الاستثنائيون أشخاصٌ نُعجَب بهم، ونتطلع إلى بلوغ مكانتهم ذات يوم. وأفترض أننا نتركهم يحددون تعريفاتنا للنجاح والمعايير التي نقيس أنفسنا بها. وللأمانة، قد تكون قصص بعضهم ملهمة. لكن، هل سنصل لما وصلوا إليه؟
الإجابة الصادمة: لا!
استوقفتني مؤخرًا جملة من كتاب [متمكن لدرجة يصعب تجاهلها So Good They Can't Ignore You] للكاتب الشهير "كال نيوبورت" إذ يقول:
"لا تُعتبر ملاحظة بعض الأمثلة على نجاح استراتيجية ما دليلًا على فعاليّتها؛ بل لا بدّ من دراسة العديد من الأمثلة والتساؤل عما نجح في الغالبية العظمى من الحالات"
يُشبه الاقتداء بالاستثنائيين -في اتخاذ أهم قرارات حياتك- وضعَ مدخّراتك كاملةً في تمويل شركة ناشئة؛ احتمالية فوزك ضئيلة، والظروف ضدك!
أربعة أسباب تجعل الاستثنائيين قدوة سيئة لمعظمنا
أتفّهم لمَ قد تستنكر قولي أعلاه، إذ اعتادت قصص النجاح شحنك بالطاقة والطموح حدّ الثمالة. وربما تخيّلت نفسك -مرارًا- مكان بيل غيتس أو مارك زوكربيرغ.
وأنا مثلك بالمناسبة، لكنني اكتشفت عوامل عديدة نتجاهلها في قصص نجاح هؤلاء المتميزين.
1. التغطية الإعلامية
يؤلّف الاستثنائيون كتبًا، ويكتب الناس كتبًا عنهم. ثم تظهر صورهم على أغلفة المجلات وفي قوائم مثل فوربس 500، وقائمة أغنى 30 تحت 30 عامًا، أو قائمة فاست كومباني لأكثر 100 شخصية إبداعية في عالم الأعمال. ولأننا نقرأ كتبهم، ونشاهد محاضراتهم على منصة تيد، ونراهم في برنامج أوبرا، يصبحون قدوة لنا.
تقرأ مقالة على منصة "نثري"، وتتأمل كتب التنمية الذاتية، وتشاهد المحاضرات التحفيزية هنا وهناك. ما القاسم المشترك بينها؟ جميعها، تستخدم حالات استثنائية كأمثلة لما يمكن لأي شخص فعله.
وعندما يقرأ الملايين كتاباً ما، فإنهم يتفقون -ضمنًا- على اعتبار نصيحة المؤلف وصفة للنجاح. لكننا ننسى -في خضم ذلك- أن تلك النصيحة ليست حقيقة مُطلقة!
ودعني أضرب لك مثالًا:
بالتأكيد سمعت بكتاب "أسبوع عمل من أربع ساعات" لتيم فيريس، أليس كذلك؟
هل تعلم أنه أحدث موجةً عارمةً من الراغبين في العمل كرحالة رقميين؟
لقد ظنّ الملايين أن بإمكانهم السير على خطاه وتحقيق نتائج مماثلة. ثم انتهى المطاف بمعظمهم إما إلى الفقر أو إلى نقطة الصفر.
في مقال بول غراهام عن الثروة، يقول عن الملياردير الشهير بيل غيتس:
لنبتر الحديث عن بيل غيتس من الآن فصاعدًا! من العبث ضرب الأمثلة بالأثرياء المشهورين؛ فالصحافة لا تكتب إلا عن الأثرياء جداً، وهؤلاء غالباً ما يكونون استثناءً. هناك عامل عشوائي كبير في نجاح أي شركة. لذا، فمَن نقرأ عنهم في الصحف هم -في الغالب- شديدو الذكاء والتفاني، ولا ننكر محالفتهم الحظ طبعًا.
