كيف تتغلب على الشعور بالوحدة كمسلم في الغرب؟

هل شعرتَ يومًا بالعزلة وكأنَّك لا تنتمي إلى المكان الذي تتواجد فيه رغم وجودك بين الكثير من الناس؟ إذا كنت مُسلمًا يعيش في الغرب، فمن المُحتمل أنّك قد عانيت من هذا الشعور مرارًا وتكرارًا! سواءً كان ذلك بسبب البعد عن العائلة أو صعوبة إيجاد أصدقاء يشاركونك نفس الاهتمامات أو العيش في بيئة لا تتوافق مع قيمك وعاداتك وتقاليدك، فإنّ جميع هذه الأسباب تؤدي في النهاية إلى نفس الشعور الخانق بالوحدة!
لذا، إذا شعرتَ يومًا بالوحدة أو واجهتَ صعوبةً في إيجاد شعورٍ بالانتماء في البلد الذي تعيش فيه، فاعلم أنَّك لستَ وحدك! ولحسن الحظ، هناك طرقٌ لا تُحصى للتخلُّص من هذا الشعور. وفي هذا المقال، سنُقدّم لك بعض الخطوات والنصائح العمليّة لمساعدتك في التغلُّب على هذا الشعور والتي ستتناسب مع نمط شخصيّتك سواءً كنت اجتماعيًا أم انطوائيًا أم مزيجًا بينهما!
1. انخرط في المجتمع الإسلامي في بلدك

لا شكّ أنّ من أكثر الطرق فعاليَّة للتغلُّب على شعورك بالوحدة كمسلم في الغرب هو التواصل مع المسلمين والانخراط في المُجتمع الإسلامي في بلدك. هذا بالطبع لا يعني أن تنعزل عن جميع أفراد المجتمع وتكتفي بالجالية الإسلاميّة في بلدك، فتكوين صداقات وعلاقات طيبة مع جميع أطياف المُجتمع أمرٌ مطلوب. ومع ذلك، فالمجتمع المُسلم سيكون هو الأقدر على إخراجك من شعور الوحدة من خلال التعرُّف على أشخاص يشبهونك في القيم والعادات والتقاليد.
وكما نعلم جميعًا، يُؤكِّد الإسلام دومًا على أهميَّة الجماعة والتآخي بين المسلمين، ويحرص على تكوين رابطة تجمع المسلمين على اختلاف ثقافاتهم وخلفيَّاتهم. ومن خلال هذه الوحدة، ستجد الدعم المطلوب والشعور بالانتماء الذي تحتاجه للتغلُّب على مشاعر الوحدة.
وقد أكَّد النبي ﷺ على أهميَّة ترابط المسلمين حيث قال: "مثلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"
إذًا، كيف يُمكنك التواصل والالتحام مع المجتمع الإسلامي في بلدك؟ كل ما عليك هو أن تقوم بالبحث عن أشهر الأماكن الإسلاميَّة في مدينتك - سواءً كان ذلك مسجد محلي أو مركز إسلامي أو مطعم أو مقهى يتجمّع فيه المسلمون - ثم تبدأ في التردُّد عليها وتكوين علاقات وصداقات مع الأشخاص هناك.
2. احضر صلاة الجماعة في المسجد كلَّما أمكن

إنَّ المواظبة على حضور صلاة الجماعة في المسجد ليست مُجرَّد عبادة، بل هي أفضل طريقة لبناء شعور بالانتماء. فمهما كنت تشعر بالوحدة والعزلة، فإنّ وقوفك جنبًا إلى جنب مع إخوانك المسلمين أثناء الصلاة وتبادل التحيّات بعد انتهائها سيجعلك تشعر حتمًا بأنَّك جزء من مجتمعٍ أكبر.
ومع الوقت، ستضفي صلاة الجماعة شعورًا فريدًا لديك بالترابط، مُعززةً فكرة أنك لست وحيدًا أبدًا أينما كنت. ومن خلال المواظبة على صلاة الجماعة، يُمكنك تكوين صداقات في المسجد، وإيجاد العزاء في وجود من يُشاركونك قيمك ومعتقداتك. وبالتالي، إذا كنت تعيش بعيدًا عن عائلتك وتشعر بالحنين إلى المنزل، فإنّ المسجد يُمكن أن يكون منزلك الثاني!
اقرأ أيضًا: درب عقلك على العمل بشكل إبداعي مع الذكاء الاصطناعي التوليدي Gen AI
3. انضم إلى مجموعات الدعم واحضر والدروس الإسلاميّة
بالإضافة إلى الصلاة في المسجد، يُمكن أن يكون البحث عن حلقات الدروس الدينيّة أو مجموعات الدعم وسيلةً رائعةً للتواصل مع الآخرين أيضًا. سواءً كانت حلقةً لدراسة القرآن الكريم أو درسًا في الفقه أو تجمُّعًا للإخوة أو الأخوات، ستُوفِّر هذه التجمعات بلا شك فرصًا للمحادثات الهادفة والصداقة وستقلل من شعورك بالوحدة.
4. تواصل مع السكَّان في دائرتك الاجتماعيَّة

