هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

الثامن من مارس... من يوم أممي إلى يوم شكلي

مقدمة: الإطار النظري لظاهرة الاستيعاب المؤسساتي والتسليع

يُمثل الثامن من مارس/آذار من كل عام محطة عالمية كبرى، يُصطلح على تسميتها "اليوم العالمي للمرأة"، حيث تتوجه الأنظار نحو تقييم المكتسبات التي حققتها النساء في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.1 غير أن القراءة السوسيولوجية والسياسية العميقة، والمدعومة بالتتبع التاريخي لهذا الحدث، تكشف عن مسار شديد التعقيد، تعرضت فيه هذه المحطة لعملية "استيعاب مؤسساتي" (Institutional Co-optation) وتفريغ ممنهج من محتواها النضالي الراديكالي. لقد تحول هذا اليوم، وبشكل تدريجي ومدروس، من ذكرى مأساوية ارتبطت بدماء العاملات الكادحات ومحطة للمطالبة بإسقاط الهياكل الرأسمالية والبطريركية (الأبوية)، إلى مساحة واسعة للبروباغندا الإعلامية، والاحتفالات الشكلية، والتسويق التجاري الذي يُعيد إنتاج ذات الصور النمطية التي انطلقت الحركة النسوية في الأساس لمحاربتها.

إن فهم هذا التحول الجذري يستوجب العودة إلى الجذور التاريخية للحركة النسائية العمالية، وتتبع آليات انتقالها من حيز النضال الطبقي العنيف في المصانع والشوارع، إلى أروقة الأمم المتحدة، وصولاً إلى وقوعها في شباك النيوليبرالية المعاصرة التي حولت "المرأة المناضلة" إلى "مستهلكة مستهدفة" ومادة للاستعراض. يكشف هذا التقرير البحثي المطول، من خلال تحليل مستفيض للمعطيات التاريخية، والبيانات المؤسساتية، والممارسات الإعلامية والتسويقية المعاصرة، كيف تم تشويه الغاية الأساسية لليوم الأممي للمرأة. ويطرح التقرير تحليلاً نقدياً لكيفية تفريغ المطالب النسوية من محتواها المادي والاقتصادي، مسلطاً الضوء على التحدي المزدوج الذي تواجهه الحركات النسوية اليوم: مواجهة الهياكل التقليدية المهيمنة من جهة، ومقاومة التسليع الرأسمالي لقضاياها عبر آليات الاستهلاك والبروباغندا من جهة أخرى.

الجذور الاشتراكية والعمالية: ولادة يوم المرأة من رحم المعاناة الطبقية

لا يمكن قراءة المشهد الاحتفالي والتسويقي المعاصر دون تفكيك السياق التاريخي المأساوي والثوري الذي أفرز فكرة تخصيص يوم عالمي للمرأة. إن البدايات لم تكن مرتبطة بتقديم الهدايا أو الورود، بل كانت صرخة مدوية في وجه الاستغلال الصناعي، والظروف اللاإنسانية، وعبودية العمل المأجور.

حريق مصنع ترايانجل ومأساة الاستغلال الرأسمالي كشرارة أولى

تستند الذاكرة العمالية في مقاربتها لقضايا المرأة إلى محطات مفصلية شديدة القسوة، من أبرزها حريق مصنع "ترايانجل شيرتويست" (Triangle Shirtwaist) في مدينة نيويورك، والذي يُعد دليلاً تاريخياً دامغاً على الجذور المأساوية ليوم المرأة العالمي.2 لقد جسدت هذه الحادثة، التي يتم إحياء ذكراها المئوية وغيرها من الذكريات عبر منظمات العمل الدولية، أبشع صور الاستغلال الرأسمالي في أوائل القرن العشرين.2 لم تكن ضحايا المصنع اللواتي قضين في الحريق مجرد نساء عابرات، بل كن عاملات ومهاجرات ينتمين إلى الطبقة الكادحة، محتجزات خلف أبواب مقفلة من قبل أرباب العمل لمنع الاستراحات ولضمان استمرارية الإنتاج بأقل تكلفة ممكنة وفي غياب تام لشروط السلامة المهنية.2 لقد جعلت هذه الفاجعة من مأساة العاملات وقوداً للحركات العمالية والاشتراكية التي أدركت، بما لا يدع مجالاً للشك، أن تحرر المرأة لا ينفصل إطلاقاً عن تحرر الطبقة العاملة بأسرها من قيود النظام الرأسمالي.

التأسيس الأيديولوجي: التمييز بين النسوية البروليتارية والنسوية البرجوازية

تعود الجذور الأيديولوجية والسياسية الصريحة ليوم المرأة العالمي إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، حيث برزت الحاجة الماسة لتمييز جذري بين تيارات المطالبة بحقوق النساء. ففي عام 1894، لجأت المفكرة والناشطة الاشتراكية البارزة كلارا زيتكين إلى صفحات مجلة "دي غلايشهايت" (المساواة) التابعة للديمقراطيين الاشتراكيين، والتي أسستها قبل ذلك بثلاثة أعوام، لتنظير سوسيولوجي يفصل تماماً بين "النسوية البرجوازية" و"الحركة النسائية البروليتارية" باعتبارهما حركتين اجتماعيتين مختلفتين بشكل أساسي.3

انطلق التحليل الماركسي-النسوي من فكرة أساسية تتمثل في أن النسويات البرجوازيات يطالبن بالإصلاح من خلال "صراع بين الجنسين" وموجه ضد رجال طبقتهن بالأساس، دون التشكيك أو المساس بوجود النظام الرأسمالي ذاته.3 وفي المقابل، سعت النساء العاملات إلى خوض "صراع طبقة ضد طبقة" بالتعاون العضوي والمشترك مع رجال طبقتهن، بهدف تجاوز والإطاحة بالرأسمالية كشرط مسبق لتحقيق التحرر الفعلي والانتصار للاشتراكية.3 استند هذا الموقف الفكري إلى أطروحات مفكرين اشتراكيين بارزين في القرن التاسع عشر، مثل فريدريك إنجلز، الذي أوضح بالتفصيل كيف يعمل النظام الاقتصادي الرأسمالي على تعزيز ومأسسة اضطهاد المرأة من خلال هيكل "الأسرة النووية" (الوحدة الاجتماعية التقليدية)، حيث هبطت المرأة إلى دور الزوجة والأم المطيعة، وظيفتها الأساسية تقديم عمل رعائي مجاني يُعيد إنتاج قوة العمل لصالح الرأسمالية.4