مهما بدا الأمر مغريًا، لا يمكنك محاكاة مسار نجاح شخص آخر وتوقع الوصول إلى نفس النتائج. صحيح أن معظمنا لن يصبح ستيف جوبز أو بيونسيه أو أوبرا وينفري القادمَين، لكننا -للأسف- نؤمن أننا قادرون على الوصول لتلك المكانة.
2. المورثات والموهبة والذكاء
لا يمكننا الحديث حول المتميزين دون أن نذكر صاحب التسمية، مالكوم جلادويل، وكتابه الشهير "المتميزون: قصة النجاح"، واسمح ليّ هنا بالاستشهاد من ذاك الكتاب:
"لا أحد يبدأ من الصفر. فلا يمكننا إنكار إننا مدينون بشيءٍ ما للتنشأة والرعاية. قد يبدو من يقفون على منصات التشريف وكأنهم حققوا كل شيء بأنفسهم، لكنهم -في الواقع- مستفيدون دائمًا من مزايا خفية وفرص استثنائية وإرث ثقافي يمكّنهم من التعلّم والعمل بجدّ وفهم العالم بطرقٍ يعجز عنها الآخرون"
بعض الناس يحالفهم الحظ في الجينات، فهم يولدون بقدرات رياضية فطرية، أو ينحدرون من أبوين ذكيين، أو يولدون في عائلات ثرية.
من الرائع امتلاك عقلية النمو. يمكنك اكتساب مهارات لتطوير موهبتك، ويمكنك أن تمنح نفسك تعليمًا يتفوق بكثير على ما تلقيته في المدرسة. لكن لا ينفي هذا حقيقة أنك لا تستطيع تغيير بعض جوانب شخصيتك.
تلعب الوراثة والموهبة والذكاء والمهارة دورًا هامًا نتجاهله عندما نتخذ من الاستثناءات نماذج يحتذى بها. قد لا تحدد الجينات ما يمكنك تحقيقه، لكنها تلعب دوراً.
3. السياق
يقول سام سومرز في كتابه "الظروف تصنع الفارق Situations Matter": "تتشكل معظم رؤيتنا وتفاعلنا مع العالم الاجتماعي المحيط بنا بفعل السياق الذي كنّا فيه". بعبارة أخرى، يحدد السياق "فعالية" جميع النصائح التي تصادفها في الكتب والبودكاست والدورات التدريبية عبر الإنترنت والندوات التحفيزية.
عندما يقرأ معظم الناس كتب التنمية الذاتية ويحضرون دورات عبر الإنترنت، فإنهم يتجاهلون السياق والاحتمالات. ويركزون فقط على إمكانية تحقيق نفس النتائج التي حققها مُنشئ الدورة!
يُشكل التوقيت والروابط والجغرافيا جميعها سياق ما يجعل الشخص الاستثنائي ناجحاً.
أجرى بيل غروس، مؤسس شركة Idealab، دراسةً شملت أكثر من 200 شركة ناشئة لمعرفة القواسم المشتركة بينها. ووجد أن العديد منها استفاد من التوقيت المناسب. بمعنى: لن نعرف أبدًا ما إذا كان فيسبوك سيصبح عملاقًا كحالها اليوم لو درس مارك زوكربيرغ في جامعة هارفارد بعد عام أو قبله!
لو لم يكن للسياق أهمية، لكان لكل شخص يأخذ دورة في التدوين جمهور ضخم، ولكل من يحضر ندوة توني روبنز مليونير، ولكل مؤسس يجمع جولة تمويل استثماري سيبني شركة يونيكورن.
4. المتغيرات الخفية
هناك العديد من المتغيرات الخفية التي لا يمكنك تكرارها والتي تلعب دورًا في مستوى نجاح شخص آخر.
وإذا كان هناك شيء واحد تعلمته من مشاهدة عشرات المقابلات وقراءة أكثر من مئتي كتاب، فسيكون:
لا تتبع نصيحة أي شخص بحذافيرها. ولا تتبع نصيحة شخص استثنائي بحذافيرها.
يُعتبر الاستثنائيون قدوة سيئة عندما لا تُشكك في نصائحهم ضمن سياق حياتك.