قد لا يكون الانخراط في مجتمع غريب عنك أمرًا سهلًا، وخصوصًا مع اختلاف العادات والتقاليد والطباع. في الواقع، يشعر العديد من المسلمين في الغرب بالتردُّد في بناء علاقات قويَّة مع غير المسلمين، خوفًا من أن تُشكّل الاختلافات الثقافيَّة أو الدينيَّة عائقًا. وفي هذه اللحظات، قد تجد أن الانطواء والانغلاق وعزل نفسك هو الحل الأسهل، مُتجنبًا بذلك التفاعلات الاجتماعيَّة مع محيطك.
لكنّ التواصل مع من حولك لا يعني إطلاقًا التنازل عن قيمك وعاداتك، بل يعني ببساطة الانفتاح على تكوين صداقات مع أشخاص من خلفيات مختلفة. فالإسلام يُعلّمنا أن نكون جيرانًا طيبين، وزملاء عمل لطفاء، وأفرادًا مُشاركين بنشاط في مجتمعاتنا.
وأفضل ما في الأمر هو أنّ كسر هذه الحلقة من الانعزال أسهل مما قد تتخيّل، حيث تبدأ بخطوة واحدة بسيطة وهي التواصل! وبالتالي، يُمكن لزملائك في العمل أو زملاء الدراسة في الجامعة أو حتى جيرانك أن يكونوا مصدرًا رائعًا للصداقة والدعم فقط إذا بدأت بالتواصل!
كيف تبدأ بالتواصل مع مجتمعك المحيط في حياتك اليوميَّة كمسلم في الغرب؟
- ابدأ بالمحادثات القصيرة أولًا. على سبيل المثال، قد يفتح سؤال بسيط مثل "كيف كانت عطلة نهاية الأسبوع؟" أو "كيف حالك؟" آفاقًا أوسع للتواصل وتكوين صداقات فيما بعد.
- شارك في الأنشطة الجماعيَّة في محيطك، سواءً كان مشروعًا جماعيًا في العمل أو نشاطًا طلابيًا في الجامعة. فهذه المشاركة من شأنها أن تساعدك على بناء المزيد من العلاقات وتقليل شعورك بالوحدة.
- اقبل دعوات الآخرين وقدّم أنت أيضًا دعواتك. على سبيل المثال، إذا دعاك زميل لفنجان قهوة أو تناول العشاء، فلا تتردَّد في الانضمام. وبالمثل، فإنَّ دعوة شخص لتناول الشاي أو وجبة طعام تُعدّ وسيلة رائعة لتقوية الروابط معه.
وإذا كان لديك جيران غير مسلمين، فابدأ بتوطيد علاقتك بهم. وكن على يقين أنّ تحيَّة بسيطة، أو ابتسامة سريعة، أو حتى مشاركة الطعام في المناسبات الخاصَّة، ستُسهم بشكلٍ كبير في تكوين علاقات جيده مع الجميع، مما بدوره سيساعدك في التغلُّب على شعور الوحدة.
اقرأ أيضًا: دليلك الشامل حول منصَّات تداول العملات الرقميَّة العربيَّة
5. ساعد الآخرين في محيطك
لا يقتصر التواصل مع الآخرين على تلبية احتياجاتك الشخصيَّة فحسب، بل يشمل كذلك إظهار اللطف وتقديم الدعم لمن قد يحتاج إليه. وغالبًا ما تكون أفضل طريقة لتخفيف الشعور بالوحدة هي التركيز على مساعدة الآخرين.
عندما تبحث بنشاط عن طرق لدعم الآخرين أو تشجيعهم أو مساعدتهم، فإنك تخلق فرصًا جديدة للتفاعل معهم والتخلُّص من الشعور بالعزلة. وقد أظهرت الدراسات أنَّ اللطف يزيد من مشاعر السعادة، ويُنشئ شعورًا بالتواصل، بغض النظر عمَّا إذا كان من تساعدهم غرباء أو زملاء عمل أو أصدقاء مُقرَّبين.
لذلك، إذا لاحظت أنَّ زميلًا في العمل يواجه صعوبة في أداء مهمة ما، فقدِّم له المساعدة. وإذا بدا زميلك متوترًا قبل الامتحان، فشاركه بكلمات تشجيعيَّة. لا تفيد هذه الأفعال اللطيفة الصغيرة الآخرين فحسب، بل تمنحك أيضًا شعورًا بالسعادة والمشاركة وتُخلِّصك من شعور الوحدة تدريجيًا.
6. شارك في الأعمال التطوعيّة الخيريّة

