نوستالجيا الماضي .. مُجرّد حنين أم سجن نعلق به؟

أن تكون عالقاً في منتصف الطريق ترى المواقف ولا تستطيع الاقتراب، أو قريباً من أحداث لا تستطيع لمسها، وفي كلا الحالتين تقف عاجزاً عن إحداث فارق يُذكر أو تغيير مطلوب. دائرة مغلقة يدخلها الإنسان بإرادته تحبس أفكاره في زمن معين وتُقيّد حركته في الحاضر، مما يؤثر سلباً على مستقبله وتمنعه هذه الحالة من رؤية الغد والعمل له بصورة أفضل، حيث تسمى تلك الحالة بـ "نوستالجيا التعلّق بالماضي".

الماضي ليس خطراً على العكس، فالعيش في الحاضر والتطلُّع للغد قائم على أساس ما بُني في الماضي. الخطر يكمن في أن يصبح الماضي سجنك الأبدي الذي تدخله بإرادتك نتيجة رفضك لحاضرك والأمر الواقع. ولا أقصد بكلامي أن نتجاهل الماضي أو نرميه بعيدا ً فبدونه نفقد هويتنا وأصلنا.

هناك مقولة شهيرة لجبران خليل جبران يقول فيها: "من يشنقه صوت الماضي لا يستطيع مخاطبة المستقبل". عند التركيز فيما قاله عالمنا الجليل نجد أن مع الوقت قد تقل رغبة الإنسان في الاستمتاع بحاضره والتطلع لمستقبله. ولكن تُرى لماذا يدخل الإنسان هذه الدائرة المغلقة التي قد تمنعه من مواصلة حياته؟ وكيف يستطيع الخروج منها؟

v    أهم الدوافع التي تجعل الإنسان يعلق بماضيه

الماضي بتفاصيله الرائعة وتجاربه السيئة يترك ندوباً عميقة في قلوبنا، فمن منا لم تعصف به الحياة يوماً وتمنى زوالها؟ ومن منا لم تحاصره آلام الذكريات ووقف به الزمن عند محطة معينة استحالت الحياة بعدها؟

دائماً ما ارى النفس البشرية شبيهة بنوافذ المنزل المختبئ خلفها مجموعة من الحكايات والأسرار. فإما أن يفتح ذراعيه كل صباح ليستقبل أشعة الشمس، وإما أن يُغلَق بإحكام فلا يسمح للضوء والدفء باختراقه، فتختفي معه أي مقومات للحياة. وعند التفكير المُتمعِّن في الأسباب التي أدت إلى ذلك نجد أن هناك عدة ظواهر قد تدفع نافذتنا لإغلاق أوصادها:

·        التعرض لصدمة عصبية ونفسية نتيجة فقدان عزيز أو خيانة صديق أو انفصال عن حبيب: لن تُنكر وأنا معك في ذلك أيها القارئ أن هذه الصدمات، في حال تعرّضنا لها لا قدر الله، تُصيبنا أحياناً بالشلل الدماغي، فتُصبح عقولنا عاجزة عن التصديق والتفكير في آنٍ واحد. فقد قرأتُ في إحدى المقالات على أحد المواقع الغربية أن عقولنا نحنُ البشر تميل لتذكّر المواقف السلبية أكثر من الإيجابية، وهي ظاهرة نفسية تُسمى بـ "التحيُّز السلبي" حيث يبقى تأثير الصدمات السلبية سواء كانت جسدية أم نفسية مدة أطول في الدماغ. كما ذكر المقال دراسة أجراها عالم نفسي يُدعى جون كاسيوبو على عدة أشخاص، حيث عرض لهم بعض الصور السلبية والإيجابية، فأظهرت قشرة أدمغتهم ردود فعل قوية للصور السلبية عنها للإيجابية أو المحايدة، مما يُعتبر مؤشر خطر. وهذا يقودنا لنفهم طبيعة أدمغتنا البشرية بأنّ الذكريات والمشاعر السلبية تستطيع أن تتحكم بعقولنا، سواء كان الجزء المسؤول عن العواطف، أم جزء اتخاذ القرار، أم جزء غريزة البقاء. فتخيّل عزيزي القارئ كم أنّ هذه الاستنتاجات والحقائق تُبيّن مدى تأثير الصدمات السلبية في عقولنا. فهي تُسيطر على أفكارنا وحديثنا وسلوكنا، وتُدمّر دوافعنا للاستمرار في هذه الحياة، فتجعلنا مهزوزين ومتوترين دائماً من شعور الفقد والخسارة، ونُصبح أكثر شكاً قي علاقاتنا، وتُفقدنا الشعور بالأمان والألفة بصحبة من نحب.

·        الشعور بالندم والخزي نتيجة بعض المواقف: تُعتبر نتاج بعض المشاعر المدفونة بداخلنا ولا نُفصح عنها أحياناً، لكن أثرها يظل بداخلنا كالإحباط من فشل دراسي أو وظيفي، والتعرض للتنمر أو بعض المضايقات على مظهرنا أو طريقة تفكيرنا. فعلى صغر هذه المواقف، لكنها تترك ندوباً عند معظمنا، بحيث يتعامل معها كل فرد بطريقة مختلفة عن الآخر، فتقود بعضنا إلى العزلة والانطوائية، أو تزيد من احتماليات العنف في التعامل مع البشر والمجتمع، فتجعل الفرد عدوانياً أو انطوائياً أو منعدم الثقة في ذاته وفيمن حوله.