لقد كان الهدف المباشر لـ "يوم المرأة العالمي" منذ بدايته هو الفوز بحق الاقتراع العام للنساء، لكن تطلعاته كانت أعظم بكثير؛ فقد شملت إلغاء "عبودية الأجور" للعمال وإلغاء "العبودية المنزلية" للنساء من خلال إضفاء الطابع الاشتراكي على التعليم وأعمال الرعاية.3

المؤتمرات الأممية والمحطات الثورية الكبرى

تجسدت هذه القوة الأيديولوجية والتنظيمية للحركة النسائية الاشتراكية الألمانية، التي أصبحت العمود الفقري لـ "الحركة النسائية الاشتراكية الأممية"، في سلسلة من المؤتمرات الدولية الحتمية. بحلول عام 1900، أصبحت النساء في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني يعقدن مؤتمرات نصف سنوية تسبق مباشرة مؤتمرات الحزب لمناقشة كافة القضايا الملحة للحركة البروليتارية.3

وفي عام 1907، انعقد "المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات" في شتوتغارت بألمانيا، حيث أُعلن بوضوح أن المطلب الرئيسي هو حق المرأة في الاقتراع العام دون أي شروط تتعلق بالملكية، أو الضرائب، أو التعليم، أو أي عوائق طبقية أخرى.3 وشددت المندوبات بإصرار على أن النضال من أجل هذا الحق يجب أن يتم "ليس بالتعاون مع الحركة البرجوازية النسائية، ولكن بالتعاون الوثيق مع الأحزاب الاشتراكية".3

توج هذا المسار التنظيمي في "المؤتمر الدولي للنساء الاشتراكيات" الثاني المنعقد في كوبنهاغن عام 1910، والذي وجه دعوة ملحة لكافة المنظمات القائمة على أساس الصراع الطبقي. في هذا المؤتمر، اقترحت لويز زيتز إعلان "يوم مرأة عالمي" يُنظم سنوياً، وهو الاقتراح الذي أيدته كلارا زيتكين ومئة مندوبة أخرى.3 نص قرار تأسيس اليوم على أن يتم تنظيمه بالاتفاق الصارم مع المنظمات البروليتارية السياسية والنقابية، وأن يُناقش حق التصويت وفق "المفهوم الاشتراكي" الذي يشمل مطالب جذرية كتعزيز تشريعات العمل للنساء، والمساعدة الاجتماعية للأمهات والأطفال، وتوفير دور الحضانة ووجبات مجانية للأطفال.3

كانت النتائج الميدانية لهذا التأسيس هائلة وعابرة للقارات. ففي 19 مارس 1911، أقيم الاحتفال الأول لإحياء ذكرى ثورة 1848 في برلين، حيث احتشد أكثر من مليون شخص في النمسا والدنمارك وألمانيا وسويسرا للمطالبة بالمساواة السياسية والاجتماعية ودعم حقوق المرأة تحت شعار "إلى الأمام من أجل حق المرأة في التصويت".1 ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، أصبح 8 مارس ممارسة عالمية وتحول الحراك إلى تظاهرات جماهيرية حاشدة ضد الحرب الإمبريالية.3

وبلغت هذه الحركية ذروتها التاريخية والسياسية في ثورة فبراير 1917 في روسيا، حيث لعبت النساء العاملات الروسيات في سان بطرسبرغ دوراً قيادياً في مظاهرات يوم المرأة (الذي وافق 23 شباط بالتقويم اليولياني و8 مارس بالتقويم الغريغوري)، والتي تحولت إلى إضراب جماهيري أطاح بالنظام القيصري، وأدى لاحقاً إلى تشكيل الاتحاد السوفييتي، الذي بادر إلى إضفاء الطابع المؤسسي على "اليوم العالمي للمرأة العاملة" كعطلة وطنية رسمية.3

الانقسام ما بعد الحرب: الثورة المضادة والمسار الشيوعي

تطورت الأحداث بعد الحرب العالمية الأولى لتشهد التفافاً برجوازياً على المطالب الراديكالية. فمنح البرجوازية حق التصويت للنساء في العديد من الدول الأوروبية كان يُعتبر من منظور اشتراكي نوعاً من "الثورة المضادة الديمقراطية" التي تهدف إلى امتصاص الغضب وتسكين الحركات ومنع اندلاع الثورة الاشتراكية الشاملة.3 ونتيجة لذلك، توقفت قيادات بعض الأحزاب الديمقراطية الاجتماعية عن الاحتفال بالثامن من مارس بحجة أن الأهداف قد تحققت، بينما واصل الحزب الشيوعي الاحتفال تحت شعارات اشتراكية راديكالية مثل "كل السلطة للمجالس! كل السلطة للاشتراكية!".3 وفي عام 1921، وخلال "المؤتمر الأممي للنساء الشيوعيات" الثاني في موسكو برئاسة كلارا زيتكين، أُعلن رسمياً الاحتفال بيوم المرأة العالمي في الثامن من مارس في جميع أنحاء العالم.3

المأسسة الأممية ونزع التسييس: مسار التحول الأيديولوجي

شهد النصف الثاني من القرن العشرين تحولاً جذرياً في طبيعة الثامن من مارس، حيث انتقل من كونه مناسبة مرتبطة عضوياً باليسار الراديكالي والحركات الشيوعية، إلى يوم أممي معترف به من قبل المؤسسات الدولية الكبرى، وهو ما أدى إلى تعديل عميق في خطابه وأهدافه وآليات الاحتفال به.

