طيف في قلب العدم
لم يكن "سالم" يؤمن بتلك الحكايات التي كانت جدته ترويها عن الصحراء ليلاً. كان يرى نفسه رجلاً عصرياً، وسيارته رباعية الدفع المجهزة بأحدث تقنيات الـ GPS هي حصنه المنيع ضد المجهول. كان الطريق المختصر عبر الكثبان الرملية يبدو فكرة عبقرية لاختصار ساعتين من الزمن، لكن الصحراء لا تغفر للمتغطرسين.
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل، مات المحرك فجأة. لم يكن عطلاً ميكانيكياً معتاداً؛ بل وكأن الروح سُحبت من الحديد. نزل سالم وسط سكون مرعب، لا يسمع فيه إلا صوت دقات قلبه وصوت الرياح التي بدأت تعوي كذئب جريح.
"الصحراء ليست فارغة كما تظن، إنها ممتلئة بأشياء لا تراها عينك، ولكنها تراك بوضوح." تحذير الجدة القديم.
بينما كان يحاول العثور على تغطية لهاتفه، لمح شيئاً بعيداً. قامة ممشوقة تقف بثبات فوق كثيب رملي عالٍ. امرأة. كيف لامرأة أن تكون هنا وحيدة بلا سيارة أو زاد؟ تحرك سالم نحوها مدفوعاً بفضول ممزوج بخوف غريزي، وكلما اقترب، اتضحت ملامحها. كانت فائقة الجمال، بجمال وحشي لا ينتمي لهذا العصر، ترتدي عباءة سوداء تتموج مع الريح وكأنها جزء من الدخان.

المكر القديم والوجه الآخر للحقيقة
حين وصل إليها، ابتسمت له. لم تكن ابتسامة استغاثة، بل ابتسامة "دعوة". قالت بصوت ناعم يحمل صدى غريباً وكأنه قادم من بئر عميق: "هل ضللت الطريق يا فتى؟ أم أن الطريق هو من ضلّك؟"
شعر سالم بدوار غريب. رائحة المكان تغيرت، اختفت رائحة الغبار وحلت محلها رائحة مسك قوية تخفي تحتها رائحة شيء متفسخ. هنا بدأ عقله يصرخ بالتفاصيل التي تجاهلها في البداية:
- الصمت المطبق:
- العيون:
- الأقدام:
تذكر سالم فجأة الوصف القديم: "السعلاة.. تتشكل لتغوي، وتتزين لتقتل". حاول التراجع، لكن قدميه غاصتا في الرمال وكأن الأرض تشده للأسفل. ضحكت المرأة، وتغير صوتها من النعومة إلى زمجرة حيوانية مرعبة.
قالت وهي تقترب، وقد بدأ وجهها الجميل يتمزق ليكشف عن أنياب بارزة: "أنتم نسيتمونا.. ظننتم أن التكنولوجيا ستحميكم، لكن في الصحراء، نحن القانون الوحيد."
في الصباح التالي، عثرت فرق الإنقاذ على سيارة سالم سليمة تماماً. المحرك يعمل، والهاتف ملقى على المقعد، وزجاجة الماء مفتوحة. الشيء الوحيد الذي وجدوه غريباً كان آثار أقدام سالم التي تمشي باتجاه الكثبان، ثم تتوقف فجأة.. وبجانبها آثار حوافر عميقة اختفت في العدم.
عن الكاتب
Malek Amen
كاتب قصص
مرحبا بك ايها الزائر هنا اكتب قصص جميله وممتعه للغايه