الأصدقاء الأعداء، انتصارات فرانكو بفضل المغاربة

zakaria bychlifen
كاتب إبداعي
نشرت:
وقت القراءة: دقائق
جنود يسيرون بالعتاد والزي الرسميجنود يسيرون بالعتاد والزي الرسمي

بين إسبانيا والعرب ضغائن عدة تعود لزمن الأندلس ومحاكم التفتيش وما قبلهما، مرورًا بحرب الريف المغربي التي راح ضحيتها آلاف الأبرياء من أطفال ونساء. لكن العدويين عقدا الصلح في حرب تخدم جهة واحدة فقط، بقيادة الجنرال فرانكو وأثناء الحرب الأهلية الإسبانية بين العامين 1936 و1939 وما تلاها من أحداث كان العرب عمومًا والمغاربة خصوصًا القوة الضاربة للجيش حرق الأخضر واليابس من سبتة إلى مدريد. إليك، الأصدقاء الأعداء، حين خاض العرب معارك الجنرال فرانكو.

العرب والإسبان، الضغينة والصلح.

من الواضح والمؤرخ له العداوة التي تجمع بين المسلمين العرب والاسبان التي تعود إلى فتح إسبانيا والبرتغال من قبل المسلمين سنة 710، وسقوط مملكة الأندلس بعد حرب الاستعادة في عام 1491. حيث أجبر اليهود والمسلمين على تغيير دينهم نحو المسيحية أو الطرد من داخل الترابي الإسباني نحو المغرب الإسلامي خصوصًا.

وازداد الجرح عمقًا وألما في بدايات القرن الماضي، حيث قادت اسبانيا انطلاقًا من ثغر سبتة المغربي حروبًا للسيطرة على مناطق الريف داخل تراب المملكة العلوية، والتي لعب فيها فرانسيسكو فرانكو الضابط الشاب دورًا مهمًا. حيث حط الشاب فرانكو الرحال داخل محمية سبتة العسكرية سنة 1912، أملًا في أن تكون السبيل نحو احتلال الشمال الإفريقي، لكن هذه الآمال سرعان ما تبددت بعد أن قادة المقاومة المغربية حرب عصابات ضد عناصر الجيش التقليدية، والتي دامت بين 1920 و1927.

خسر فيها الإسبان أكثر من 10،000 جندي وانتهت حين انضم الجيش الفرنسي والمغربي للجيش الإسباني في محاربة كتائب عبد الكريم الخطابي التي أرادت أن ترجع منطقة الريف جمهورية مستقلة، ما أغضب الحكومة المغربية وأعطاها سببًا للمحاربة مع المستعمر لا ضده.

لكن هذه العداوة سرعان ما تبددت مع نهاية عشرينات القرن العشرين، حيث انتقل فرانكو الشاب بين الدرجات ليصبح جنرالًا في سن ال 33 فقط. وانتقلت مكانة العرب المجندين داخل الفيلق الاسباني وداخل القوات الأهلية النظامية من مجرد نكرة إلى كونهم القوة الضاربة التي اعتمدها فرانكو لدخول مدريد.


اقرأ ايضا

    وأتى هذا التحالف بفعل البروباغندا الداعية لضم الصفوف والتي تمجد تعايش كل من اليهود والمسيحيين والمسلمين داخل التراب الإبري فيما مضى، وأن من مهمة "أصحاب الكتاب" أن يحاربوا الكفار والذي دعاهم فرانكو "الروخوس". وهنا أصبح تعداد المغاربة داخل القوات الأهلية النظامية يقدر ب 80،000 جندي وضابط مع حلول سنة 1936.

    يجادل عبد الصمد بوطيب رئيس جمعية المحاربين القدامى للجيش الغير النظامي الاسباني بسبتة بأن التجنيد لو يكن طوعيًا، بل تخللته القوة والخداع. ما تنفيه المؤرخة ماريا روزا دي مادارياغا كون اختيار المحاربة من أجل فرانكو كان اقتصاديًا بالضرورة لما تخلل الريف في تلك الفترة من مجاعات جعلت العيش صعبًا على الأسر البسيطة.

    جيش إفريقيا، من الريف إلى دخول مدريد

    في يوليو 1936 بدأت عملية نقل جيش افريقيا نحو البر الرئيسي الاسباني من المحمية العسكرية سبتة للظفر بالسلطة بسرعة وبأقل الخسائر. لكن الانقلاب العسكري في يوليو لم يحقق أهدافه بالسرعة المطلوبة وسرعان ما تحول الانقلاب إلى حرب أهلية بين الجمهوريون في السلطة والقوميون بقيادة فرانكو الذي دامت إلى حدود سنة 1939.