تدخل الأمم المتحدة وتوسيع النطاق المعرفي

استمر الاحتفال بيوم المرأة بشكل رئيسي في البلدان والمناطق الاشتراكية والشيوعية من عام 1917 حتى عام 1977، وهي السنة المفصلية التي دفعت فيها شعبيته المتزايدة الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى إعلانه يوماً عالمياً ورسمياً للتوعية.1 ورغم أن هذا الاعتراف الأممي منح اليوم بُعداً عالمياً مؤسساتياً غير مسبوق، إلا أنه رافقه عملية إعادة تسمية وإعادة صياغة هيكلية للمفاهيم؛ حيث سقطت صفة "العاملة" أو "البروليتارية" ليصبح ببساطة "اليوم العالمي للمرأة" بشمولية مجردة تخلو من أي حمولة نضالية طبقية.4

أدى هذا التحول المؤسساتي إلى اتساع نطاق التركيز ليشمل قضايا حقوقية عامة وفضفاضة كالعنف ضد المرأة، والمساواة في مكان العمل، وتمكين الإناث في المجالات القيادية.1 وتتولى الأمم المتحدة منذ ذلك الحين تحديد موضوع محوري سنوي للاحتفال. على سبيل المثال، اعتمدت الأمم المتحدة مؤخراً موضوع "إشراك الجميع رقمياً: الابتكار والتقنية لتحقيق المساواة بين الجنسين".1 سُلط الضوء في هذا الموضوع على أهمية التكنولوجيا في تعزيز الحقوق في ظل الفجوة الرقمية التي تؤثر على فرص العمل والأمان الإلكتروني، مبرزة أن عدد النساء اللواتي يمكنهن الدخول إلى شبكة الإنترنت يقل بنحو 259 مليوناً مقارنة بالرجال.1

ورغم الأهمية القصوى لهذه المواضيع، إلا أن النقد السوسيولوجي والسياسي يرى في هذه المأسسة توجهاً واضحاً نحو "نزع التسييس" (Depoliticization). لقد تحولت المطالب من إحداث تغييرات هيكلية وجذرية في طبيعة الاقتصاد العالمي وطرق توزيع الثروة، إلى التركيز الحصري على مطالبات إصلاحية ضيقة داخل النظام الرأسمالي ذاته. ويظهر هذا جلياً في القوانين المعاصرة التي تتزامن مع اليوم العالمي للمرأة، ككشف إسبانيا عن مشروع قانون لتعزيز حصة المرأة في السياسة والأعمال، مقترحة أن تشغل النساء ما لا يقل عن 40% من المقاعد في مجالس إدارات الشركات الكبرى.1 هذا النموذج يمثل ذروة استيعاب المطالب النسوية في عجلة الاقتصاد الليبرالي دون المساس ببنيته.

الفجوة بين التشريعات الديكورية والواقع السوسيواقتصادي: المنطقة العربية والمغرب كنموذج

يتجلى التناقض الصارخ بين الخطاب المؤسساتي الاحتفالي والواقع الفعلي في كيفية تعاطي الدول النامية، وتحديداً في المنطقة العربية كالمغرب ومصر، مع الثامن من مارس. ففي هذا اليوم، تُنظم الهيئات الرسمية ومراكز الاستعلامات فعاليات للاحتفاء بالنساء وتقديم خطابات تدعم التمكين والريادة، كما هو الحال في حملة "هي" بمصر التي تدعم دور المرأة في المجالات القيادية والصحة والفنون وتكريم المتخصصات كالدكتورة رانيا الصباغ.5 وفي المغرب، تُعقد احتفاليات لتكريم نساء رائدات ومبدعات، وتُوجه رسائل بضرورة الثقة بالنفس وإبراز العمل، واعتبار ذلك التكريم دافعاً مستمراً للعطاء في المجالات السياسية والحقوقية في القرى والمدن على حد سواء.6 وتبرز حتى المبادرات ذات الطابع الخيري كاجتماعات الإفطار الجماعي في دور الرعاية كشكل من أشكال الاحتفال بهذا اليوم في المغرب.7

ومع ذلك، يقف الفكر النسوي والجمعيات الحقوقية موقفاً نقدياً صارماً تجاه هذه الاحتفالات والمبادرات الشكلية التي تغض الطرف عن الأزمات التنموية والاقتصادية العميقة. وتتجه الدراسات الاقتصادية النسوية الحديثة إلى تفكيك هذه السردية، مطالبة بالنظر في "الاقتصاد النسوي" ليس كمبحث فرعي، بل كعدسة نقدية تُعيد تعريف الأساسيات الخاصة بالعمل والإنتاج بعيداً عن تقييمات السوق المجردة التي تهمش "العمل غير المرئي" الذي تقوم به النساء.3 ويبرز مفهوم "إعادة الإنتاج الاجتماعي" في دراسات مثل دراسة مي طه حول غزة، أو عمل ماري جيرمانوس سابا، لتأكيد أن السياسات التقشفية والتنموية لا يمكن فصلها عن "علاقات السلطة" التي تزيد من تهميش النساء اقتصادياً في أوقات الأزمات.3

في السياق المغربي تحديداً، تصدر الهيئات والحركات، مثل الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب (ADFM) والجمعية المغربية للنساء التقدميات، بيانات مفصلة بمناسبة 8 مارس تكشف عن زيف الاحتفالات في ظل "التأخر والتلكؤ واللامبالاة" التي تطبع السياسات الرسمية.8 يمكن رصد هذه الفجوة الهيكلية العميقة من خلال الجدول التحليلي التالي الذي يقارن بين الخطاب الاحتفالي والمعطيات السوسيواقتصادية والقانونية:

المحورالخطاب الاحتفالي والمؤسساتي الرسميالواقع السوسيواقتصادي والقانوني الفعلي (بيانات الجمعيات والواقع الميداني)
المشاركة الاقتصادية والتمكينالإشادة بالقيادات النسائية ودعم مبادرات التمكين الاقتصادي والمقاولات الصغرى.5انخفاض حاد ومقلق في معدل نشاط النساء؛ حيث تعمل 19% فقط من النساء، بينما تُعيل 21% منهن أسرهن. تواجد النساء يتركز في الوظائف الأقل أماناً وبأجور متدنية للغاية، بالإضافة للعمل غير المدفوع.8
الحماية الاجتماعيةوعود بتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية وتعزيز الرعاية الصحية للمرأة في كافة المجالات.5فئات عريضة من المشتغلات في القطاع غير المهيكل، العاملات الزراعيات، عاملات المنازل، والحرفيات، مجردات كلياً من الحق في الحماية الاجتماعية.8
مناهضة العنف والقانونالترويج لقوانين حديثة وإطلاق حملات تحسيسية سنوية لحماية النساء من التعنيف.1قصور وضعف قانون 103-13 لمحاربة العنف لافتقاده لمعيار "العناية الواجبة"، مما أفرغه من فعاليته ولم يُحدث فرقاً ملموساً في حياة المعنفات. كما تواجه المحاكم مساءلة مستمرة بسبب إصدار "أحكام مخففة" في جرائم الاعتداء الجنسي.8
الآليات المؤسساتية والمناصفةالتغني بالمكتسبات الدستورية وتشكيل لجان حكومية جديدة مثل "اللجنة الوطنية للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة".8تعطيل متعمد لتفعيل مقتضيات دستور 2011 لأكثر من 11 سنة، خصوصاً تجميد "هيئة المناصفة ومحاربة كل أشكال التمييز"، وتكرار اللجان التنسيقية ذات التجارب الفاشلة مسبقاً.8
التشريعات الأسريةالتأكيد على حماية كيان الأسرة واحترام أدوار أفرادها.استمرار سياسات التمييز ضمن "براديغم القوامة والأسرة الأبوية" الذي يؤسس لهياكل اللامساواة في قوانين مثل مدونة الأسرة، وسط تجاذبات سياسية حول مقترحات بمراجعة "مصطلحات الأسرة" وأحكام "عودة الزوج لبيت الطاعة".8

