو يعيش حياته بطولها وعرضها، أنت الخاسر الوحيد. 

  • اهتم بعلاقتك بخالقك:

وهذه الأهم، فأرواحنا من صنع الخالق ولكي تهدأ وتستكين وتنعم بالسلام عليها أن تكون متصلة دائمًا بخالقها، لذا احرص على صلتك بالله عن طريق الصلاة والذكر الدائم واليقين والتسليم.

  • تأمل الطبيعة:

تأمل المساحات الخضراء أو البحر أو حتى السماء شروق الشمس أو غروبها يهدئ العقل ويساعد على الاسترخاء والهدوء، جربها.

  • ممارسة الرياضة:

أي نوع من أنواع الرياضة ولو حتى الركض في مكانك تفرغ شحنة انفعالية من جسمك وتساعدك على ترتيب أفكارك وإدارة مشكلاتك بعقلانية، فالسلام النفسي لا يعني غياب المشكلات بل التعامل معها بحكمة وهدوء. 

  • احرص على التوازن:

وبالتوازن أعني التوافق بين حياتك الروحانية والشخصية والاجتماعية والمهنية، وأن تعطي لكل جانب من هذه الجوانب حقه دون الإخلال بالجانب الآخر، ولكي تتمكن من تحقيق هذا التوازن عليك أن تتعلم كيف ترفض ما لا يناسبك.  

  • تجنب الجدال:

الجدال المستمر ومحاولة إثبات أنك على صواب والسعي دائمًا على ربح أي نقاش لن يجلب لك سوى توتر الأعصاب والإرهاق، صحيح، ربما ستربح النقاش لكنك ستخسر في مقابله -بلا أدنى شك- سلامك النفسي وراحة بالك، دع مَن يريد الفوز بالنقاش يفز ومن يرغب في الربح يربح واشتري سلامك النفسي.

  • اختر مَن تصاحب:

لا شك أن أفكارك وسلوكياتك ومعتقداتك ستتشكل مع أكثر خمسة أشخاص تجلس معهم باستمرار، إن جلست مع خمسة متشائمين ستصبح سادسهم والعكس بالعكس، اختر أصدقاءك بعناية.

الخاتمة:

وأخيرًا عزيزي القارئ فإن السعي إلى الوصول للسلام النفسي لن يتم بين ليلة وضحاها وإنما هو كما سبق وذكرنا رحلة، رحلة طويلة وكل نقطة من النقاط السابقة يتطلب التدريب عليها وقتًا ومجهودًا، ستقع وتضل الطريق أحيانًا لكن مع اليقظة الذاتية ستتمكن من إعادة توجيه دفة سفينتك إلى الوجهة الصحيحة من جديد، وتذكر..

السلام النفسي لا يعني انعدام المشاكل وإنما يعني مواجهة المشاكل بهدوء واتزان.

المراجع:

السلام النفسي: أهميته, وأثره, وطرق تحصيله في ضوء السنة النبوية.

الحمد لله رب العالمين, خلق النفس فسواها, وألهمها فجورها وتقواها, وبشر بالفلاح من زكاها, وبالخيبة والخسران من دساها, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله, زكى به ربنا النفوس, وأخرجنا به من الظلمات إلى سبل السلام والنور؛ قال تعالى: ]هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ[([1]), وقال تعالى: ] قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[([2]), فاللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله, وأصحابه, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد.....     فإن القيم الإنسانية قد حظيت باهتمام بالغ في السنة النبوية, وتنوع هذا الاهتمام بين البيان لها تارة, والدعوة للتحلي بها تارة أخرى, والتحذير من تركها أو إهمالها تارة ثالثة, وقيمة السلام هي إحدى هذه القيم؛ فمن يتأمل أحوال الناس يوقن بأنهم سئموا العنف والصراع, وملوا من فقد الاطمئنان وغياب الاستقرار, وأن غايتهم هي الوصول إلى سلام يحقق لهم الأمن ويضمن لهم السعادة وإن بذلوا في سبيل ذلك جل ما يملكون أو كله, وهذه الغاية لن تدرك ما لم ينعم الإنسان بسلام نفسي؛ لأنه طريق الهدوء, والراحة, والسكينة, وهذه أبواب السعادة المنشودة والأمن المفقود, وحاجة الناس إلى السلام النفسي لا تقل أهمية عن حاجتهم إلى الطعام والشراب, بل إن الحاجة إليه تصبح أكثر إلحاحًا وأشد طلبًا إذا ما تأملنا حال الناس وواقعهم أفرادًا, وأسرًا, ومجتمعات, ودولاً ورأينا كم القلاقل, والاضطرابات, والنزاعات التي أضحت مسيطرة على كل شئون حياتهم وأمور معاشهم ولم يسلم منها إلا القليل, وشعور الإنسان بسلام داخلي يغمره هو مفتاح للسلام مع أسرته, وشعور الأسرة بسلام يكتنفها هو باب للسلام مع مجتمعها, وشعور المجتمع بسلام يحوطه هو طريق السلام مع غيره من المجتمعات والدول, وعندها يسود السلام ويعم العالم بأثره, ولهذه الغاية العظمى والهدف الأسمى اخترت الكتابة في هذا الباب لعلي أوفق إلى سلام أنعم به أو أكون سببًا في هداية غيري إليه, والله من وراء القصد, وهو يهدي السبيل, وهو حسبي ونعم الوكيل.

https://journals.ekb.eg/article_229397.html