
في هذا العالم الصاخب حيث تغل الضوضاء على الهدوء والمظاهر على الجوهر يظل للقلب لغته الخاصه…لغة لا تكتب بالحروف ولا تقال بالألسنة بل تحس وتفهم بروح خفيفة الظل لا تسكن إلا في صدور النبلاء.
القلب لا يتحدث عندما نتكلم بل حين نصمت لا يعبر بالجدل والمزاح بل بالصدق والوفاء انه الكائن الوحيد في داخلنا الذي لا يعرف التمثيل ولا يتقن الخداع وان جهل البعض ذالك أو تجاهلوه وحين يفيض القلب بمشاعره فانما يفعل ذالك بلا ضجيج وكأنه يهمس في آذان الأرواح لا في آذان الجسد.
لكن، كم من الناس اليوم يستطيع ان يقرأ تلك اللغة ؟
كم منا مازال يملك القدرة على فهم النظرة الصامته ، أو الشعور النقي أو التضحية الخفية؟ هنا يظهر الفرق بين الناس وهنا تبدأ النبالة الحقيقة.
النبلاء ليسو اولئك المتوجين على العروش ولا اصحاب الألقاب أو المكانة بل هم اولئك الذين يرون ما لا يقال ويشعرون بما يخفى ويقابلون الجفاء والصبر والخيانة بالعفو والبعد بالدعاء .
النبلاء هم الذين لا يطلبون مقابلا حين يعطون ولا يذكرون بأفضالهم ولا يضمرون حقدا حتى عندما يخذلون أنهم يكتبون رسائلهم في الهواء ويعطون ورودهم في الصمت ويبكون حين لا يراهم احد ثم يمسحون دموعهم بأنفسهم ويبتسمون كان شيئا لم يكن.
القلب والنبلاء… علاقة أزلية
حين يتحدث القلب لا يتوقع تصفيقا ولا يبحث عن جمهور انه فقط يريد ان يفهم لكنه لا يفهم إلا من قلوب تشبهه من نفوس لم تتلوث بأطماع الدنيا ولم تطفئها قسوة التجارب لذالك فأن لغته تظل غامضه على من غلفوا ارواحهم بالحسابات والمصالح لكنها واضحة وجلية أمام من يرون بالحس قبل البصر لذالك إذا تحدث قلبك بلغت الصدق ولم تجد من يسمعك … لا تحزن فربما لم تصل كلماتك إلا إلى القلوب التي تشبهك والقلوب النبيلة وان قلت تظل انبل واصدق من آلاف الآذان التي تسمع لكنها لا تصغى.
لا تتوقف عن الحديث…
تحدث وان كان صمتك ابلغ لا تصمت عن الحق ولا تخف من ان تساء فهمك فالنبلاء وإن تأخروا سيقرأون يوما ما كما تريد وربما ستجد يوما قلبا نقيا يسمعك حتى دون ان تنطق.
كن نبيلًا… وتحدث دائمًا بلغة القلب.
حين يتحدث القلب بلغة لا يقرؤها سوى النبلاء
في زحام العالم… من يُنصت؟
في عالم يُقدِّس الظاهر ويهمل الجوهر، يظل حديث القلب من أعذب ما قد يُقال، وإن لم يُسمع. ذلك الحديث الصامت، الذي لا تصفه الحروف ولا تُترجم معانيه الكلمات، إنما هو لغة النقاء، ومخاطبة الروح للروح.
القلب لا يتحدث كما يتحدث الناس، بل يتكلم حين تسكت الشفاه، وتفيض الأحاسيس. يتكلم حين تضيق الحياة، وتشتد الوحدة، ويصبح الصدق عملةً نادرة. لكنه حديث لا يلتقطه الجميع، وإنما أولئك الذين ما زالوا يحملون بين أضلاعهم قلبًا حيًّا، ونفسًا راقية، وضميرًا لا ينام.
اللغة التي لا تُدرَّس
هذه اللغة لا تُدرَّس في المدارس، ولا تُقرأ في الكتب. لا تعلَّم في الجامعات، ولا تُكتسب بالمال أو المناصب. إنها لغة داخلية، تُكتسب بالتجارب، وتُصقل بالألم، وتُزهر في صمت من عَرَف الخذلان، وتجاوز الانتقام، وارتقى بالرحمة.
فكم من أناسٍ تحدّثوا بصدق قلوبهم، فلم يُفهَموا؟! وكم من مشاعرٍ نقيّة، وُوجهت بالشك أو السخرية؟!
السبب ببساطة: ليس الجميع قادرًا على الفهم، لأن النقاء لا يُفهم إلا بالنقاء.
من هم النبلاء؟
النبلاء الحقيقيون لا يُعرفون بكثرة كلامهم، ولا بثقل حضورهم الاجتماعي. هم الذين:
- يعتذرون حتى عندما لا يُطلب منهم الاعتذار.
- يعفون حين يملكون حق العقوبة.
- يصمتون في وجه الإساءة لا ضعفًا، بل رحمةً وسموًّا.