تؤكد هذه المفارقات أن استبدال النضال الحقيقي والسياسات الجادة باحتفاليات لتناول الإفطار الجماعي أو توزيع الجوائز الديكورية 6 يشكل جزءاً من استراتيجية تبريرية تُخفي التراجع الاقتصادي وتتجاهل تدهور الأوضاع المعيشية. إن تكرار نفس التوصيات الدولية (من لجنة سيداو والتقرير الدوري الشامل) في كل فحص، يؤشر على بطء وتيرة التطور وغياب الإرادة السياسية لاعتبار المساواة جزءاً لا يتجزأ من التنمية المستدامة.8

النسوية النيوليبرالية وتسليع يوم المرأة العالمي

إن أخطر ما تعرض له الثامن من مارس في العقود الأخيرة هو خضوعه التام لمنطق النيوليبرالية المفرطة. لقد تم استيعاب الحركة النسوية ضمن آليات السوق الحرة، لتتحول من حركة تحررية (Emancipation) تسعى للعدالة الاجتماعية الشاملة إلى مجرد قطاع ديموغرافي مستهدف اقتصادياً، سياسياً، وإعلامياً.

تفريغ المضمون النضالي وخلق "النوع النسائي الضحية"

يطرح باحثون وفلاسفة تساؤلات سوسيولوجية وأيديولوجية حادة حول مسار الحركة النسوية الحالية وأهدافها في عالم مأزوم سياسياً واقتصادياً وبيئياً.11 ترى الفيلسوفة الفرنسية إليزابت بدينتر (Elisabeth Badinter) في كتابها "طرق خاطئة" (Fausses routes) الصادر عام 2003، أن الحركة النسوية المعاصرة تبحث عن نفسها، وأنها "قامت بخطوة إلى الأمام وبخطوتين للوراء".11 توضح بدينتر أن النضال تطور ليخلق ما يُسمى بـ "النوع النسائي الضحية"، وهو توجه ذو طابع تسلطي يكبح "المعركة الحقيقية من أجل المساواة"، ويشتت الخطاب النسائي الموحد الذي كان يفترض أن يمثل "النسائية الحقة" الرامية للتكافؤ السياسي وفرض المساواة في الأجور والدفاع عن النساء اللواتي مُورس ضدهن العنف والتمييز.11

وفي نقد أعمق وأكثر تفصيلاً للبنية النيوليبرالية، تؤكد الفيلسوفة نانسي فرازر أن بعض نماذج الحركة النسوية المعاصرة قد "نسيت مبدأ المساواة الاجتماعية، فكانت حضناً لليبرالية لعدم نقدها النظام الاقتصادي والاجتماعي".11 وبدلاً من أن تكون النسوية أداة تفكيكية للرأسمالية، تحالفت معها بشكل لا واعي، مركزةً على مفاهيم "التمكين الفردي" وكسر "السقف الزجاجي" لعدد محدود من النساء من النخب للوصول إلى مناصب إدارية عليا، متجاهلة تماماً ظروف الملايين من النساء في قاع الهرم الاقتصادي اللواتي يعانين من سياسات التقشف والعمل غير المرئي في قطاعات الرعاية.3

يتضح هذا الفشل البنيوي حتى في الدول الغربية التي تُعد نماذج مثالية ورائدة. فالنموذج السويدي، على سبيل المثال، يتباهى بكون نسبة النساء في البرلمان تصل إلى 43%، محققاً بذلك أهداف التمثيل العددي والسياسي.11 ومع ذلك، يظل هذا البلد يشهد معدلات مرتفعة جداً في العنف ضد النساء ويحتل مراتب عليا عالمياً في حالات الاغتصاب المسجلة.11 هذا التناقض يبرهن سوسيولوجياً على أن التركيز المبالغ فيه على المظاهر السياسية أو الاحتفالية دون معالجة الجذور السوسيولوجية والثقافية العميقة للبطريركية والعنف واللامساواة الاجتماعية، لا يحقق "التحرر" المنشود، بل يخلق وهماً مؤسساتياً بالمساواة.11

صعود النسوية الاستعراضية وتجاهل المطالب الهيكلية

في ظل سيطرة النيوليبرالية وثقافتها التي تعتمد على الاستهلاك السريع، لم تعد المطالب النسوية السلمية والهيكلية تستهوي وسائل الإعلام؛ لأنها ببساطة "لا تصنع الحدث" الاستعراضي.11 نتج عن هذا التجاهل بروز حركات تُصنف كـ "نسوية متطرفة" أو استعراضية، والتي تعتمد سياسة الانفعال الاحتيالي، مثل الجمعية الأوكرانية "فيمن" (FEMEN).11 تعتمد عضوات هذه الحركة على الاحتجاج بصدور عارية واستخدام العنف الرمزي والصدمة البصرية لجلب الانتباه وتصدر العناوين الصحفية والتلفزيونية.11

