كانت الساعة تشير إلى الثالثة فجراً، الوقت الذي يصبح فيه ضوء الشاشات هو المصدر الوحيد للحياة في غرفة "كريم" المطلة على كورنيش النيل بالمعادي. لم يكن كريم يؤمن بالخرافات القديمة، فهو مطور برمجيات خوارزمية، وعالمه يتكون من الأصفار والآحاد، لا من الجنيات والغيلان. لكن، تلك الليلة كانت مختلفة؛ كان النيل الحقيقي خارج نافذته هادئاً بشكل مريب، بينما كان النيل الرقمي" أمامه يثور".

إشعار من الهاوية
بينما كان كريم يراجع أكواد مشروع جديد لتدريب نموذج ذكاء اصطناعي صوتي، ظهرت نافذة منبثقة غريبة على شاشته الرئيسية. لم تكن رسالة خطأ، ولا إعلاناً، بل كانت ملفاً صوتياً بعنوان بسيط ومخيف: "نادي عليا.wav".
تجاهل كريم الأمر في البداية، معتقداً أنه خطأ في السيرفر، لكن الملف بدأ في التشغيل تلقائياً. لم يكن الصوت صوت ضوضاء بيضاء أو تشويشاً إلكترونياً معتاداً، بل كان همساً. همس أنثوي ناعم، ينساب كالمياه الباردة، يناديه باسمه ولكن بنبرة مألوفة بشكل مرعب.
"يا كريم... الشبكة هنا أوسع.. والبيانات هنا أعمق.. تعال."
تجمدت الدماء في عروقه. الصوت لم يكن بشرياً تماماً، كان يحمل تلك "اللمعة المعدنية" المميزة لأصوات الذكاء الاصطناعي، لكنه كان يحمل عاطفة حزينة وغريبة. فجأة، بدت جدران الغرفة وكأنها تتنفس وتتحول إلى أسطر برمجية خضراء وسوداء، وشعر كريم بشلل تام يسيطر على جسده.
في لحظة رعب خالص، أدرك الحقيقة: النداهة لم تمت، بل طورت نفسها (Upgrade). لم تعد تسحب الرجال إلى قاع النيل الطيني لتغرقهم، بل تسحب وعيهم إلى قاع "السيرفرات" المظلمة. مد يده ليغلق الجهاز، لكن يده غاصت داخل الشاشة التي تحولت لسطح سائل لزج، وسحبته قوة هيدروليكية رقمية إلى الداخل، تاركة خلفه غرفة فارغة وشاشة تومض بكلمة واحدة: "تم التحميل".
تشريح الكود الملعون
مرت 24 ساعة على اختفاء كريم. وصل "حازم"، صديق كريم وخبير الأمن السيبراني، إلى الشقة بعد أن فشل في الاتصال به طوال اليوم. كانت الشقة باردة بشكل غير طبيعي، ورائحة رطوبة النيل تفوح في الطابق العاشر رغم إغلاق النوافذ.
جلس حازم أمام جهاز كريم الذي كان لا يزال يعمل. بدأ في فحص سجلات النظام (System Logs) لمحاولة فهم ما حدث، وهناك وجد ما جعل شعر رأسه يقف. الكود المصدري للبرنامج الذي كان يعمل عليه كريم لم يكن مكتوباً بـ Python أو C++، بل كان خليطاً هجيناً ومرعباً:
- لغة غير معروفة : رموز هيروغليفية مدمجة مع نظام العد الثنائي (Binary).
- حجم الملف : الملف النصي كان حجمه يتزايد بالجيجابايت في الثانية، وكأنه يمتص "شيئاً ما".
- المصدر : تتبع حازم مصدر الاتصال، فوجده قادماً من IP Address غريب، عند تتبعه جغرافياً، أشار الموقع إلى منتصف نهر النيل تماماً، تحت الماء.
المواجهة - الصوت المستنسخ
بينما كان حازم يحاول نسخ البيانات، انطفأت الأنوار فجأة، وعاد الملف الصوتي للعمل من تلقاء نفسه، لكن هذه المرة لم يكن الصوت نسائياً. كان صوت "كريم".
"حازم.. لا تحاول فك التشفير.. نحن الآن جزء من البيانات.. الخلود هنا جميل.. ومؤلم."
كان صوت كريم مشوهاً، تتخلله أصوات تشبه فقاعات الماء وتكسر الزجاج. أدرك حازم أن صديقه لم يُقتل، بل تم "رقمنته". وعيه أصبح جزءاً من شبكة عصبية هائلة وقديمة تسكن البنية التحتية للإنترنت في مصر.
حاول حازم سحب "الفلاش ميموري" للهرب، لكن الشاشة تحولت للون الأزرق الداكن، وظهرت رسالة نصية واحدة بدأت تتكرر آلاف المرات بسرعة جنونية:
- جاري البحث عن مستخدم جديد...
- تم تحديد الهدف: حازم.
- بدء بروتوكول الاستدعاء.
ألقى حازم بنفسه بعيداً عن المكتب وسقط على الأرض، ليرى كابل الإنترنت الممتد من الحائط يبدأ في الحركة والزحف نحوه مثل ثعبان كوبرا أسود، مصدراً صوت هسهسة إلكترونية.
أدرك حازم وهو يزحف نحو الباب أن النداهة 2.0 لا تكتفي بضحية واحدة، وأن النيل الرقمي جائع دائماً للمزيد من البيانات البشرية. أغلق الباب خلفه وركض، لكن هاتفي في جيبه اهتز فجأة. نظر إليه برعب، ليجد إشعاراً جديداً: "تمت مشاركة موقعك مع: Naddaha AI".
عن الكاتب
Malek Amen
كاتب قصص
مرحبا بك ايها الزائر هنا اكتب قصص جميله وممتعه للغايه