غالبًا ما ينبع الإحساس بالوحدة من شعورنا بالانفصال، ليس فقط عن الآخرين، بل أحيانًا حتى عن إحساسنا بأننا نملك هدفًا. ولا شكّ أنّه من أفضل الطرق لإضفاء معنى وهدف على حياتك هو التطوُّع والعمل الخيري.
ذكرنا في الخطوة السابقة كيف أنّ مساعدتك للأشخاص في دائرتك ومحيطك ستساهم في شعورك بالانتماء وتخلصك من شعور الوحدة، وأما المشاركة في الأعمال التطوعيّة فستمنحك أضعاف هذا الشعور الرائع! إنَّ تكريس وقتك وجهدك لمساعدة الآخرين لا يعود بالنفع على مَن تساعدهم فحسب، بل يرتقي أيضًا بمعنويّاتك، ويُحسن حالتك النفسيّة والمزاجيّة، ويخصلك من أي مشاعر سلبيّة مُرتبطة بالعزلة والوحدة.
لذا، فكّر في التطوع في المجتمع الإسلامي القريب منك، حيث تُتيح العديد من المساجد والمراكز والمنظمات الإسلاميَّة المحليَّة فرصًا للمساعدة في فعاليَّات المساجد كالمحاضرات الإسلاميَّة، والإفطارات الجماعيّة والبرامج التعليميَّة للمسلمين. كما يُمكنك المشاركة في الحملات الخيريَّة مثل جمع الطعام والملابس أو التبرعات للمحتاجين. بالإضافة إلى ذلك، يُمكنك التطوُّع بمهاراتك، سواءً في تعليم القرآن الكريم، أو تنظيم أنشطة الشباب، أو توجيه النصائح وما إلى ذلك.
ومع أنَّ التطوع داخل المجتمع الإسلامي هو أمرُ جيد، فلا تتردَّد كذلك في توسيع نطاق تطوعك ليشمل الجمعيّات الخيرية المحليَّة. ستتيح لك هذه الجمعيّات التفاعل مع مجموعة متنوعة من الناس وبناء صداقات جديدة، وهو ما سيساعدك بلا شك في التخلُّص من شعور الوحدة.
اقرأ أيضًا: ما هي تقنية البلوكشين؟ ودورها في تداول العملات الرقمية
7. ابقِ نفسك مشغولًا قدر المُستطاع

إذا كنت من أصحاب الشخصيّات غير الاجتماعيّة، بمعنى أنّك لا تستمتع كثيرًا بقضاء الوقت مع الآخرين وتُفضّل أن تكون لك مساحتك الشخصيّة، فهذا أمرٌ صحيٌ تمامًا. فكلٌ منّا له نمط شخصيّة خاص به، وليس للجميع نفس القدر من الطاقة الاجتماعيّة التي تتيح المشاركة في الأنشطة الاجتماعيّة بسهولة. والخبر السار هو أنّ هناك أيضًا بعض الحلول لك للتغلُّب على شعور الوحدة.
ولعلّ إحدى أكثر الطرق فعاليَّة لمواجهة الوحدة دون الحاجة إلى الانخراط في الأنشطة الجماعيّة هي إشغال نفسك بأنشطة هادفة. عندما تنشغل في أي نشاط، سواءً كان عملًا أو هواية، فإنَّك تحول تركيزك بعيدًا عن العزلة وتوجهه نحو نموك الشخصي.
في البداية، يجب أن تعلم أن إبقاء نفسك مشغولًا لا يعني مُجرَّد ملء الوقت، بل يجب أن يتضمّن أي أنشطة مفيدة. ومن أفضل الطرق لملء وقتك بشكلٍ مفيد هي استكشاف هوايات وأنشطة جديدة، حيث يكمن جمال هذا الأمر في أنَّه يتيح لك التخلُّص من الشعور بالوحدة وفي نفس الوقت تعلُّم مهارات جديدة.
فكّر في تجربة أنشطة إبداعيَّة مثل الرسم أو الكتابة أو التصوير الفوتوغرافي، كما أنَّ الأنشطة البدنيَّة - مثل صفوف اليوغا أو تعلُّم الدفاع عن النفس - ستكون خيارًا رائعًا لتحسين صحتك البدنيَّة والنفسيَّة. بالإضافة إلى ذلك، يُمكنك توسيع مداركك بقراءة الكتب أو الالتحاق بدورات تدريبيَّة لتطوير مهاراتك في مجال عملك أو حضور ورش عمل وما إلى ذلك.
بغض النظر عن النشاط الذي ستقوم به، فكلمة السر هي ألَّا تترك لنفسك وقت فراغ مُطلقًا، وأن تحيط نفسك بأشياء مفيدة ومُمتعة تبقي عقلك مشغولًا في التفكير والإبداع بدلًا من إنشغاله بأي أفكار سلبيّة ناتجة عن الشعور بالوحدة.
8. تقرّب إلى الخالق سبحانه وتعالى