هذا التوجه نحو الاستعراض الجسدي يُعد تماهياً مباشراً مع المنطق الإعلامي الرأسمالي الذي يبحث عن الإثارة بدلاً من معالجة الجذور السوسيولوجية للامساواة. علاوة على ذلك، تعاني هذه الحركات في داخلها من أشكال تمييز أخرى بشعة؛ حيث تُمارس حركة "فيمن" الإقصاء ضد النساء ذوات الأوزان الزائدة (Fat-shaming)، بناءً على تبريرات واهية صرحت بها الناطقة باسم الحركة "إينا شافشنكو" (Inna Shevchenko) بأن أصحاب الأوزان الزائدة "غير قادرات على الجري والصعود" أثناء الاحتجاجات.11 هذا الموقف يفضح زيف الادعاءات بالشمولية ويكشف عن تناقض داخلي مرير؛ فالحركة التي تدعي الدفاع عن جسد المرأة تقوم بتصنيفه وإقصاء أجزاء منه بناءً على معايير الجمال الرأسمالية.11 إن هذه الممارسات تصب في النهاية في خدمة "السياسة الليبرالية التي تخدم الرأسمالية المالية"، عبر اختزال النضال في استعراض الأجساد وفي صراع بين الجنسين يغطي على مهاجمة متهمين وهميين بدلاً من تفكيك هياكل الاستغلال الاقتصادي.11

الغسيل الوردي والإخفاقات الكارثية للعلامات التجارية (Marketing Fails)

إن ذروة الاستلاب والتشويه لليوم العالمي للمرأة تتجلى في كيفية استغلال الشركات والعلامات التجارية لهذه المناسبة ضمن ما يُعرف بالـ "غسيل الوردي" (Pinkwashing) أو الاستغلال التجاري الفارغ. تتسابق الشركات والمؤسسات الرأسمالية لإطلاق حملات دعائية في الثامن من مارس تدعي فيها تبنيها للتنوع والشمولية وتمكين المرأة (التيمات السنوية المعتمدة للاستثمار كـ "الاستثمار في المرأة لتسريع التقدم").12 إلا أن الكثير من هذه المبادرات تفضح، بشكل غير مقصود، الانفصال التام والتناقض الفج بين هوية وممارسات هذه الشركات واحتياجات النساء الحقيقية، لتتحول المناسبة إلى فرصة بائسة لدفع المبيعات بشكل سطحي، وفي أحيان كثيرة، لتكريس الأدوار الجندرية التقليدية والنمطية.

يقدم سجل الإخفاقات التسويقية المرتبطة بيوم المرأة العالمي (Marketing Fails) أدلة قاطعة على هذا التوجه السطحي. يعرض الجدول التالي تحليلاً لأبرز هذه الإخفاقات التي حولت اليوم من محطة نضالية إلى سيرك استهلاكي:

العلامة التجارية / المؤسسةالحملة الإعلانية المرافقة ليوم 8 مارسالتحليل النقدي للإخفاق أو الاستغلال التجاري
منصة فليبكارت (Flipkart)إرسال رسائل ترويجية في يوم المرأة العالمي لحث المستهلكين على شراء "أجهزة المطبخ والأدوات المنزلية".13يعكس هذا الخطأ، الذي اعتذرت عنه الشركة لاحقاً، العقلية الذكورية المترسخة التي لا ترى في المرأة في يوم عيدها سوى كائن مرتبط حصرياً بالطبخ والأعمال المنزلية والتنظيف.13
ماكدونالدز (McDonald's) و كنتاكي (KFC)قلب ماكدونالدز لشعار حرف (M) ليصبح (W) عام 2018، واستبدال كنتاكي لشخصية "الكولونيل ساندرز" بزوجته "كلوديا ساندرز" كتميمة مؤقتة.14يمثل هذا ذروة "التوظيف الرمزي" (Tokenism)؛ حيث يتم إجراء تغييرات تجميلية سطحية على الشعارات دون اتخاذ أي خطوات فعلية لمعالجة الفجوة في الأجور أو تحسين ظروف العاملات في مطاعم الوجبات السريعة.14
شركة هايبو (Hypo) النيجيريةإطلاق ملصق دعائي يحمل شعار "It's a woman's world" مع شطب الجزء الذكوري وكتابة حروف كبيرة: "It's a WO world".12محاولة مبتذلة للتلاعب اللفظي تخلو من أي مضمون حقوقي أو رسالة تمكين فعلية، مما أثار السخرية من افتقار الحملة للفهم العميق والأساسي لقضايا النوع الاجتماعي.12
ميريستيم إن جي (MeristemNg)نشر صور لشفاه نسائية مزينة برسومات دقيقة لأسود ودببة، مرفقة بعبارات تقارن النساء بإنتاجية هذه الحيوانات.12مقاربة تسويقية خالية من الاحترام، تعزز من تشييء جسد المرأة (Objectification) ومقارنتها بشكل غير لائق بعالم الحيوان بدلاً من الاحتفاء بعقلها وقدراتها الإنسانية.12
بين كابيتال (Bain Capital)إعلان المؤسسة عن تشكيل فريق استثماري في مجال العملات المشفرة (Crypto) تزامناً مع الثامن من مارس.14كان الفريق المُعلن عنه مكوناً بالكامل من ذكور بيض (All-white, male team)، وهو ما أثار سخرية عارمة على منصة تويتر لاختيارهم هذا التوقيت لاستعراض فريق يفتقر كلياً للتنوع، مما اضطرهم لحذف التغريدة.14
لومينيس (Lumenis)نشر إعلانات ترويجية طبية لإزالة علامات التمدد الجلدي (Stretch marks) تحت شعار "لا مزيد من الندوب".15استغلال استهلاكي بشع يعتمد على تذكير النساء بما يعتبره المجتمع الرأسمالي "عيوباً جسدية" يجب دفع المال للتخلص منها، بدلاً من تعزيز ثقتهن بأنفسهن وأجسادهن.15
لندن دانجون (London Dungeon)الإعلان الترفيهي عن تحويل شخصية القاتل المتسلسل التاريخي "جاك السفاح" إلى شخصية نسائية باسم "جاكي السفاحة" ليوم واحد.15انحطاط أخلاقي وسياسي مذهل، حيث تم تبرير الخطوة بمنح "الإناث القاتلات الاعتراف الذي يستحقونه". هذا يمثل استهزاءً تاماً بدلالات اليوم وتسطيحاً مرعباً لقضايا العنف والتاريخ.15