    بعد اغتيال خوسي كالفو سوتيلو في يوليوز 18 1936، قاد جنرالات الجيش الإسباني ثورة أعطتهم جل غرب إسبانيا بحلول سبتمبر 1936. كانت مهمة فرانكو في الأصل الطيران من جزر الكناري نحو المحمية المغربية الإسبانية من أجل نقل الجنود إلى البر الاسباني الرئيسي بمساعدة الدعم المقدم من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية، لكن سرعان ما وحد الجنرال قوات الثورة تحت لواء حزب فاشي واحدة سمي اختصارًا، فالانغ (Falange).

    معركة إبرة

    لا يصح المرور على المعارك التي أطلقها القوميون دون المرور أولًا على الهجوم الأكبر للجمهوريين والمعركة الأطول في تاريخ الحرب الأهلية الإسبانية. وقعت معركة إبرة في ضفاف نهر إبرة بين يوليو ونوفمبر 1938، بعد أن عبرت القوات الخاصة للجيش الجمهوري النهر أولا لتسهيل عبور الفيالق الأخرى عبر جسور عائمة وقوارب.

    كان الهجوم مفاجئا للقوميين الذي ظن فرانكو إن قوات العدو غير مستعدة لشن هجوم مماثل. في بدء الأمر كان النصر للجمهوريين بأخذ حوالي 4000 أسير من القوات التابعة للعقيد كامبوس. لكن التقدم لم يستمر كتيرًا فبعد أن أمر فرانكو بفتح السدود المجاورة، دمرت المعابر التي خلقها الجمهوريون، ما أدى لقطع جل الإمدادات نحو قواتها في الجبهة.

    كان الهدف من الهجوم للقوات الجمهورية السيطرة على مدينة غانديسا، لكن لم يستطيعوا التفوق على قوة الفرقة 13 المغاربية للقوميين. وكذلك فإن التفوق الجوي والمدفعي جعل الهجوم الذي شنه الجمهوريون ضئيل الأثر على القويين الذي كبدوا الجيش الجمهوري آلاف القتلى والجرحى في تلك المعركة.

    معركة بداخوز

    في الشمال الاسباني قام جنود فرانكو بقتل مئات إن لم يكن آلاف الجمهوريون بجانب عشرات السجناء السياسيين لاحقًا في المعركة.

    لم يتكمن الجمهوريون بمساعدة الفيلق العالمي والاتحاد السوفياتي من وقف تقدم القوميون، بل إن تفرقتهم أدت إلى معارك بين أنفسهم.

    بما أن الفائزين هم دائما ما يكتبون التاريخ، فلم يكن هناك تحقيق رسمي في مجزرة بداخوز لكن تقديرات المؤرخين تتراوح بين 1800 و4000 عملية اغتيال راح ضحيتها الأفراد الموالون للجمهوريين من عامة الناس ومن السجناء السياسيين وغيرهم.

    كان المجزرة بقيادة العقيد خوان ياغوي، الذي قاد القوات الأهلية النظامية والفيلق الاسباني ضمن جيش إفريقيا، أي المكون العربي والمغربي منه.

    وجدت مدينة بداخوس نفسها معزولة بعد أن سقطت مدينة ماردة، وكان للمدينة (بداخوز) أهمية محورية بالنسبة للقوميين كون السيطرة عليها يعني دمج كل من جيش الجنوب وجيش الشمال، وكان سقوط المدينة في يومي 14 و15 أغسطس 1936.

    شهدت المدينة في اليومين نفسيهما وما تلاهما من إعدامات ميدانية بالجملة نفذها الفيلق الاسباني والقوات المغربية رغم كون البعض يجادل بتوجه هذه الأخيرة مباشرة نحو الجبهة بعد دخول المدينة. ,وأن عمليات الإعدام نفدت من طرف الحرس المدني.

    ويكفي أخد بشهادة الضابط السامي الملحق بإسبانيا للجيش النازي هانز فون فونك لمعرفة وحشية المذبحة، حيث نصح برلين بعدم ارسال الجنود الألمان إلى إسبانيا لكون هؤلاء يصابون بالإحباط أمام وحشية وقوة المشاة الافريقية.

    سقوط كتالونيا، معقل الجمهوريون الأقوى

    في يونيو 1938، أعد فرانكو خطته للقضاء على ما تبقى من الإمدادات التي يتلقاها الجمهوريون عن طريق السيطرة على البحر الأبيض المتوسط ما قسم من أراضي الجمهوريون. وفي 26 يوليو 1939 قام فرانكو بالدخول على برشلونة، ولاحقا إقليم كتالونيا بالكامل.

