حين تُدان الضحية ويُغفل الجلاد.. عبثية الخطاب وتزييف البوصلة

في واحدة من أكثر صور التناقض الفكري والانحدار الأخلاقي فجاجة، برز خطاب إعلامي وسياسي عربي يُدين المقاومة الفلسطينية، ويُحمِّلها -مع داعميها - مسؤولية ما يجري من سفك للدماء في غزة! متجاهلاً أن الطرف المُعتدي، والمُحتل، والمجرم في ميزان القانون الدولي والإنساني، هو إسرائيل لا غير.
ففي مشهد لا يقل عبثية عن جرائم الاحتلال، يتصدّر بعض من يُحسبون على النخب الفكرية والإعلامية واجهة التبرير، لتوجيه سهام النقد لا إلى الجلاد، بل إلى الضحية، وتبرئة المحتل من مسؤوليته الواضحة عن المجازر اليومية والدمار الشامل الذي يطال المدنيين والبنية التحتية في قطاع غزة.
لقد غدا من المستغرب – بل من المؤلم – أن تُجرَّم المقاومة باعتبارها "مغامرة"، في حين يُتعامى عن الطبيعة العنصرية والاستعمارية للكيان الصهيوني، الذي يمثل منذ تأسيسه بؤرةً للعدوان والتهجير المنظم.
والحقيقة أن الكيان الصهيوني، منذ أن زُرع في قلب المنطقة، هو من يُمثِّل بؤرة الفساد والاستعمار والعدوان، وهو النموذج الفاقع للإرهاب الرسمي المسكوت عنه. فكيف يُختزل الصراع اليوم في عناوين فرعية وشبهاتٍ مذهبية، لتُطمس الحقائق؟
تزييف متعمد للبوصلة
إن اختزال الصراع الوجودي مع الاحتلال الصهيوني إلى سرديات فرعية مشحونة بالتحريض الطائفي والمذهبي، لا يُعدّ فقط تزييفًا للحقائق، بل هو تشويش مقصود للبوصلة الأخلاقية والسياسية للأمة.
ففي مشهد يعكس انحدارًا خطيرًا في سلم الوعي، والانفصال التام عن بوصلة الحق والعدالة، يتسابق بعض المتحدثين باسم "الواقعية السياسية" أو "التحليل الاستراتيجي" في إدانة المقاومة الفلسطينية وتحميل أطراف داعمة – كإيران – مسؤولية ما يحدث من عدوان إسرائيلي على غزة. هؤلاء لا يتوقفون كثيرًا أمام مشهد الأطفال المذبوحين تحت الركام، ولا أمام المجازر الجماعية، ولا أمام آلة القتل التي تعمل ليل نهار، بل يصوبون نقدهم تجاه الطرف الأضعف، والمستهدف، والمحصور داخل مربع المقاومة والصمود.
إن هذا الخطاب لا يستند إلى قراءة سياسية محايدة أو تحليل موضوعي كما يدّعي أصحابه، بل يُعدّ جزءًا من تزييف الوعي الجماهيري، وتشويش البوصلة الأخلاقية للأمة، من خلال قلب المعايير وإعادة تعريف الصراع. فحين تُدان المقاومة، ويُغضّ الطرف عن الاحتلال، بل وتُحمّل إيران مسؤولية الجرائم المرتكبة في غزة، فإن ذلك لا يعكس إلا إعادة صياغة مريبة لمفاهيم العدو والصديق ، بما يؤدي إلى إنتاج حالة من العدمية السياسية التي تفرغ مفاهيم المقاومة والكرامة من مضامينها، وتحوّل الدفاع عن الحقوق إلى جرمٍ يستوجب الإدانة، بينما يصبح التماهي مع الاحتلال موقفًا "عقلانيًا" أو "واقعيًا".
ويُعدّ خطاب السلطة الفلسطينية نموذجًا صارخًا لهذا التوجه المنحرف، حيث يتبنى موقفًا منهجيًا يُحمّل المقاومة الفلسطينية – في غزة أو الضفة – مسؤولية ما يواجهه الشعب من دمار ومعاناة، متجاهلًا أن الاحتلال الإسرائيلي هو الفاعل الرئيسي في كل ما تشهده الأراضي الفلسطينية من قتلٍ وتهجير وتنكيل. إن هذا الخطاب ليس مجرد اجتهادات فردية أو تصريحات عفوية، بل يعكس سياسة مركزية تتبناها القيادة السياسية للسلطة، هدفها النيل من شرعية المقاومة وتشويه صورتها في الوعي الجمعي الفلسطيني والعربي، وهو ما يصب في النهاية في خدمة مشروع الاحتلال التوسعي، ويُعزز من سرديّاته السياسية والأمنية.
