
دخل مسرعا يبحث عن مفتاح الخزينة الخاصة ب المستندات في غرفة المكتب، ينظر له الجميع في إستغراب، لا يرد على أحد، والكل يتساءل: ماذا حل به؟ ماالذي يحدث؟ لم يعر أي إهتمام لأحدهم ولم يجب على أحد، أخرج علبة المجوهرات ثم خرج مسرعا، وينظر له الجميع: بعدين عندما اعود سوف اخبركم، ركب سيارته وذهب إلى مكان الصاغة أحد تجار الذهب إنه صديق والده المقرب وتربطه به علاقة جيدة وكان يتردد عليه كثيرا مع والده.
مر وقت طويل وهو بالخارج والهاتف مغلق، إتصلت الأسرة بكل من يعرفه الأم والأخت في قلق شديد، لقد ذهب إلى إحدى المستشفيات الخاصة بالقاهرة، مر في طريق دخوله المستشفى بالاستعلامات وسأل عن قسم الحسابات، الحساب المطلوب كام، قام بتسديد المبلغ المطلوب، انه لم يراها من سنوات كان بعيدا عنها، قابل إحدى زميلاتها في النادي إنها تصارع الموت إنها بالمستشفى، لم يتمالك نفسه أصبح لا يدري كيف يتصرف لجأ اخيرا الي الله، لقد كانت حبيبته على فراش الموت، قال الطبيب له لا أمل في شفائها ولكن الأمر كله بيد الله سبحانه وتعالى، لقد تمكن المرض منها، فلتكن مستعداً لسماع خبر وفاتها في أي لحظة وحضر نفسك لذلك، تنهد بقلب ملتهب وأجاب: لا لن أفقد الأمل في الله ابدأ، فإن كنت قد تحملت عذاب الفراق لسنوات وزمنا طويلا، يمكنني ان أتحمل لبضع ساعات، وقبل يدها وإحتضن رأسها في حنان، ورفع يده إلى السماء وتهيأ للسجود في وقت إستجابة الدعاء وقت السحر واللجوء الي الله٠
ربي إني متفائل بك حد السماء السابعة ف اكتب لي ما تمنيت في مستقبلي، رزقي، توفيقي، ديني، خاتمتي، عائلتي، وأعز ما أملك حبيبة عمري، يارب بعرض السماء وإمتدادها أرزقني راحة بال ويقين بأن كل ما أدعو به سيأتيني ولو بعد حين، يارب إليك مددت يدي، فبعزتك إستجب لدعائي .
عليك ألا تحبس الكلام الطيب في قلبك أبداً، أحمد وأشكر وأدع الله لمن تحب وقل خيراً للجميع فالكلام الطيب عبادة وهداية ) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ)، فالكلمة الطيبة صدقة وهي مفتاح للقلوب.
كانت شروق هي الإبنة الوحيدة لوالدتها، مات والدها وهي في الخامسة عشر من عمرها، كانت هادئة ومتفوقة، كانت دائما الأولى على المدرسة، تعرفت عليه في مرحلة الجامعة، كان معيدا في كلية التجارة وهي في كلية الهندسة، إلتقي بها في مكتبة الجامعة أكثر من مرة ونشأت بينهما علاقة حب من نوع خاص، سافر لإستكمال الدراسات العليا وحصل علي درجة الماجستير والدكتوراه في الإقتصاد والعلوم السياسية، وهي تخرجت من الكلية وعملت في إحدى المكاتب الاستشارية بالقاهرة، تقدم للزواج منها زميل لها في المكتب ولكنها لازالت متعلقة بصديقها القديم، الذي تركها بدون أن يقدم لها أي إعتذار، مجرد أنها علمت أثناء سفره من أخته التي كانت قد تعرفت عليها في إحدى اللقاءات التي جمعتهم من فترة قريبة قبل سفره، وبعد ذلك إنقطعت أخباره فجأة ولم تعلم عنه أي شئ.
أصبحت شخصية عقلانية لقد ماتت المشاعر التي بداخلها مما فقدته من حب وعذاب، كان زميلها في المكتب نبيل ميسور الحال يعمل مهندس مدني من أسرة محترمة ترددت فترة وفي النهاية تم عقد القران بينهما، أحبها بكل مشاعره ولم يعلم أي شئ عن علاقتها القديمة وعمل كل ما في وسعه لإسعادها، أصبحت لا تدري كيف تستقبل تلك المشاعر، إنها أصبحت شخصيه عقلانيه ومنهجيه أما هو فشخص عاطفي جدا لدرجة البكاء أحيانا، وهذا ما سبب لها بعض الإحراج أحيانا فهي لا تبادله نفس الشعور والدفئ كما يبادلها، أنجبت شروق طفلة جميلة وقد ملأت عليهما الدنيا، أحبتها وتعلقت بها بجنون، وفي إحدي سفريات الأسرة للقرية في زيارة لأسرة نبيل في إحدى قري المنصورة إنقلبت السيارة بهم جميعا في النيل.