في مقابل هذا العبث التجاري الواسع، تظل المبادرات الاستثنائية ذات الأثر الفعلي نادرة جداً، مثل قرار الصحيفة الهندية "داينيك بهاسكار" (Dainik Bhaskar) برفض الإعلانات التي تحدد أو تشترط "لون بشرة النساء" في متطلبات الزواج أو التوظيف، وهو موقف يحمل تدخلاً عملياً لمحاربة التمييز وتغيير المفاهيم المجتمعية المترسخة، بعيداً عن الشعارات الاستهلاكية الرنانة.14 كما تُعد مبادرة "Twitter Bot" التي أطلقتها الكاتبة فرانشيسكا لوسون والمطور علي فينسوم للرد المباشر على الشركات التي تطلق شعارات براقة في 8 مارس عبر نشر بيانات الفجوة في الأجور الخاصة بتلك الشركات، محاولة ممتازة لفضح الغسيل الوردي وفرض المحاسبة.14

البروباغندا الإعلامية وتشويه الطابع النضالي للمرأة

تلعب الآلة الإعلامية المعاصرة دوراً بالغ الخطورة في إعادة تشكيل وتوجيه الوعي المجتمعي تجاه قضايا المرأة، ويمثل يوم 8 مارس منصة مكبرة تتجلى فيها هذه الممارسات الإعلامية. بدلاً من أن يكون الإعلام رافعة حقيقية للدفاع عن المساواة والكرامة الإنسانية، وتسليط الضوء على ضرورة إنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي -كما تطمح مبادرات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) التي تدعو لاستعمال "قوة الصحافة" لهذا الغرض 16- فإنه ينخرط، بقصد أو بدونه، في تكريس الصور النمطية السلبية ضمن منظومة من البروباغندا التي تسطّح وعي الجماهير.

التسطيح الإعلامي وتكريس الصورة النمطية والمصطلحات التمييزية

تؤكد الدراسات النقدية للإعلام أن صورة المرأة في أغلب وسائل الإعلام لا تزال صورة سلبية، نمطية، وتُستخدم بالأساس كرمز للإثارة الجسدية والاستهلاك بدلاً من إبراز فاعليتها الفكرية، السياسية، والاقتصادية.17 وتشير الباحثة إيمان قنديل إلى أن هذا الخلل يعود إلى طبيعة المؤسسات الإعلامية الرأسمالية التي توجه رسائلها نحو الشريحة الأكبر من الجمهور، وهم الشباب، بهدف التسلية والترفيه البحت وتحقيق أعلى نسب المشاهدة، متخلية بالكامل عن دورها التثقيفي والتربوي العميق.17 هذا الاتجاه المنهجي نحو "تسطيح الموضوعات والمعلومات" يجعل التغطية الإعلامية ليوم المرأة العالمي تنحصر بشكل متكرر في قضايا الأناقة، التجميل، أزياء الاحتفالات المخملية، وسرد قصص نجاح فردية معزولة، مع التغافل التام عن الظروف القاسية للعاملات المياومات، أو الأمهات العازبات، أو ضحايا العنف الاقتصادي.17

وعلى الصعيد المهني والتحريري، يكشف تقرير ومبادرة منظمة اليونسكو (UNESCO) بشأن تحسين صورة المرأة في الإعلام اللبناني عن حجم المشكلة داخل غرف الأخبار نفسها. فوفقاً للخبراء، يفتقر الصحفيون أحياناً وبشكل غير واعي إلى الخبرة والمفاهيم الأساسية لتقديم محتوى يحترم المساواة بين الجنسين.18 ويتجاهل الصحفيون، غالباً عن غير قصد وبسبب التنشئة الذكورية، ضمان المساواة في اختيار الكلمات والمصطلحات، وفي الإعداد المتوازن للتقارير، وحتى في تحديد الشخصيات التي يُسلط الضوء عليها كخبراء.18 ويشير خبراء الاتصال، مثل المدرب ميلاد حدشيتي والخبيرة ميرا عبد الله، إلى أن الخلل يكمن في الشكل والأسلوب والمحتوى معاً، وأن هذا الخلل هو انعكاس مباشر لمشاكل بنيوية في التعليم والمجتمع.18 ورغم وجود وعي أكبر حالياً وتدريبات متخصصة، إلا أن الإعلام لا يزال يحارب الصور النمطية، ويظل يقف "على حافة المنطقة الحمراء" فيما يتعلق بالتناول الإعلامي الجندري المنصف.18

كما أفرزت ظواهر الإعلام الرقمي دوراً جديداً لـ "المؤثرين" (Influencers) وصناع المحتوى الذين ساهموا بدورهم في اختطاف الخطاب النسوي وتسطيحه.19 فقد استُبدلت المنصات النقابية والسياسية التي كانت تُؤطر نضالات واحتجاجات 8 مارس، بقوائم رقمية تصنف "أفضل 100 مؤثر في مجال المساواة والتنوع"، حيث تحولت قضايا النوع الاجتماعي إلى مجرد محتوى تسويقي (Influencer Marketing) لزيادة أعداد المتابعين، وتلميع العلاقات العامة، وتحصيل عقود الإعلانات للشركات.19 هذا التحول أفقد الحركة النسوية صلابتها الميدانية والتاريخية، وجعلها أداة رخوة في أيدي وكالات العلاقات العامة والميديا الرقمية.

الفضاء الرقمي وحملات الكراهية الممنهجة: ارتدادات التمكين الشكلي

إن النتيجة المباشرة لتسطيح قضايا المرأة، والاكتفاء بالاحتفالات الديكورية دون إحداث تغيير ثقافي وجذري في العقلية الذكورية للمجتمعات، هي بروز ردود فعل رجعية بالغة العنف في الفضاءات العامة والرقمية. يقدم المشهد في المغرب ومناطق أخرى من العالم العربي نموذجاً صارخاً وواضحاً لهذا التناقض المأساوي. ففي الوقت الذي تحتفي فيه القنوات التلفزيونية والفعاليات الرسمية بشدة بالمكتسبات وتقوم بتكريم القيادات النسائية في الثامن من مارس وسط أجواء احتفالية 5، تشتعل منصات التواصل الاجتماعي بحملات كراهية منظمة وعنيفة تستهدف النساء بشكل يومي.20

تشتكي الفعاليات النسائية والحقوقية في المغرب بمرارة من هذا التناقض. وتشير تقارير هيئات كجمعية "التحدي للمساواة والمواطنة"، على لسان مديرتها العامة بشرى عبدو، إلى غزو منصات التواصل الاجتماعي لحملات إقصائية ترفع شعارات متطرفة تعادي التواجد النسائي في الفضاء العام. من الأمثلة على ذلك حملة ترفع شعار "لا للنساء في المدرجات" لمنع النساء المغربيات من الدخول إلى ملاعب كرة القدم، إلى جانب حملات تحريضية تدعو لعدم الزواج من المرأة الموظفة وتطالب بعودة النساء قسراً والتزامهن ببيوتهن، فضلاً عن الحملات التي تكيل أفظع السباب والأحكام الأخلاقية القاسية للمطلقات والأمهات العازبات.20