    بعد الهزيمة التي تلقاها الجمهوريون في معركة ابرة، حيث خسر الجيش الجمهوري معظم آلياته وكتائبه المتمرسة في القتال، لم يكن لدى الجمهوريون لا القوة ولا الحافز ولا الموارد للتعافي من تلك الهزيمة واضطروا للتراجع نحو معلقهم الأساس إقليم كتالونيا وعاصمته برشلونة بالخصوص.

    وفي أكتوبر 1938 قررت الحكومة الجمهورية التخلي عن خدمات المتطوعين الأجانب داخل الفيلق العالمي، ما أضعف عدد قواتهم. كما أن الدعم الذي تلقاه فرانكو وقواته من ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية عجل في سقوط ليس كتالونيا فقط بل كل التراب الإسباني.

    كان من المقرر أن يتخذ فتح برشلونة تاريخ العاشر من ديسمبر لكنه تأجل إلى 23 من نفس الشهر. لكنه لم يكن بالنجاعة التي خطط له، حيث يعيق تقدم القوات المغاربية بسبب السيول، وعانت القوات القومية الأخرى في مواجهة قوات الجمهوريون. لكن خسر هذا الطريق الأخير 40 طائرة مقاتلة في أول 10 أيام من المعارك.

    استمرت المعارك واشتدت، وبحلول 15 يناير سقط تلت إقليم كتالونيا في يد القوميون، مع سقوط مدينة تاراغونا الساحلية في يد القوات المغربية في يوم واحد فقط بعد مسار 50 كيلومتر. وبحلول هذا التاريخ كان قد قتل القوميون أزيد من 5000 جمهوري، وأخدوا 23،000 سجين.

    في هذه الفترة من يناير أقرت الحكومة الجمهورية تحويل كل الصناعات داخل دائرة نفوذها إلى صناعات عسكرية تساهم في صنع الأسلحة والذخيرة، كما جند كل الرجال إلى غاية سن الخامسة والأربعين. لكن لم تكن هذه الجهور كفيلة في ردع هجوم القوميين، حيث فاقهم عددا بستة أضعاف. وكان لسلاح الجو الكثير من الفضل في سقوط برشلونة، حيث قصفت المدينة 40 مرة بين 21 و27 يناير.

    في يناير 22 وصلت القوات النظامية الاسبانية الى مدينة لوبريغات، أميالًا قليلة غرب برشلونة. ومع تقدم القوات ومهاجمته للمدن المجاورة اتضح ان الدفاع عن برشلونة مهمة انتحارية للجنرال روجو قاد قوات الجمهوريون. أخلت الحكومة الجمهورية المدينة باتجاه الحدود الفرنسية مع عدد كبير من السكان بعد أن أطلق سراح السجناء.

    وفي 26 يناير سقطت المدينة في يد القويين، وأرخت الخمسة أيام التي تلت السقوط على أنها أيام نهب وقتل واغتصاب جائر من طريق قوات القوميين عامة والقوات الأهلية النظامية خاصة.

    وفي الثاني من فبراير، بعد أسبوع فقط من سقوط المدينة، اعترفت كل من فرنسا وبريطانيا بالحكومة الفرنكية، فأصبحت مقاومة الجمهوريين مقاومة خاسرة رغم سيطرتهم على 30 في المئة من اسبانيا.

    كما أن نهجت الحكومة الفرنكية سياسة قمع تجاه إقليم كتالونيا، ومنعت كل ما يتعلق بهويته من أسماء ولغة وجرائد.

    سقوط مدريد

    "سأدمر مدريد بدلًا من أتركها للماركسيين". فرانكو

    بعد فشل الأعمال العسكرية الأولى في بدايات الحرب الأهلية داخل العاصمة الاسبانية، حاصرت قوات القوميين بقيادة كل من الجنرال فرانكو في الجنوب الغربي والجنرال مولا في الشمال مدينة مدريد، وجعلت هدف الاستيلاء على العاصمة التي لا تزال تحت حكم الجمهورية الثانية هدفًا عسكريًا وسياسيًا ومطلبًا لابد منه. لكن للمدينة والقوات المدافعة عنها ميزات استراتيجية طبيعية كثيرة منها فصل نهر مانزاناريس ضواحي المدينة عن وسطها، حالت دون سقوطها بسهولة المدن الأخرى.

    في 8 نوفمبر 1936 انطلق أول هجوم على المدينة بقيادة الجنرال مولا وب 20 ألف مقاتل مغربي بسند من الطيران الحربي الألماني والدروع الإيطالية ودبابات بانزر-1 الألمانية. في مواجهة 12 ألف جندي جمهوري ضعيفي التسليح والتدريب. لكن للمفاجئة قام هؤلاء بصد معظم الهجوم رغم مرور بعض القوات النظامية نحو السجن النموذجي قبل أن يتوقف الهجوم، وقبل أن يحتشد 1900 من مقاتلي اللواء الدولي في سند للجمهوريين في الجبهة. ويجدر الذكر أن اللواء الدولي كان مزيجًا من جميع الأعراق والجنسيات التي دعمت الديمقراطية في اسبانيا، من بينهم عرب من الأردن وفلسطين كذلك.