ويظهر هذا التوجه بوضوح في البيانات الرسمية للسلطة، وتصريحات عدد من قادتها، الذين يسارعون في كل محطة إلى إلقاء اللوم على المقاومة، بينما يتحاشون تحميل الاحتلال مسؤولية الجرائم والانتهاكات اليومية بحق الشعب الفلسطيني.
شكلت فكرة إنشاء سلطة تحت الاحتلال نقطة ضعف لمشروع التحرر الفلسطيني، لأنها جاءت في إطار شروط إسرائيلية وارتبطت بنيتها ودورها بالاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، وبقي مستقبلها معلقًا بآمال المفاوضات والتسوية السياسية وفق معادلة بين طرفين غير متكافئين.7845
الدور الإقليمي والإعلامي

ليس من الصدفة أن هذا الخطاب يتقاطع مع مواقف بعض الأنظمة العربية التي اختارت طريق التطبيع والانخراط في منظومة "السلام الزائف"، حيث باتت ترى في المقاومة تهديدًا "للاستقرار"، وفي إيران خصمًا أيديولوجيًا يتوجب عزله بأي ثمن.
فبدلاً من مواجهة العدو الحقيقي، تُفتَعل معارك جانبية، وتُشيطَن أطراف إقليمية لها حسابات خاصة، لكن مساهمتها في دعم المقاومة – ولو بالحد الأدنى – تجعلها هدفًا لحملات التشويه.
ويُسهم الإعلام العربي الممول سياسيًا في تأجيج هذا الخطاب، من خلال التكرار المنهجي لمصطلحات من قبيل: "مغامرات المقاومة"، أو "توريط غزة"، أو "الوكالة عن إيران"، وهي عبارات تُمرّر لتجريد الفلسطيني من حقه في المقاومة، وحصر القضية في زاوية ضيقة من الحسابات المذهبية والطائفية.
يُعدّ التضليل الإعلامي خلال فترات الإبادة الجماعية والتطهير العرقي من أخطر الأسلحة المستخدمة، إذ لا يقتصر دوره على تبرير العنف الجماعي، بل يتجاوز ذلك إلى نزع الصفة الإنسانية عن الضحايا، وتحويلهم في الوعي العام إلى "آخر" لا يستحق التعاطف أو الحماية.
كما يُسهم هذا التضليل في زرع الشكوك والتشويش، مما يُضعف الدعوات إلى التدخل أو المساءلة الدولية.
وعندما يُستخدم الإعلام كسلاح مُمَنهج، فإن الغموض والارتباك لا يكونان عرضًا عارضًا ناجمًا عن "ضبابية الحرب"، بل يصبحان نتيجة مقصودة تُدار بوعي وبتخطيط مسبق، بهدف صناعة واقع بديل، وتزييف الوعي العام، وتبرير الاستمرار في ارتكاب الجرائم بعيدًا عن الضغط الأخلاقي أو القانوني.
هناك ثغرات بالخطاب الإعلامي الفلسطيني تُضعف من تأثيره على المجتمع الدولي؛ وتعود أسباب هذه الثغرات الي الدعاية الصهيونية التي تعمل علي قلب الحقائق وتشوية الوقائع كما تعود الي الدعم والانحياز الغربي الرسمي لهذه الدعاية الي جانب تداعيات حالة الانقسام علي الإعلام بسبب الانشداد الي الهوية الفئوية الحزبية الضيقة بدلا من الهوية الوطنية الشاملة.
مشروعية المقاومة
تستمد المقاومة الفلسطينية مشروعيتها بمقاومة الاحتلال وتقرير المصير بموجب الشرائع السماوية والأعراف الإنسانية والقوانين الدولية، فهي ليست فقط ردًّا على العدوان، بل هي تعبير عن الإرادة الجمعية في التحرر والدفاع عن الأرض والهوية والكرامة.
في المنظور الشرعي، تُقرّ نصوص القرآن الكريم بوضوح وجوب دفع العدوان ورفض الخضوع للظلم، كما في قوله تعالى: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ) [الحج: 39]، وقوله: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)[البقرة: 216].
