الاستقالة الصامتة - كيف نشأت وكيف يمكن التغلب عليها

آية  محمد توفيق
كاتبة مقالات ومترجمة
نشرت:
وقت القراءة: دقائق

رغم الحاجة المُلحة إلى العمل والاستقرار المهني تصاعدت نسب التسرب الوظيفي التي اتخذت شكلاً جديدًا في ثوب الاستقالة الصامتة. ومع أن هذه الظاهرة موجودة منذ سنين إلا أنها برزت بشكل كبير في السنوات الأخيرة خاصةً بحلول جائحة كورونا التي تزامن حدوثها مع دخول جيل زد Gen-z إلى سوق العمل. ولقد تكاثرت الأقاويل حول سبب انتشار هذه الظاهرة، فيرى البعض أنها بسبب هشاشة الجيل الصاعد أو إهمال الموظفين أما البعض الآخر يرى أنها مسؤولية أصحاب العمل.

الاستقالة الصامتة - كيف نشأت وكيف يمكن التغلب عليها

الانسحاب الصامت

بعد شهور وربما سنين من ضغط العمل المستمر و تكليفك بمهام إضافية في أيام العطلات والعمل لساعات طويلة دون تقدير مادي أو معنوي مع زيادة تطلعات صاحب العمل للحصول على نتائج أفضل، تصل إلى حالة من الزهد وتشعر حينها أن حياتك أصبحت مستنزفة وبلا معنى وتقرر إن لم تختر ترك الوظيفة جسديًا فعلى الأقل تختار الهدوء وتنفصل منها شعوريًا.

هذه الظاهرة ما هي إلا رد فعل من الموظفين على سباق الإنتاجية وتمرد على ثقافة العمل المفرط حيث يشعر الموظف أنه في سباق دائم من أجل كسب العيش ويصبح غير قادر على السيطرة على حياته، لذا يقرر ألا يبذل أي مجهود أكثر من اللازم ولا يتحمل أعباء أي مهمة أخرى خارج نطاق دوره الأساسي.

كيف تطورت الاستقالة الصامتة

الاستقالة الصامتة - كيف نشأت وكيف يمكن التغلب عليها

بدأت هذه الظاهرة في الظهور من فترة طويلة ولكنها انتشرت مع بداية دخول الجيل زد - Generation z (فئة الشباب مواليد 1997 - 2012) إلى سوق العمل، هذا الجيل الذي يُنعت دائمًا بالكسل والتراخي والتمرد بسبب هوسهم الشديد بالتكنولوجيا، ولكن عند النظر إلى الظروف المحيطة بهم سنجد أنهم يعانون من ندوب أزمات اقتصادية واجتماعية وصحية الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للقلق والاكتئاب والاحتراق الوظيفي، ولذلك كان لهم أشد التأثير في انتشار فكرة الاستقالة الهادئة.

وفي الوقت نفسه كانت أزمة كورونا قد تفاقمت وغيرت من معالم الحياة العملية، فبعد لجوء الكثير من الشركات إلى العمل عن بعد بات الموظفون يواجهون مشاكل كثيرة ناجمة عن قلة التواصل بينهم وبين أصحاب العمل، وبدأ يتسرب إليهم الشعور بعدم الانتماء والإحساس بالعزلة والانفصال. وكذلك أتاحت أزمة كورونا الفرصة للموظفين في إعادة التفكير في حياتهم المهنية وعززت الرغبة في تحقيق التوازن بين الحياة والعمل وعلى إثرها زادت حاجة الموظفين إلى الاستقلال والمرونة في العمل.

ونتج عن ذلك استقالة 71 مليون موظف من أبريل 2021 إلى أبريل 2022 أي ما يقرب من 3.98 مليون استقالة شهريًا، وعُرفت هذه الظاهرة حينها باسم الاستقالة العظمى. وفي ظل التضخم الاقتصادي الحالي وانخفاض قيمة الرواتب أخذ الموظف يتساءل لماذا أبذل كل وقتي وجهدي في عمل بلا جدوى.

ومن هنا تطور مصطلح الاستقالة الصامتة، حيث لم يعد العمل في المرتبة الأولى لدى الكثير من الموظفين، ولكن بدلاً من التضحية بترك الوظيفة يظل الموظف يعمل بنصف جهده أملاً في حدوث أي تغيير.