·        الشعور بالذنب والتقصير: هناك بعض المواقف التي قد نتعرّض لها، منها ما يجعل أفكارنا مشوّشة ومضطربة، فتتولّد بداخلنا بعض العواطف كالشعور بالذنب على أفعال أو أقوال حدثت ونتمنى زوالها، أو لم تحدث وتمنينا حدوثها، فيتوقف عقلنا عندها بحيث يتمنى المرء العودة بالزمن لتغيير كلمة أو رد فعل أو سلوك. مما تُعيق علينا تلك العواطف التفكير بشكل إيجابي، وأن ما حدث كان في الماضي ولن يتغير، ويجب اعتباره درساً مهما نستفيد منه ولا نكرر أخطائنا، وعندها يمكننا العيش بشكل طبيعي.

·        الشعور بالسعادة بشكل زائد عن حده: على عكس المشاعر السلبية التي يترجمها العقل والقلب لذكريات يود أن يتخلص منها ويحاربها، يتمسك في بعض الأحيان بلحظاته السعيدة بشكل مُفرط، ويتمنى أن يقف الزمن عندها، ويظل عقله بالفعل متوقف عندها ولا يتقبّل واقعه مطلقاً، فيمنعه ذلك من مواصلة حياته ويبقى ملتصقاً بتلك الحقبة التي شعر فيها بالسعادة الغامرة. فلا يستطيع تجاوزها ولا يتمكن من الاستمتاع بحياته الراهنة التي يمكن أن يجد فيها ما ظن أنه لن يشعر به مرة أخرى وخاف أن يفقده.

v    استراتيجيات العلاج والاستشفاء

التصالح مع الماضي بكل أشكاله وفئاته هو أول خطة للعلاج.

خُذ من لحظاتك الجميلة دافعاً قوياً تستقوى به على الأيام ويشجعك على تحقيق ما يشابهها، وتصالح مع لحظات اليأس والانكسار ولا تخجل منها أو تتعمّد نسيانها. فعلى النقيض، تعلّم من أخطائك السابقة لتتفاداها فيما هو آت. لن يأتي هذا الشعور إلا إذا تولّدت لديك الرغبة الصادقة في الشفاء والتحرر من كل ما يُقيدك في الماضي. فعندما تُقرر ذلك ستبحث عن الكثير من الحلول كالانغماس في عمل تحبه ويُشبع شغفك، وممارسة الرياضة بشكل منتظم تجعل جسمك سليماً ومُقبلاً على الحياة، ووضع أهداف وكتابتها لتحديد أولوياتك وتنظيم حياتك بشكل أفضل. وأهم ما في ذلك أن تُحاوط نفسك بأشخاص تحبهم ويحبونك. وأخيراً، افهم عقلك وقلبك وحاول أن تعبر عنه بشكل صحيح ولا تلقي باللوم عليه أو تحط من قدره. ولا تخجل إذا احتجت طبيباً نفسياً، أو أن تنضم لمجموعات علاجية تضم أفراد يتحدثون لبعضهم البعض لنقل الخبرات والتعبير عن مشكلاتهم، فكونك تُدرك وجود الكثيرين لديهم نفس أفكارك يحثّ ذلك على التحسُّن.

سمعت ذات مرة الدكتور إبراهيم الفقي في مقطع فيديو له يتحدث فيه عن أهمية التخلص من المشاعر السلبية التي نواجها والمرتبطة عندنا بذكرى أو حادث أليم، فسمّى قانون أطلق عليه "قانون الثلاثة": " لاحظها، ألغها، استبدلها ".

هذا القانون البسيط عبقري إن تم تنفيذه، حيث لا يوجد إنسان قط بلا ماضي وبلا مشاعر سلبية. فقد يكون الإنسان حبيساً ماضيه لإنه كان جميلاً وذكرياته أحلي من حاضره، وقد يكون على العكس ماضيه مليء بالذكريات والاحداث السيئة. وفي كلا الحالتين، نظرتنا للماضي تمنعنا من اغتنام اللحظة الحاضرة والاستمتاع بها وتجعلنا نرفض الواقع. فكما قال الدكتور ابراهيم الفقي في حديثه، يقدم لك بنك الحياة يومياً 1440 دقيقة تستطيع استغلالها جميعها. وهذا هو قانون الوجود: أن تتعامل مع كل لحظة في حياتك على أنها اللحظة الأخيرة. إذا برمجت عقلك على ذلك، ستجده تدريجياً يمر على اللحظات السيئة القديمة. وبدلاً من محاولة تغييرها لأن ذلك مستحيل، يقوم بتغيير نظرته لها، فيتسنى له نسيانها واستبدالها بمواقف أخرى ألطف تجعله سعيداً وواثقاَ بذاته أكثر.

v    ختاماً:

لا أُريد أن يكون كلامي مُسترسلاً بلا أي قيمة، أُريد حقاً أن يستفيد كل قاريء من هذا المقال. فالحياة بوقتها ثمينة ونعمة غالية من الله تعالى. وما نمر به من مواقف وأزمات صعبة هو ما يجعلنا أكثر صلابة لمواجهتها والاستمتاع بها. فاخرج من سجن ماضيك ولا تجعله يتحكم بك، على العكس، تسامح معه وتعلّم منه ولا تهرب منه أو تكرهه وتبغضه، فهو إرثك من المعتقدات والتجارب الإنسانية والعملية لكي تحيا الآن سعيداً وتتخيل مستقبلا مشرقاً. حب ذاتك أولاً عزيزي القاريء فهي تستحق، وتعلّم أن تسامحها وتقوّمها للخير فلا تحمّلها فوق طاقتها، واغمر كيانك بالحب، فهو مفتاح السعادة الأول، فبدون أن تحب ذاتك لن يتسنى لك أن تحب الحياة ولا أن تحبك هي.

 

المراجع:

https://hub.papersowl.com/examples/how-past-experiences-influence-our-present-understanding-the-impact/