هذا "الهجوم المتكرر على الحقوق الأساسية للنساء" لا يُعد مجرد تنمر عابر، بل يهدف، وفقاً للهيئات الحقوقية، بشكل أساسي ومنهجي إلى تعزيز ثقافة الكراهية والميزوجينية (كراهية النساء)، ومحاولة فرض تراجع عن المكتسبات الدستورية والاجتماعية التي حققتها المرأة.20 إن ما يثير القلق العميق ليس فقط بروز هذا الفكر المتطرف عبر المجموعات الرقمية، بل تقاعس مؤسسات الدولة المعنية وعدم مجابهتها الصارمة لهذه الحملات الترهيبية، نظراً للضعف الواضح في تحريك النيابة العامة للمتابعات القانونية الرادعة ضد الواقفين وراء هذه الدعوات.20 إن غياب سياسات عمومية ناجعة، وتخلف البرامج التوعوية في المناهج التعليمية عن تحويل المساواة إلى ثقافة متجذرة، يؤكد أن البروز المتكرر لخطاب الكراهية يعرّي ضعف برامج التحسيس بالحقوق الأساسية.20 هذا التراخي المؤسساتي يجعل من احتفالات الثامن من مارس في الدوائر الرسمية مجرد "إحباط مستمر" (كما يُوصف في النقاشات المغربية حول مكتسبات وانتصارات المرأة الممزوجة بالانتكاسات) للنساء اللواتي يواجهن واقعاً مجتمعياً عنيفاً يرفض تواجدهن واستقلالهن.20

تحليل التقاطعات: بين النضال اليومي والاحتفال السنوي المفرغ

في خضم هذا الصراع المعقد بين التهميش المجتمعي والاحتواء النيوليبرالي، تكشف القراءة السوسيولوجية والنقدية لتصريحات رائدات وناشطات، حتى من داخل الفعاليات التكريمية والاحتفالية التي تُنظم بمناسبة الثامن من مارس، عن وعي داخلي متزايد بمخاطر هذا التفريغ والمحاولات المستميتة لإنقاذ اليوم من براثن البروباغندا. فرغم الطابع الاحتفالي المبهج الذي تكتسيه هذه المهرجانات، والاعتراف المستحق بالدور الريادي للمرأة المغربية أو العربية في تطوير المجتمع، تُشدد العديد من النساء المكرمات على ضرورة إعادة توجيه بوصلة ومقاصد هذا اليوم.6

يتم التأكيد مراراً وتكراراً على أن الثامن من مارس يجب ألا ينحصر في كونه مجرد حفلة عابرة أو ذكرى عابرة، بل يجب أن يمثل نقطة وقوف استراتيجية وتقييمية للمسار الحقوقي والسياسي، ومحطة جادة لمراجعة ما تم تحقيقه وما يجب العمل عليه مستقبلاً لتعزيز المساواة بين الجنسين.6 تبرز هنا بوضوح فكرة "الاستحقاق اليومي"، التي تتحدى المنطق التجاري القاضي بحصر الاعتراف بالمرأة في يوم واحد من السنة كأنه منة أو عطية. فالمرأة بحسب هذا التصور، هي "مناضلة" مشتبكة ومحاربة في شتى الميادين؛ في المدن، والقرى، والجبال، وداخل مؤسسة الأسرة، وبالتالي فإن نضالها المستمر يقتضي تقديراً وحماية مستدامين كل يوم، بدلاً من تكريم عابر تعود بعده لمواجهة التهميش أو العنف الرمزي.6

هذا الوعي المتنامي يعكس رفضاً ضمنياً لسياسات التدجين. فالاحتفال، من منظور هؤلاء الرائدات، ليس غاية في حد ذاته للاستهلاك الإعلامي، بل هو أداة ضرورية لبناء وتعزيز "الثقة في النفس" ودفع الأجيال الجديدة من الشابات والفتيات الصغيرات للإيمان بقدراتهن، وإبراز عملهن للعلن، وتشجيع تكاتف النساء (Sisterhood).6 كما يُنظر إلى هذا التكريم كحافز ودافع جديد لبذل المزيد من المجهودات في المجالات السياسية والحقوقية والمدنية العالية التقنية كمجالات الطيران أو الطاقة المتجددة.6

ومع ذلك، يجب أن يظل التحليل النظري منتبهاً إلى أن هذه النماذج الناجحة، ورغم أهميتها الإلهامية، لا ينبغي أن تُستخدم من قبل صانعي السياسات كغطاء أيديولوجي (Smoke screen) لإخفاء حقيقة أن معدلات تشغيل النساء في بعض الدول تنحدر إلى مستويات كارثية (19% في المغرب)، وأن الأغلبية الساحقة من النساء يعانين تحت وطأة هشاشة اقتصادية متزايدة ومخيفة لا تُعالج بالكلمات المعسولة والخطابات التنموية الرنانة.8

خاتمة التقرير والتوصيات: مسارات استعادة الطابع التحرري لليوم الأممي لحقوق المرأة

بناءً على هذا التحليل السوسيولوجي والاقتصادي والسياسي الشامل لمسارات وتاريخ اليوم الأممي لحقوق المرأة، يتبين بجلاء أن الثامن من مارس قد تعرض لعملية اختطاف ممنهجة وتفريغ مؤسساتي أفرغه كلياً من شحنته الثورية، الراديكالية، والنضالية الأصلية. لقد انتقل من كونه إعلاناً لحركة بروليتارية اشتراكية غاضبة تطالب بكسر احتكار الثروة، وتحطيم عبودية العمل المأجور والرعائي غير المدفوع، وتطالب بحقوق الاقتراع والمساواة الجوهرية، إلى يوم احتفالي منزوع الدسم السياسي تتكفل مؤسسات الدولة، وشركات التسويق النيوليبرالية، والآلة الإعلامية السطحية بإنتاج وصناعة نسخته المعاصرة المخففة والمشوهة.