لا شكّ أنّ الوحدة شعورٌ صعب، لكن في الإسلام، يُمكنك تحويلها إلى شيءٍ عظيم! يُعلّمنا الإسلام أنَّ العزلة - عند التعامل معها بالطريقة السليمة - يُمكن أن تكون بمثابة فرصة كبيرة لتحويل نفسك إلى شخصٍ أفضل. وكما نعلم جميعًا، كان النبي محمد ﷺ يخلو كثيرًا في غار حراء للتأمًّل والتقرُّب إلى الله قبل نزول الوحي عليه.
عندما تشعر بالوحدة، فاعلم أنّك لست وحيدًا حقًا، فالله موجودٌ دائمًا بجانبك. هذا الإدراك سيرفع من روحك المعنويّة للغاية، خاصةً في اللحظات التي تشعر فيها بالانعزال عن الآخرين. انظر إلى وقت وحدتك كوقت للتأمُّل وتعميق علاقتك بالله أو التفكير في نفسك وإعادة النظر في بعض السمات الشخصيّة لديك ومحاولة تحسينها. وبدلًا من اعتبار الوحدة عبئًا، اعتبرها فرصةً لتعميق علاقتك بالله والوصول لأفضل نسخة من نفسك.
لذا، كلما شعرت بالعزلة، توجّه إلى الله بالدعاء. تحدّث إليه بما تُحدثك به نفسك، وفوّض إليه همومك ومخاوفك وآمالك. أخبره عن وحدتك، واطلب منه الطمأنينة والهداية. وتذكّر أنّه مهما صغرت أو كبرت معاناتك، فالله معك دائمًا!
اقرأ أيضًا: دليلك الشامل لاعتماد الذكاء الاصطناعي بطريقة منظَّمة في مؤسستك
الخاتمة
ختامًا، كانت هذه بعض النصائح الفعّالة للتغلُّب على الشعور بالوحدة كمسلم في الغرب. وعلى الرغم من أنّ الوحدة هي تحدٍّ يواجه الكثير من المسلمين في الغرب، إلا أنّها ليست بالضرورة صراعًا دائمًا ومُستمرًا. فمن خلال تقوية علاقتك بالله سبحانه وتعالى والتواصل مع مجتمعك المسلم المحلي أو الجيران والزملاء غير المسلمين، وإشغال نفسك بأنشطة هادفة، يُمكنك التخلُّص تمامًا من هذا الشعور بالوحدة!
والأهم من ذلك هو أن تتذكَّر أنَّك لست وحدك في هذه التجربة، فالكثيرون يمرون بتجربة مُماثلة. وأهم شيء هو أن تتخذ الخطوة الأولى اليوم، وتبدأ في تطبيق النصائح المذكورة في هذا المقال، وسترى بنفسك كيف ستتخلَّص من الشعور بالوحدة تدريجيًا وكأنّه لم يكن!
وأخيرًا، لا تنسَ الاشتراك في موقع نثري حتى تصلك كل مقالاتنا الجديدة أولًا بأوّل، ولا تتردَّد كذلك في مشاركتها حتى تعم الفائدة!
المصادر: ihsancoaching، anonymouslyzara، iric.org، inspiritedminds، purifyyourgaze، alhakam
Mohamed Ahmed
مهندس ميكانيكا باور، أعمل على تصميم وتطوير أنظمة الطاقة، لكنَّ شغفي الحقيقي يكمُن في الكتابة، حيث أؤمن أنها وسيلة قويَّة لنقل الأفكار والتأثير في العالم من حولي. دائمًا ما أسعى لإلهام الآخرين وتشكيل رؤيتهم حول مواضيع متنوعة مثل التكنولوجيا، الثقافة، العلوم، والتطوير الذاتي. لذلك، اخترت ملاحقة شغفي من خلال عملي في كتابة المقالات.