الطّنين ... كيف ألّف بيتهوفن سيمفونيّته إلى إيليز؟
الطّنين ... كيف ألّف بيتهوفن سيمفونيّته إلى إيليز ؟
مقدّمة على البيانو ..
على البيانو .. كانت أصابعه تروح و تجيء، و رأسه كذلك، كان يتحرّك يمينا و شمالا مع ذراعيه .. و أثناء كلّ هذا .. الإنسان لودفيج فان بيتهوفن؛ ذلك الموسيقار المتربّع على عرش الموسيقى في القرن الثّامن عشر؛ أمام البيانو، و أمام كلّ تلك الآلات الموسيقيّة .. ذلك الموسيقار الّذي لحّن العالم و حوّله إلى ألحان و إلى أنغام .. لقد كان يعاني !! ...

المعاناة ..
كان لودفيج فان بيتهوفن يكابد و يتجشّم مشقّة، و جهد، و عسر، و صداع طنين مزعج و بائس و مزمن لا يتوقّف نال منه منذ زمن طويل.
الأذن ..
قد تكون الأذن عضوا صغيرا وقليل التّأثّر بالمقارنة بباقي أعضاء الجسم، و لكنّ الأذن تلعب دورا هامّا و أساسا في الحفاظ على توازن الجسم؛ إنّها مرتبطة بالدّماغ، و كذلك بالنّخاع الشّوكي.
الطّنين ..
لقد كان بيتهوفن يتعرّض للمسبّبين الاثنين للطّنين المزمن في الوقت نفسه. لقد كان يعيش وسط ضوضاء الموسيقى. و أيضا، لقد كان يعيش قلق الموسيقيّ عندما يوظّب نوتاته، و أفكاره، و ألحانه، و تجاربه، و أفراحه، و خيباته، و أحلامه، و ألحانه، و عواطفه ...

ربّما ...
ربّما ... كان بيتهوفن يعاني من مسبّبات أخرى عضويّة للطّنين الذي عاشه، و لكنّ ذلك الطّنين لم يكن ليكون بتلك الحدّة و بتلك الشّدّة اللّذين سيجعلانه يفقد سمعه ويستريح إلى الأبد !!!
يستريح ... !! هل سمعت بموسيقيّ يستريح من الموسيقى؟!
يستريح ... !! هل سمعت بموسيقيّ يستريح من الموسيقى؟!

الصّمم ..
إن ّ بيتهوفن لم يكن أصمّا منذ الولادة، و لم يكن أصمّا منذ سنّ صغيرة؛ بل فقد سمعه و هو في سنّ متقدّمة.
يقال أنّ بيتهوفن عاش اكتئابا حادّا ... هل يكون هذا الاكتئاب زاد من حدّة ذلك الطّنين، أم أنّه اكتئاب نتج عن الطّنين الذي كابده و قاسى منه طويلا؟

بيتهوفن ..
و لد الملحّن، و المؤلّف الموسيقيّ، و الموسيقار لودفيج فان بيتهوفن في ألمانيا في مدينة بون بتاريخ 17 ديسمبر/ كانون الأوّل عام 1770.
واجه في حياته الصّعوبات، و المصاعب، و المتاعب، و الأعباء، و الإخفاقات، و الفشل ... و الطّنين الذي تحوّل فيما بعد إلى صمم.
و لكنّه رغم كلّ ما واجهه عرف عنه التّحدّي و الإصرار.
برع و حذق في موسيقاه حتّى انفرد بإبداعاته العالميّة.
يقال أنّه فقد السّمع بعد تأليفه لسيمفونيّة (إلى إليزا/ Für Elise).
لماذا؟ من ...!؟ كيف؟ أ حقّا؟ هل يعقل؟ ...!
منذ القرن الثّامن عشر إلى اليوم، لا أحد قدّم جوابا دقيقا و أكيدا عن كلّ الأسئلة المستهلّة بأدوات الاستفهام السّالفة الذّكر.
الحقيقة الوحيدة ..
وحدها حقيقة ظلّت دقيقة، و ثابتة، و واضحة، و لم تتغيّر عبر التّاريخ، و هي أنّ بيتهوفن بعد أن فقد قدرته على السّمع لم يعتزل الموسيقى، بل إنّ فقدانه للسّمع زاده إصرارا على الفنّ و الإبداع، حتّى إنّه ألّف أشهر السّيمفونيّات و السّوناتات، و قدّم أشهر الأعمال عندما كان فاقدا للسّمع. لقد سمع و استمتع العالم بأكمله بسيمفونيّات و مقطوعات بيتهوفن الموسيقيّة، و بيتهوفن لم يسمعها؛ لأنّه كان يسمع أوّلا بعقله و بفكره، ثمّ بقلبه و بروحه؛ و العالم منذ القرن الثّامن عشر إلى اليوم يستمع بانبهار لأعمال بيتهوفن الموسيقيّة الذي ظلّ يؤلّف و يلحّن إلى أن توفّي بتاريخ 26 مارس/ آذار 1827في فيينّا أين قضى معظم حياته.
ختاما ..
إنّ ما لم ينتبه إليه العالم إلى اليوم هو أنّه ليس من الصّواب تربيّة طفل و تعليمه الفنّ، و الموسيقى، و الألحان، و الأنغام تحت الضّغط، بل إنّه ليس من الصّواب تربيّة أيّ طفل في هذا العالم أو تعليمه أيّ شيء تحت الضّغط. "إنّ أرقّ الألحان و أعذب الأنغام لا يعزفها إلّا قلب الأمّ". هكذا قال بيتهوفن.
"إنّ أرقّ الألحان و أعذب الأنغام لا يعزفها إلّا قلب الأمّ".

عن الكاتب
نزيهة زعبار
كاتبة و مترجمة و مدققة لغوية