- يؤثرن غيرهم ولو كان بهم خصاصة.
- يداوون جراحهم وحدهم، حتى لا يُثقلوا على من يحبونهم.
النبلاء ليسوا ملائكة، بل بشر أدركوا أن السمو ليس في ألا تخطئ، بل في أن تعود أجمل بعد كل كبوة.
لغة القلب في العلاقات
حين يُحب القلب، لا يَطلب مقابلًا. يمنح بسخاء، وينتظر بالرجاء، لا بالاستحقاق. إن أحب، أحب بصدق، وإن ودّع، ودّع بسلام، لا بانتقام. ولذلك، فإن أعمق العلاقات لا تحتاج لكثرة الحديث، بل لحسٍّ مرهف يدرك: “لقد قال كل شيء بنظرته… بصمته… بحنانه”.
لمن نكتب؟
نحن لا نكتب لكل أحد، بل لأولئك الذين يشعرون بين السطور. لا نكتب لمن يقرأ بأعينه فقط، بل لمن يقرأ بقلبه، ويفهم بعمقه، ويشعر بصدق. فهؤلاء فقط هم من يستحقون لغة القلب.
أحيانًا لا تكون الحكاية في ما نقوله، بل في ما لا نجرؤ على البوح به، في ما نخبئه تحت أهداب الصمت، ونحفظه في زوايا الروح، حيث الكلام لا يصل، والمفردات تظل صغيرةً أمام كِبر الشعور، نكتب ولا نُقال، نُفهم ولا نُشرح، نُجرَح بصمت ونُرمَّم بأمل، نبتسم لأن القلب اختار أن يظل نقيًّا، رغم كل ما مرّ به، رغم ما فاته، رغم من خذله، رغم من لم يقرأه، رغم من عبر ولم يلقِ تحيّة.
فالقلب حين يتكلم، لا يطلب جمهورًا، ولا يسعى لتصفيق، هو فقط يريد أن يُحتوى، أن يُصغى له كما لو كان كتابًا نادرًا، لا يفتحه إلا من يعرف قيمته، لا يقرؤه إلا من من تدرّب على الصمت، من فهم أن بعض المشاعر لا تُقال، بل تُقدَّر.
نحن لا نشتاق لمن جلس معنا كثيرًا، بل لمن فهمنا من أول كلمة، من نظر في أعيننا فعرف أن خلف الابتسامة ألف وجع، خلف الهدوء ألف قصة، خلف النُبل ألف خيبة لم تُروَ، وألف وفاء لم يُقابل، وألف صبرٍ لم يُحتفَ به.
هكذا نحن، لا نُجيد كثيرًا من الضجيج، لكننا نُتقن الوفاء، نُتقن البقاء رغم الغياب، نُتقن التقدير في زمن الجفاء، نُتقن الحديث من القلب إلى القلب، ولكن… من يقرأ؟من يسمع؟ من يشعر؟ قلةٌ قليلة… يُسمَّون النبلاء.
فالقلب يا صاحبي، لا يتغير بسهولة… إنه يحمل في داخله ما لا يُقال، يحتفظ بنبضات خذلها الزمن، ويخبئ في تجاويفه رسائل لم تُقرأ، ونظرات لم تُفهم، ومواقف مرّت كأنها لم تكن، لكنها حفرت في الذاكرة مواضع لا تمحى، وخلّفت وراءها أثراً لا يُرى، لكنّه يُحسّ، يُثقل، يُربك، يُوجع.
وما أقسى أن تتكلم بلغة القلب، ويُجابَه حديثك بالتجاهل، أن تبذل من روحك، فيُقابلك الباردون بالصمت، أو الأشد برودًا: بالتمثيل. تمثيل الحضور، تمثيل الاهتمام، تمثيل الفهم، تمثيل الحُب. فتتساءل في داخلك: أما من أحدٍ ما زال صادقًا؟ ما زال نبيلاً؟ ما زال يستقبل الكلام من القلب كما هو، دون أن يشكّله، أو يبتّره، أو يُخضعه لمقاييسه الباردة؟
حين يصل الإنسان إلى لحظة يُدرك فيها أن مشاعره أثقل من أن تُفهم، وأطهر من أن تُمسّ بسطحية، يبدأ في الانسحاب بصمت، لا غضبًا، بل لأن صوته الداخلي قال له: كفى. كفى نقاءً في قلوب لا تُبالي. كفى صدقًا في وجوه لا ترى إلا ما تريده. كفى.
لكن القلب… لا يغلق أبوابه تمامًا، هو فقط يُضيّق الممر، يقلّل الإذن بالدخول، لا يقسو، بل يحتاط. لأنه لا يزال على فطرته، لا يزال يؤمن بأن هناك قلوبًا تشبهه، تمشي بخفة، وتُحب بعمق، وتتفهم دون كثير شرح، وتُجيد الإصغاء لما لا يُقال.
الكتاب: حديث القلوب
المؤلف: د. خالد أبو شادي
دار النشر: دار كلمات للنشر والتوزيع