أقول دائماً للأشخاص الذين أساعدهم في كتاباتهم الإبداعية أن يضعوا في حسبانهم احتمالية أن يكون كل ما قلته لهم.. مجرد هراء.
إذا لم تشكك في النصائح في سياق حياتك، فإن تلك النصائح ستسبب ضرراً أكثر من نفعها.
خطر النصائح التي "ينبغي على الجميع" اتباعها
يشتهر المدونون عن التنمية البشرية بتقديم نصائح ساذجة تبدأ بعبارة "ينبغي على الجميع". في كل مرة تصادف فيها عبارة "ينبغي على الجميع"، يجب أن تكون متشككًا.
إذا حللتَ قصص الأشخاص الذين يقدمون هذه النصيحة، فسيتضح لك بسهولة أنك لن تحقق نتائج مماثلة. فلماذا نتعامل مع هذه النصيحة وكأنها حقيقة مطلقة؟
لا توجد وصفة سحرية تضمن النجاح. عندما يعتقد الناس بوجودها، فإنهم يتجاهلون عاملاً واضحاً وجلياً يُخلّ بالوصفة: أنفسهم.
ما البديل إذًا؟
كما لاحظت، لا يُعد الأشخاص الاستثنائيين قدوة حسنة لمعظمنا. لكنّ قد يؤدي البديل إلى نتائج أفضل بكثير ورضا أكبر في حياتنا.
ينبغي علينا أن نفكر فيما نحن قادرون عليه، ونحدد احتمالية نجاحنا، ثم نقرر ما الممكن.
1. القدرة
تنبع القدرة من فهم الفرق بين ما خُلقتَ وما أنت قادر على فعله.
هناك الكثير من النصائح السيئة التي تبدو جيدة في كتب التنمية الذاتية، والبودكاست، ومحاضرات تيد، والندوات التحفيزية. هذه النصائح مضللة في أحسن الأحوال، ومجرد هراء في أسوأها.
يدفع (المحتوى التحفيزي) هذا الناس إلى إهمال قدراتهم، وتجاهل الفرق بين ما يستطيعون فعله وما خُلقوا لأجله. إذا لم تكن لديك الموهبة أو المهارة أو الذكاء لتطبيق نصيحة ما، فلن تُحقق النجاح.
2. الاحتمالية
ما احتمال أن تصبح جو روغان القادم؟ واحد من مليون.
ما هو احتمال أن تصبح أوبرا وينفري القادمة؟ إنه احتمال ضعيف.
كان السياق الذي بدأت فيه أوبرا مسيرتها المهنية مختلفًا. لم يكن لدينا آنذاك ملايين المنافذ الإعلامية أو ملايين البودكاست على آيتونز. في المشهد الإعلامي الحالي، من المستحيل على أي شخص أن يصبح أوبرا التالية.
إذا تجاهلت السياق، فإنك تتجاهل الاحتمالية.
عندما تتجاهل احتمالية النجاح وتركز فقط على إمكانية تحقيقه، فإنك تُهيئ نفسك للفشل. إن أخذ احتمالية النجاح في الحسبان يُفضي إلى تفاؤل عقلاني، ونهج أكثر واقعية لعيش الحياة التي نرغبها، وتحقيق أهدافنا.
3. الواقعية
تكمن المفارقة في التفكير بالممكن أنه يجعل المزيد من الأمور ممكنة. فبمعرفة قدراتنا وفهم احتمالية نجاحنا، نضع أهدافًا من المرجح أن نحققها.
إنّ الأشخاص الاستثنائيين ليسوا قدوة حسنة لبقية الناس. ولكن، لا مفرّ من أن تقرأ كتبهم، وتستمع إليهم في البودكاست، وتشاهد محاضراتهم على منصة تيد.
لا أقول إنه يجب عليك التوقف عن قراءة هذه الكتب أو الاستماع إلى البودكاست. إنما عليك مراعاة السياق، وتحديد مدى جدوى نصيحتهم، ثم تحديد ما هو ممكن فعلاً. وإلا، ستقضي حياتك في مطاردة أوهام لن تتحقق.