    في اليوم التالي حاول القويين تحويل الهجوم من منطقة كارابانتشيل المسطحة والخالية، نحو ضاحية كارانباشيل السكينة، لكن بسبب ضعف خبرة المقاتلين المغاربة في قتال الشوارع تكبدوا خسائر كبيرة، ازدادت مع شن الجمهوريين لهجوم مضاد على مواقع القوميين على طول الجبهة. كما للقويين فظائع ومجازر، فللجمهوريين كذلك، مجزرة باراكيوس، هي سلاسل من الإعدام والقتل الممنهج تجاه مدنيين وسجناء قويين من قبل فصائل جمهورية، حيث أخرج 1029 سجينًا قوميًا من سجن موديلو بمدريد واعدموا في الشارع يوم 11 نوفمبر 1936.

    وفي التاسع عشر من نفس الشهر شن القوميون هجومهم الثاني على العاصمة، وكما اقتضت العادة كان الجنود النظاميين المغاربة على رأس القوات المتقدمة بجانبهم الفيلق الأجنبي وتحت غطاء من المدفعية الثقيلة للسيطرة على المدينة الجامعية بمدريد. ورغم الهجمات المضادة من طرف الجمهوريون إلا أن المدينة الجامعية بمدريد استمرت تحت سيطرة فرانكو.

    وفي 23 نوفمبر عقد اجتماع لمراجعة وضع الثورة التي قادها القوميون وحضره لأول مرة الجنرال فرانكو، الذي وافق مع الجنرال مولا وغيرهم على تغيير استراتيجية دخول مدريد لتتحول من معركة مباشرة إلى حرب حصار وقصف، جعل المدينة الجامعية في جبهة دائمة، كما ظهر نوع جديد من الحروب تعتمد على زرع الألغام من أجل الحفاظ على الأماكن التي وضع القوميين أرجلهم فيها.

    بحلول ربيع 1939، وبفعل سقوط جل التراب الإسباني تحت يد الجنرال فرانكو، بفعل الحصار التي أجاع المدنيين والمقاومين في مدريد والقصف. خلق انفصال بين قوات الجمهوريين، حيث في الخامس من مارس 1939، انقل الكولونيل كاسادو ورجاله على باقي القوات الجمهورية التي تؤمن بالقتال حتى الموت، وأسروا الضباط الشيوعيين، كما جردوهم من سلطهم، ليتفاوضوا مع فرانكو من اجل الاستسلام.

    في 25 مارس، امر فرانكو جنوده بالتقدم نحو مدريد، وبعد 3 أيام في 28 مارس سقطت مدريد في يد فرانكو. وكان مصير 200،000 جمهوري الذين دافعوا عن مدريد من قريب أو بعيد، الموت في مخيمات اعتقال فرانكو بين العامين 1939 و 1945. لتكون هذه الفترة أسوأ فترة من التاريخ الاسباني.

    ختامًا، بعد أن انتهت مهام المغاربة والعرب في الحرب الأهلية الاسبانية، أرسل جلهم للمحاربة مع ألمانيا النازية، وإيطاليا الفاشية في الحرب العالمية الثانية، حيث حققوا بطولات أخرى وحشية حينًا وممجدةً حينًا آخر. وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية، استغنت اسبانيا عن خدمات الجنود من جنسيات أخرى والمغاربة خصوصًا وحول الفيلق الأجنبي الاسباني الذي حارب فيها يومًا العرب إلى قوة تدخل سريع يلجها الأمهر من الجنود الإسبان. بينما لا تزال سمعة الجيش القومي الافريقي المكون من الجنود المغاربة شنيعة و محاطة بالغموض والالتباس، ويرافع الباحث المغربي بوغالب العطار لبيان الحقيقة من الأسطورة فيما يتعلق بالمجازر التي قام به هؤلاء الجنود. كما أن هناك مطالب بالاعتراف ببطولات المغاربة ومعرفة مصير المختفين منهم بعد الحرب لحل ما يمكن حله من الضغينة والنظرة السلبية تجاه المغاربة داخل المجتمع الإسباني

    zakaria bychlifen

    zakaria bychlifen

    كاتب إبداعي

    فائز بالجائزة الأولى للقصة القصيرة في المغرب. مهتم بمواضيع تجعل القارئ يفكر.

    تصفح صفحة الكاتب

    اقرأ ايضاّ