
بسم الله الرحمن الرحيم
- تمهيد في بيان المقصد:
إن الاعتبار بأحوال الأولين طريق لفهم سنن الاجتماع الإنساني، واستجلاء القواعد التي بها تنتظم الجماعات وتستقيم المعايش... فالنظر في إرث الأجداد يكشف عن منظومة قيمية تشكلت في بيئة شحيحة الموارد، فكانت الأخلاق فيها أوفر من المتاع، وكان المعنى أسبق من المادة... ومن تدبر ذلك أدرك أن ثبات القيم أصل تُبنى عليه الأحوال، مهما تغيرت الأزمنة وتبدلت الوسائل... وهذه جملة من الأصول والقيم التي عليها مدار قواعد الاجتماع والعمران، اعتكف عليها أجدادنا في العهد القريب، نسوقها إليك أيها القارئ العزيز وإن كانت تكاد تنمحق بالكلية اليوم في بعض القرى والبوادي، والتخلي عن هذا العرف السائد بالركون إلى شح النفس والمادة المجردة هدم لحس التعاون على البر والتقوى، وإحياء للتعاون على الإثم والعدوان...
- الأصل الأول: في بساطة العيش وأثرها في تزكية النفوس..
اتسم عيش الأجداد بالبساطة، فكانت القناعة والرضا سمتين عندهم؛ إذ تدربت النفوس على الاكتفاء، واستغنت القلوب عن التعلق بما في أيدي الغير... وأثمر هذا النمط من العيش توازنا داخليا حال دون تفشي التنافس المذموم، وحفظ العلاقات من التوتر الدائم... فاستقامت أحوال الأفراد، وانسجم انتظام الجماعة، وقل النزاع الذي ينشأ عادة من تضخم المطالب وتزاحم الرغبات...
- الأصل الثاني: في التضامن باعتباره قاعدة العمران
قام التضامن مقام الدعامة الكبرى في حياة الأجداد، فصار كل فرد جزءا من نسيج أوسع، يتقوى به ويقويه... وتجلى هذا التضامن في المؤازرة وقت الشدائد، وفي تقاسم الأعباء عند النوائب، فكانت الجماعة تؤمن لأفرادها حد الكفاية، وتحول دون السقوط في العوز المهلك... وبهذا استقر الاجتماع على قاعدة تحفظ النفوس، وتسد الخلل قبل اتساعه وتمكنه في الناس...
- الأصل الثالث: في التعايش وضبط الاختلاف بالعُرف
عرف المجتمع التقليدي تنوّعا في الطباع وتباينا في المشارب، فكان العُرف ضابطا لهذا الاختلاف، موجّها له نحو السلم من الصدام... وقد تشكلت بذلك ثقافة قبول متبادل، تحفظ لكل فرد مجاله، وتصون للجماعة وحدتها... فصار الاختلاف عاملَ إثراءٍ في حدود النظام العام، ومصدرَ توازنٍ يحول دون التنافر المؤدي إلى التمزق..
- الأصل الرابع: في الكرم والضيافة وحفظ الكرامة الإنسانية
برز الكرم في سلوك الأجداد بوصفه تعبيرا عن حفظ الكرامة الإنسانية، وتأكيدا لمعاني المؤاخاة والجوار... فكان إكرام الضيف فعلا مقصودا لذاته، تتحقق به السكينة، وتتوثق به الروابط، ويُشعِر الداخل بالأمان والانتماء.. واستقام هذا الخُلُق في إطار الاعتدال، فبقي منضبطا بميزان القدرة، محافظا على استقرار المعاش...
- الأصل الخامس: في قانون القبيلة وإصلاح ذات البين
انتظم المجتمع بقانون عرفي محفوظ في الصدور، تُعرف به المراتب، وتُضبط به العلاقات، ويُرجع إليه عند التنازع... وقام إصلاح ذات البين مقام المقصد الجامع، فتقدم أهل الرأي والحكمة لاحتواء الخلافات، حفظا لوحدة الجماعة، وصيانة لأواصر القربى والجوار... وبذلك استمر الاجتماع متماسكا، واستقر العمران على قاعدة السلم الداخلي.
وتلك جملة من القيم التي شكلت إرث الأجداد، وهي أصول كلية في باب الاجتماع الإنساني، تُدرك بالحكمة، وتُستثمر بالاعتبار... ومن أحسن وصل الحاضر بها، استقامت له الأحوال، وسلِم له البناء الاجتماعي، والله أعلم.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين الأخيار، ومن تبعهم بإحسان إلى دار القرار.
والحمد لله رب العالمين
الكاتب: مصطفى اعتاني.