برنامج الكورت لتعليم التفكير: رؤية علمية شاملة لتدريب مهارات التفكير الحياتي

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، والتعقيد المتزايد في المشكلات الحياتية والتعليمية، أصبح من الضروري أن يُعاد النظر في أساليب تنمية التفكير لدى الأفراد، خصوصًا في المراحل التعليمية. فلم يعد التفكير مهارة تلقائية، بل غدا مهارة حياتية قابلة للتعلم والتطوير، وهو ما دفع بالعديد من الباحثين إلى المطالبة بإدراج برامج خاصة لتنمية التفكير في مختلف المناهج الدراسية، وذلك بهدف بناء أجيال تمتلك أدوات عقلية مرنة تؤهلها للتفاعل مع تعقيدات العصر.
وفي هذا السياق، يبرز برنامج الكورت (CoRT)، الذي وضعه الدكتور إدوارد دي بونو في جامعة كامبريدج، بوصفه نموذجًا متكاملًا لتعليم التفكير بشكل منهجي ومباشر. ويُعد هذا البرنامج من أقدم وأشهر البرامج العالمية في تعليم التفكير، حيث تم اعتماده في العديد من الدول، ويقوم على مبدأ أن التفكير مهارة يمكن تعلمها وتطويرها من خلال التدريب المنتظم على مجموعة أدوات تفكيرية محددة (De Bono, 1992).
ولا يعتمد برنامج الكورت فقط على تقديم معلومات أو تدريب على مهارات حل المشكلات، بل يؤمن بأن التفكير نفسه يمكن تدريبه وتوجيهه من خلال أدوات ذهنية محددة، وقد تم بناء هذا البرنامج على ست وحدات رئيسية، تتضمن كل منها عشر أدوات تفكيرية تُغطي أبعادًا متعددة من التفكير، وهي: توسيع الإدراك، التنظيم، التفاعل الاجتماعي، الإبداع، معالجة المعلومات، وأخيرًا اتخاذ القرار العملي (Al-Momani et al., 2022).
وتكمن قوة هذا البرنامج في اعتماده على مبدأ "تعليم التفكير لأجل التفكير"، أي تدريب الأفراد على التفكير كمهارة مستقلة بذاتها، وليس كأداة فرعية للتعلم المدرسي فقط، وهذا الاتجاه يُعد من التحولات البيداغوجية الحديثة في التعليم، حيث انتقل تركيز العملية التعليمية من نقل المعرفة إلى تمكين الطالب من أدوات إنتاج المعرفة ذاتيًا.
1توسيع الإدراك: المدخل إلىالتفكير المتعدد
تتمثل الوحدة الأولى في البرنامج في مهارات توسعة الإدراك، والتي تُمكّن المتعلم من النظر إلى الموقف من زوايا متعددة، باستخدام أدوات مثل: تحليل الإيجابيات والسلبيات والجوانب المثيرة، واعتبار جميع العوامل المؤثرة، والتفكير في النتائج والعواقب، وتحديد الأهداف، وفهم وجهات نظر الآخرين، وتهدف هذه الأدوات إلى تجاوز التفكير الأحادي السطحي نحو تفكير متزن شمولي، وتكمن أهمية هذه المهارات في تعزيز القدرة على اتخاذ قرارات مدروسة، وتوسيع مدى المرونة الذهنية (De Bono, 1992).
2. التنظيم: بناء التفكير المنهجي
أما وحدة التنظيم، فتركّز على مساعدة الطلبة في ترتيب أفكارهم وتحديد المشكلات ووضع الحلول بشكل منطقي، وذلك من خلال أدوات كالتحليل، والمقارنة، والتركيز، وتنظيم الأفكار، والبحث عن بدائل، وتُعد هذه الوحدة حجر الأساس لبناء تفكير استراتيجي يساعد المتعلم على التدرج في حل المشكلات بشكل منتظم، كما تُسهم هذه الوحدة في تقوية مهارات التخطيط والتنفيذ وحل المشكلات الواقعية (الخطيب، 2019).
3. التفاعل: تنمية الوعي الاجتماعي والتواصل الفعّال
ثم تأتي وحدة التفاعل، التي تسعى إلى تنمية قدرة المتعلم على الحوار والنقاش وفهم المواقف الاجتماعية، من خلال مهارات الاعتراف بوجهات النظر المختلفة، وتقييم الأدلة، وإدارة الخلافات، وتنمية القدرة على الإقناع والمرونة، وإنّ هذه المهارات تُكسب الطالب توازنًا بين التفكير الفردي والجماعي، وتُرسّخ أسس التفكير التشاركي والتفهم المتبادل (السرحاني، 2021). وفي زمن تنتشر فيه ثقافة الاختلاف والجدل، تغدو هذه الوحدة ضرورة لبناء مواطنين قادرين على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
4. الإبداع: تفجير الطاقات الذهنية
أما وحدة الإبداع، فهي تُعد من أكثر الوحدات ثراء، حيث تستهدف كسر النمطية في التفكير وتشجيع توليد الأفكار الجديدة والمبتكرة، وتُستخدم فيها أدوات متنوعة مثل: إدخال المدخلات العشوائية، وتحدي الأفكار السائدة، وإزالة الأخطاء، والربط بين المفاهيم المتباعدة، والتفكير الإبداعي المتسلسل، وقد بينت دراسات تربوية عدة أن هذه الوحدة ترفع من معدلات الطلاقة والمرونة الفكرية لدى المتعلمين، وتُسهم في تعزيز التفكير الناقد والإبداعي لديهم، وتكتسب هذه الوحدة أهمية خاصة في عالم يتغير بسرعة، ويحتاج إلى حلول جديدة لمشكلات غير مسبوقة (Al-Momani et al., 2022).