إن التناقض الصارخ الذي يعيشه العالم اليوم بين البيانات الرنانة للبيروقراطية الأممية حول التمكين التقني والمساواة، والاحتفاليات المخملية، وبين الواقع المرير للنساء في قطاعات العمل غير المهيكل، والمعنفات، والأمهات العازبات، وضحايا السياسات التقشفية والتضخم المالي المستمر، يُبرهن على فشل المقاربة النيوليبرالية لقضايا المرأة. فترقية بضع مئات من النساء من النخبة لمجالس الإدارات أو المناصب السياسية -وإن كان تطوراً إيجابياً ومطلوباً- لا يلغي، بل قد يُموه، الاستغلال الطبقي والجندري الذي تتعرض له الملايين من العاملات في أسفل الهرم الاجتماعي. كما أن استغلال يوم المرأة في الترويج للأجهزة المنزلية، أو مستحضرات التجميل، أو في تعديل شعارات شركات الوجبات السريعة بشكل زائف، يعكس احتقاراً بنيوياً وتشييئاً عميقاً للمرأة من قبل النظام الاقتصادي الذي يدعي دعمها كذباً.

ولمواجهة هذا التحول المأساوي وإعادة الاعتبار لجوهر هذا اليوم، فإن استعادة البعد التحرري ليوم 8 مارس تستوجب العمل على مسارات متوازية وجوهرية، تتلخص في التوصيات التالية:

أولاً، يجب استعادة وإعادة إحياء الربط العضوي الوثيق بين المطالب الجندرية (النوع الاجتماعي) والمطالب الطبقية والاقتصادية؛ فلا يمكن تحقيق المساواة الفعالة للنساء في ظل نظام اقتصادي يقوم بنيوياً على الاستغلال والتوزيع غير العادل للثروات وتهميش أعمال الرعاية.

ثانياً، يجب القطع الجذري مع مظاهر "النسوية الاستعراضية" والرفض القاطع لممارسات "الغسيل الوردي" المؤسساتي، وتوجيه جهود الحركة النسوية نحو الضغط الفعلي لسن تشريعات مادية ملموسة. يشمل ذلك توسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل العاملات المياومات وفي القطاعات غير المهيكلة، وتعديل قوانين مناهضة العنف (مثل القانون 103-13 في المغرب) ليتضمن آليات "العناية الواجبة" المفقودة التي تضمن حماية ورعاية الناجيات.

ثالثاً، تفكيك وتعرية البروباغندا الإعلامية من خلال فرض مواثيق شرف صحفية صارمة وتأهيل الكوادر الإعلامية لتناول القضايا الجندرية بوعي سوسيولوجي حقيقي، بعيداً عن التنميط والإثارة الرخيصة والتكريس السلبي، وتفعيل أدوار المنصات المستقلة التي تتبنى الاقتصاد النسوي كعدسة نقدية.

وأخيراً، التصدي القانوني والمؤسساتي بحزم لا هوادة فيه لحملات الكراهية والعنف الرقمي ضد التواجد النسائي في الفضاء العام. ويتطلب ذلك تفعيل الآليات الجنائية والنيابة العامة ضد المحرضين، وإدماج ثقافة المساواة الحقيقية في المناهج التعليمية منذ الصغر للقضاء على الجذور الثقافية للميزوجينية.

فقط من خلال هذه الرؤية التقاطعية، الجذرية، والناقدة التي ترفض المساومة على جوهر المطالب، يمكن للثامن من مارس أن ينفض عن نفسه غبار التسليع التجاري والبروباغندا الإعلامية، ليعود محطة نضالية حقيقية، تقف بصدق وإجلال عند ذكرى عاملات مصنع "ترايانجل"، وتستلهم روحهن في مسيرة كفاح مستمرة لا تنتهي باحتفال عابر، بل بالتحرر المادي والمعنوي الشامل للإنسان.

  • المراجع و المصادر

📚 المراجع

صورة المرأة في الإعلام سلبية ونمطية ورمز للإثارة -2

صورة المرأة في الإعلام سلبية ونمطية ورمز للإثارة -2

تصفح المرجع ↗
  1. اليوم العالمي للمرأة.. احتفال بإنجازات النساء وتذكير بحقوقهن | التلفزيون العربي - alaraby
  2. The Triangle Shirtwaist Fire and International Women's Day: 100 years on
  3. قصّة يوم المرأة العالمي | صفر - alsifr.org
  4. النسوية الاشتراكية: أصول اليوم العالمي للمرأة - Humanists International
  5. اليوم العالمي للمرأة - الهيئة العامة للاستعلامات
  6. احتفالا ب 8 مارس..حفل تكريم نساء مغربيات رائدات في مجالهن - YouTube
  7. اليوم العالمي لحقوق المرأة في المغرب - مجلة كل العرب Magazine koul-alarab
  8. بلاغ الجمعية الديمقراطية لنساء المغرب بمناسبة 8 مارس "لازال الطريق ...
  9. بيان الجمعية المغربية للنساء التقدميات بمناسبة اليوم العالمي لحقوق المرأة ــ 8 مارس 2024
  10. المغرب يحتفي بعيد المرأة وسط تجاذبات سياسية بشأن تعديلات مدونة الأسرة
  11. عيد المرأة وتساؤلات عن الحركة النسوية, consulté le mars 3, 2026,
  12. The Worst IWD Campaigns We've Seen In Recent Years | The Culture Custodian, consulté le mars 3, 2026,
  13. Flipkart Apologises For Women's Day Message Promoting Kitchen Appliances - NDTV
  14. Six Unusual Women's Day Initiatives | The Hard Copy
  15. 3 wildly inappropriate International Women's Day campaigns - Creative Bloq
  16. استعمال قوة الصحافة لإنهاء العنف القائم على النوع الاجتماعي - unfpa,
  17. صورة المرأة في الإعلام سلبية ونمطية ورمز للإثارة -2 - البيان, consulté le mars 3, 2026,
  18. تحسين صورة المرأة في الإعلام اللبناني أولوية - UNESCO, consulté le mars 3, 2026,
  19. International Women's Day – Top 100 Influencers on Gender Equality and Diversity, consulté le mars 3, 2026,
  20. المغرب: فعاليات نسائية تشتكي من حملات كراهية - العربي الجديد

المرأة المغربية في اليوم العالمي للمرأة: مكتسبات، انتصارات… وإحباط ..., consulté le mars 3, 2026, https://marayana.com/laune/2025/03/10/94648/