قال ابن تيمية رحمه الله: "إذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب؛ إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة".
أما على صعيد القانوني، فإن القانون الدولي الإنساني يعترف بحق الشعوب الواقعة تحت الاحتلال في المقاومة، بما في ذلك الكفاح المسلح، وفقًا لضوابط اتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة، لا سيما القرار رقم (3103) "الصادر عن الجمعية العامة عام 1973، والذي ينص على شرعية نضال الشعوب ضد السيطرة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي بجميع الوسائل المتاحة، بما فيها الكفاح المسلح. وتؤكّد بأن استمرار الاستعمار، بجميع أشكاله ومظاهره هو جريمة، وأن للشعوب المستعمَرة حقاً طبيعياً في النضال بكل الوسائل ضد الدول الاستعمارية والسيطرة الأجنبية، ممارسة بذلك حقها في تقرير المصير.
الخاتمة
في ظل هذا المشهد المقلوب، تغدو الكلمات ميدانًا للمواجهة، وتصبح مهمة الكاتب والمثقف والسياسي الملتزم أصعب من أي وقت مضى.
نحن بحاجة إلى خطاب يحرر العقول قبل الأرض، ويعيد تعريف المعركة بوصفها صراعًا بين حق وباطل، لا بين مشاريع طائفية أو اصطفافات إقليمية.
ومهما تكاثرت حملات التزييف، ستبقى فلسطين هي القضية، والمقاومة هي الشرف، والاحتلال هو الجريمة التي لن يطهرها غبار الكلام ولا صمت الأنظمة.
المراجع

منير شفيق: لا يجوز وصف عملية طوفان الأقصى بالمغامرة
قال المفكر الفلسطيني منير شفيق، إنه يجب توحيد الموقف الفلسطيني خلف المقاومة في قطاع غزة، ولا يجوز وصف عملية “طوفان الأقصى” بالمغامرة، وليس هناك أي مبرر للعدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
تصفح المرجع
طوفان غزة والإعلام المفضوح
عملية طوفان الأقصى في غزة أذهلت العالم في أكتوبر 2023، وتسببت في ردود فعل إعلامية دولية مشكوك فيها. نيكول زيديك، مراسلة من أي نيوز 24 الإسرائيلية، نشرت تقريراً مضللاً عن قتل أطفال إسرائيليين على يد حماس، ما أدى إلى انتشار واسع للخبر في وسائل الإعلام العالمية والوسائط الاجتماعية مثل إكس. رغم نفي حماس وغياب الأدلة المادية، استمرت الشائعات في التحرك. تقارير مستقلة، مثل تحقيق ذا غراي زون، كشفت عن زيف الادعاءات. اعترف البيت الأبيض لاحقاً بخطأ تصريحاته الأولية المستندة إلى تقارير إسرائيلية غير مؤكدة. ورغم تراجع بعض المنافذ الإخبارية عن نشر الخبر الكاذب، إلا أن السردية المضللة ظلت مترسخة في أذهان الكثيرين، مظهرة قوة التأثير الإعلامي في تشكيل الرأي العام.
تصفح المرجع
Nihilism: The Final Defeat of Humanity
The destruction of our society won’t be brought upon us by nuclear war, famine, or disease, nor will it be an alien invader or Biblical end times. It will be brought upon us by the realization of our insignificance and meaninglessness; there is no point in living if all our existence brings is unnecessary suffering...
تصفح المرجع
خطاب الهزيمة والخنوع: كيف يُعاد تشكيل الوعي الفلسطيني لتجريم المقاومة؟
خاص - شبكة قدس: في خضم المواجهة المستمرة بين الشعب الفلسطيني والاحتلال الإسرائيلي واستعار حرب الإبادة ومضي حكومة
تصفح المرجع
ماكينة التضليل الإعلامي: سلاحٌ أساسي في ترسانة إسرائيل | الشبكة
تناول طارق كيني الشوا أساليبَ التضليل الإعلامية الإسرائيلية، ويبيِّن كيف أسهمت هذه الجهود في تآكل الحقيقة.
تصفح المرجع
سيطرة الإعلام بين العقل والترفيه
تمر على أعيننا مئات الأحداث يومياً من خلال وسائل الإعلام المختلفة سواء كانت ترفيهية أو سياسية، غير مكترثين باستخلاص أهداف أو فوائد وراء هذه المشاهدة.
تصفح المرجع