علامات الاستقالة الهادئة

يلجأ الموظف إلى الاستقالة الهادئة كحل لتخفيف الضغط والتوتر أو ربما تكون استراحة محارب إلى أن يجد فرصة عمل أفضل، وقد تظهر أعراض هذه الاستقالة في عدة أشكال، مثل:

الغياب المتكرر

من الطبيعي أن يطلب الموظف من حين لآخر إجازة مدفوعة الأجر لظروف مرضية أو للاسترخاء وتجديد نشاطهم، ولكن حينما تطول مدة هذه الإجازة وتتجدد كل فترة فهذا دليل على أنهم غير متحمسين للعمل، فهم يخبرون أصحاب العمل بطريقة غير مباشرة أنهم يعطون الأولوية لأنفسهم وأنهم غير مستعدين لبذل أقصى طاقتهم في عمل لا يقدر جهودهم.

عدم الاهتمام باجتماعات الفريق

يحرص الموظف على عدم حضور أي فعاليات تجمع الفريق خارج نطاق العمل، ولا يهتم بحضور الاجتماعات الخاصة بالعمل وحتى إن حضر لا يشارك بأي اقتراح أو فكرة وإنما يستمع في صمت تام ولا مبالاة، وإذا كان الاجتماع عن البعد ففي الغالب لن يفتح الكاميرا والصوت طوال فترة الاجتماع.

العمل في الساعات الرسمية فقط

رغم أن الموظف غير ملزم بالعمل لساعات إضافية خارج نطاق ساعات عمله المحددة لكنه يضطر إلى ذلك في بعض الأحيان لإنجاز المشروع في الوقت المحدد وهذا دليل على حماس الموظف وشغفه في إنجاز العمل، أما الموظف الذي فقد الشغف في عمله فهو يعمل في ساعات العمل الرسمية فقط ولا يبالي بإتمام العمل من عدمه ويعتمد على أن شخصًا آخر سيتولى أمر هذا العمل.

عدم الرغبة في التطور المهني

من أبرز العلامات التي تدل على انسحاب الموظف عن العمل استسلامه للوضع الحالي والاكتفاء بمنصبه وعدم النية في الارتقاء الوظيفي أو صقل مهاراته الشخصية وتعلم أشياء جديدة، وقد يصحب ذلك ارتفاع في نسبة التقييمات السلبية وزيادة الشكوى من انحدار مستوى الموظف.

من المسؤول الموظف أم المدير؟

الاستقالة الصامتة - كيف نشأت وكيف يمكن التغلب عليها

هذه مسألة جدلية، فلو افترضنا أن سبب المشكلة هو الموظف الذي اقتصر دوره على إكمال مهامه الأساسية دون النظر إلى ما هو أبعد من ذلك، فأين دور الإدارة من ذلك، ومن هنا يُطرح السؤال هل الاستقالة الهادئة ناجمة عن تقصير الموظف أم هي بسبب سوء الإدارة؟

فنجد في بعض الحالات أن الموظف أصبح ملمًا بكل جوانب العمل فلم يعد يبذل المزيد من الجهد للتعلم واكتساب الخبرة مثلما كان يفعل في البداية ومن ثم يصل إلى مرحلة الروتين التي تجبره على التململ فيظل في منصبه إلى أن يجد فرصة أفضل، وهناك من يعملون في وظائف لا تتناسب مع قدراتهم ومهاراتهم الحقيقية ولذلك لا يجدون الحافز للعمل أو تطوير أنفسهم.

ولكن على الجانب الآخر يوجد حوالي 66% من المديرين غير الأكفاء في بيئة العمل، بمعنى أنهم لا يتواصلون مع موظفيهم ولا يتناقشون معهم حول عبء العمل وأداء واجباتهم وتقييم عملهم تقييمًا بناء. بالإضافة إلى ذلك، يشعر الموظفون بعدم الرضا لأنهم ليسوا على دراية بمدى تأثيرهم في تطوير المؤسسة، أو أنهم يتقاضون أجرًا زهيد لا يتناسب مع الجهد المبذول بل وقد تتأزم الأمور أحيانًا ويصاب الموظف بحالة من التوتر والذعر من فظاظة بعض المديرين وقسوتهم في التعامل.

في الحقيقة لا يمكن تحميل طرف واحد فقط المسؤولية الكاملة لأن هناك عوامل عديدة تتسبب في حدوث تلك المشكلة فضلاً عن أن كل حالة استقالة غير معلنة يكمن وراءها سبب مختلف.