توفي على إسرها نبيل والطفلة، وأصيبت شروق بكسور وفقدان للذاكرة، انتقلت بعد ذلك لاستكمال العلاج في إحدى المستشفيات الخاصة في القاهرة، وفي خلال أيام توفت والدتها نتيجة حزنها الشديد على ما حدث لهم وتأثرت بمرضها سابقا، وكان لا يعلم عن حالتها أي شخص وليس لها أي قريب ولا صديق إلا زميلتها نادية، التي قابلت محمود بالصدفة وهو عائد من الخارج في صالة المطار عندما كانت تستقبل والدها الذي كان معه على نفس الطائرة عائدا من فرنسا ولكنها لا تعلم في أي مستشفى تكون صديقتها، عندما علم بذلك أصبح كالمجنون يبحث عنها في كل مستشفيات القاهرة، إلى أن قابل بالصدفة أحد الأطباء كان على علاقة به قبل سفره، وكان يعلم عن العلاقة التي تربط محمود بشروق، وبحث عليه كثيرا قبل ذلك ولكن لم يعلم له مكان.
وعندما التقي به أخبره بوجودها في إحدى المستشفيات الخاصة، ولكنها لا تشعر بمن حولها وأنه لا يقوم بزيارتها أحد إلا خالتها الوحيدة، وكانت زميلتها في الدراسة، وبعد أن خرج من مكتب الحسابات بالمستشفى دخل غرفتها ليراها للمرة الأولى من عشر سنوات وهي لا تشعر به إنه شخص غريب عنها لا تعلم عنه شئ، وجدها لا تتذكر أي شئ تنظر له بإستغراب، بدا يربط على يديها ويمسح شعرها بيده ولكنها مازالت تصارع نوعا من الحزن والاكتئاب، ليست راضية عما هي عليه الآن، ولكنها في نفس الوقت لا تستطيع تقبل كلمات الشفقة والمواساة التي يمطرها بها على الدوام، ظل يتسأءل مع نفسه ما الحل إذا معها، وهو الذي يحمل ثورة من العواطف والمشاعر والأحاسيس، وما هذا التحول الكبير الذي حدث فجأة في نمط حياته لابد له من خلق علاقة جديدة معها تتسم بأحاسيس مختلفة ونوع من البهجة والأنسجام، وكيف يحدث هذا الإنسجام، وهذا لا يمكن إلا إذا كان بينهما إتصال بالمشاعر والأحاسيس والروح مرة أخرى، وقد أراد الله لها الشفاء خلال أيام بعد دعائه المتواصل وخرجت من المستشفى إلى بيت والدتها ولكن لا تدري بمن حولها، إنها تحتاج إلى مرحلة جديدة من الحب والعطف، فقد قرر محمود أن يعيد قصته معها من جديد.
بدأ يخرج معها إلى مكتبة الجامعة، يتردد إلى كل الأماكن التي جمعتهما من قبل خلال فترة الحب القديمة بينهما إنها قصة حب جديدة، وفي إحدى الليالي قررت الأنفصال عنه وبعد فترة بسيطة من القرار.
أرسلت لهُ رسالة على الهاتف: إلى الرجل الذي إنفصلت عنه قبل قليل، أبلغك تحياتي من بيتي وإني متأهبه للخروج مع خالتي اليوم للتنزه، أعلم إننا انفصلنا ولكن إعتادت يداي على إبلاغك بكل جديد... فرَد عليها برسالة: إلى المرأة التي لم تنفصل عن روحي وجسدي، لا تتأخري لأني معتاد على الإصغاء لصوتكِ في هذا الوقت وأنا في إنتظارك، لقد عادت قصة الحب القديم بأجمل ما يكون، أيتها الحالمة الجميلة كيف لي أن أداوي جراحاتك لقد أدميت قلبي.
ةحتى لو ضاقت الدنيا في وجهك أنت تعلم أن لديك حبيبَك، وحتى لو كرهك الجميع لن تحزن، لأن لديك إرتواءا نفسيًّا داخليًّا وإشباعًا روحانيًّا، لأنه يحبُّك، إن خفت فحضنُه مأواك، وصوتُه الحاني سيزيل فورًا تلك الارتجافةَ التي تجتاح صدرك، وستسكن وتطمئن، لأنك تحبه في الله، نعم ذاك هو السرُّ، ولن يكون الحبّ إلّا لو كان الإختيار بما يرضي الله، فهوي الذي يقوي الضعيف، وفيه الأُنس، وبحضوره في القلب يتحول الحزن إلى أجرٍ وثواب، الإرتقاء بالنفس والروح يرفعك إلى مكانة حيث تتعارف على شريكك وتوفق للقاء به بفضلٍ من الله ولتدرك أننا لا نموت حين نفارق أرواحنا وحسب، بل نموت عندما تتشابه أيامنا ونتوقف عن التغيير، حيـن لا شـيء يــزداد سـوى أعمـارنا وأوزاننـا.
لقد عاد كل ما كان في الماضي ولعل كل شيء يمكن إخفاؤه، إلا ملامح الروح حين تحن، وحين تحب، وحين تحزن، وحين تفتقد شخصًا تعلقت به روحك.
عن الكاتب
ليلى الشبراوى
كاتب
Laila El-Shabrawy is an engineer, writer and designer who have more than 100 books in literature, science and mathematics.