5. المعلومات والعواطف: التوازن بين العقل والانفعال
ومن جانب آخر، فإن وحدة المعلومات والعواطف تهتم بتدريب المتعلم على جمع المعلومات وتحليلها من جهة، والتعامل مع العواطف والانفعالات من جهة أخرى، وهذا يُعزز التوازن بين التفكير العقلاني والعاطفي، ويقلل من التحيزات التي قد تؤثر على اتخاذ القرار، وتشمل أدوات هذه الوحدة أساليب تحليل الأسئلة، وتقييم الآراء، وفهم الاعتقادات الشخصية، وتحديد القيم الفردية والجماعية كما تُسهم في بناء متعلم أكثر وعيًا بذاته وبمحيطه (الخطيب، 2019).
6. العمل: التفكير من أجل الإنجاز
أما الوحدة الأخيرة، وهي وحدة العمل، فتُعد تتويجًا لجميع المهارات السابقة، حيث تجمع بينها في شكل خطة عمل متكاملة، تبدأ من تحديد الأهداف، مرورًا بتوليد الحلول، ثم اختيار البدائل المناسبة، وأخيرًا وضع الخطة التنفيذية، وتمثل هذه الوحدة الجانب العملي من التفكير، الذي يُهيئ المتعلم للانتقال من التأمل إلى الفعل (De Bono, 1992). فهي وحدة تطبيقية تجعل التفكير مرتبطًا بحل المشكلات الواقعية.
خطوات التدريس في برنامج الكورت
يُطبّق برنامج الكورت من خلال خطوات تعليمية واضحة، تبدأ بعرض مثال توضيحي أو موقف واقعي أو حتى آية قرآنية أو حكمة، ثم تقديم الأداة بشكل مبسط، وبعدها يُطلب من المتعلمين العمل ضمن مجموعات لتحليل المواقف باستخدام الأداة، وفي النهاية تُقدَّم تغذية راجعة تُسهم في تقويم التفكير وتنميته، وتتميز هذه الطريقة بمراعاتها للفروق الفردية، واعتمادها على التعلم النشط (Al-Momani et al., 2022).
تحديات تطبيق برنامج الكورت في السياق العربي
رغم فعالية البرنامج، إلّا أنّ تطبيقه في السياقات التعليمية العربية يواجه بعض التحديات، مثل ضعف تدريب المعلمين على استخدام أدوات الكورت، وميل بعض المدارس إلى التلقين، ونقص الوقت المخصص في المناهج الرسمية لمهارات التفكير. ولذلك، فإن نجاح البرنامج يتطلب دمجه في السياسات التعليمية، وإعادة تأهيل المعلمين، وتوفير بيئة صفية محفزة على الحوار والانفتاح الفكري.
خاتمة
في ضوء هذه النتائج، يمكن القول إن تبنّي برنامج الكورت ضمن المنظومات التعليمية العربية يُعد خطوة استراتيجية نحو تحسين مخرجات التعليم وتحقيق التحول المنشود نحو تعليم التفكير، بدلًا من الاقتصار على حفظ المحتوى، كما أن البرنامج يُمكّن المتعلم من امتلاك أدوات عقلية تساعده على مواجهة مشكلات الحياة اليومية بحكمة وتنظيم ومرونة.
والعالم العربي اليوم بحاجة ماسة إلى إعادة الاعتبار للتفكير كمنهج حياة، وبرنامج الكورت يقدم إطارًا متكاملًا يمكن من خلاله تحويل الصفوف الدراسية إلى مختبرات حية للتفكير والتأمل والتحليل، وهذا هو جوهر التعليم الحقيقي.
المراجع
الخطيب، حسن سعيد. (2019). فاعلية برنامج الكورت في تنمية مهارات التفكير لدى معلمي المرحلة الأساسية. المجلة الأردنية في العلوم التربوية، 15(3)، 101–124.
السرحاني، علي بن عبد الله. (2021). أثر تطبيق برنامج الكورت على تنمية التفكير الناقد لدى طلاب المرحلة المتوسطة. مجلة التربية المعاصرة، 27(4)، 150–172.
Al-Momani, I., Alrababah, O., & Al-Omari, A. (2022). The effectiveness of CoRT program in enhancing critical and creative thinking skills among school students. Journal of Educational Research, 15(2), 45–66.
De Bono, E. (1992). Teach your child how to think. London: Penguin Books.