كيف تتغلب على هذه الظاهرة

الاستقالة الصامتة - كيف نشأت وكيف يمكن التغلب عليها

مثلما تكونت هذه الحالة الشعورية خلال مدة طويلة فإن علاجها سيأخذ الكثير من الوقت أيضًا. وبناءً على السبب الذي أدى إلى حدوث تلك المشكلة، يقع على عاتق الموظف وأصحاب العمل اتباع بعض الاستراتيجيات للتغلب على هذه الظاهرة، مثل:

التواصل الفعّال

يقع على عاتق الإدارة تشجيع الحوار القائم بين القادة وبين فريق العمل لتجنب الخلافات وسوء الفهم.

ولذلك من الجيد أن يتواجد المدير أو قائد الفريق قدر المستطاع وسط الفريق لبناء علاقة طيبة معهم من خلال الإنصات الجيد إلى مقترحاتهم وعدم تجاهلهم والسماح لهم بالتعبير عن مشاكلهم ومخاوفهم.

إظهار التقدير للموظفين

إن أشد ما يحتاج إليه الموظف بعد يوم عمل شاق هو تقدير جهده والاعتراف به، فلا أحد يرغب في أن يكون مجرد ترس يدور في آلة الإنتاج. لذلك من المهم أن يقدر قائد الفريق الجهود الإضافية التي بذلها الموظف فوق واجباته للوصول إلى نتائج جيدة، وأن يظهر لفريق العمل ثمرة جهودهم ومساهمتهم لتحقيق أهداف الشركة، وقد يتمثل ذلك التقدير في عبارة شكر وامتنان أو دفع ما يستحقه من راتب أو حوافز أو مراعاة ظروفه الصحية والنفسية.

عدم المبالغة في وصف الوظيفة

كثير من الشركات لا تضع وصفًا دقيقًا لمهام الوظيفة، ومن ثم يتفاجأ الموظف بعد قبوله بمسؤوليات أكثر مما هو مطلوب في الوصف الوظيفي. وبناءً على ذلك، ينبغي لمدير الموارد البشرية أن يكون صادقًا عند كتابة مسؤوليات المنصب وألا يقدم وعود زائفة بفرص العمل.

احترام الحدود الشخصية

لا بد أن يعلم أصحاب العمل أن الموظف غير مضطر أن يُفسر عدم رغبته في العمل ساعات إضافية أو غير منطقية، فمن مسؤولية الإدارة أن تكون داعمة لتحقيق التوازن بين العمل والحياة لفريقها، ولا ينبغي للشركة أن تتجاوز خصوصية الوقت الشخصي للموظف وعدم الاتصال به خارج أوقات العمل الرسمية.

تحديد مسار وظيفي واضح

قد تكون المشكلة ليست في بيئة العمل ولا في الإدارة ولكن في الشخص نفسه الذي لا يعلم ما الذي يريده من الوظيفة أو قد تكون هذه الوظيفة غير مناسبة له بالأساس. إذا توصل الشخص إلى هدف واضح ومسار وظيفي محدد سيبذل كل جهده لتحقيق هذا الهدف بغض النظر عن أي صعوبات يمكن أن يواجهها، لأنه سيكون قادر على تقييم مدى تقدمه وتطوره وفقًا للهدف الذي وضعه لنفسه وبناءً عليه سيتمكن من اتخاذ قرار واعي حول البقاء أو الرحيل.

الخاتمة

يمكن الاستنتاج أن الاستقالة الصامتة قد تطورت لتصبح تحديًا حقيقيًا في سوق العمل الحديث، وقد ساهمت أزمة كورونا جنبًا إلى جنب مع الجيل الجديد في تعزيز الفكرة وانتشارها. ومع ذلك لا يزال هناك بعض الإجراءات التي يمكن اتخاذها للتغلب عليها وتقليل تأثيرها السلبي على الشركات، مثل: تحسين التواصل والشفافية بين إدارة الشركة والموظفين، وضمان توفير بيئة عمل صحية ومليئة بالتحفيز ومكافأة الموظفين يبذلون جهودًا إضافية.

اقرأ ايضا عن: الاحتراق الوظيفي كيف تتعامل معه وكيف تتجنبه؟

المراجع

What is quiet quitting?

6 Overlooked Signs Your Employees are Quietly Quitting

The Truth Behind Quiet Quitting

Hidden Signs You’re “Quiet Quitting” at Work

How to Overcome Disengagement

آية  محمد توفيق

آية محمد توفيق

كاتبة مقالات ومترجمة

منذ صغري أرى الحروف تتلألأ على الورق مثلما تتلألأ النجوم في السماء، أهوى اللغات وأعشق الكتابة، ففي الكتابة أجد نفسي في عوالم مختلفة وعندما أمسك بالقلم أشعر أنني أتحكم بمجرى حياتي.

تصفح صفحة الكاتب

اقرأ ايضاّ