تُعدّ اختبارات نافس إحدى المبادرات الوطنية الرائدة التي جاءت بهدف الارتقاء بجودة التعليم، وقياس نواتج التعلّم بصورة واقعية، تسهم في تشخيص مواطن القوة والضعف لدى الطلاب، وتساعد صُنّاع القرار على تطوير المناهج وبيئات التعلم. غير أن نجاح أي اختبار وطني لا يعتمد على بنائه الفني فقط، بل يتوقف بدرجة كبيرة على وعي المجتمع التعليمي بأهميته، وجدية التعامل معه من قبل الطلاب وأولياء الأمور على حدٍ سواء.
ومن خلال خبرتي في الميدان التعليمي، أجد أن إحدى أبرز الإشكاليات التي تواجه اختبارات نافس تتمثل في تهاون بعض أولياء الأمور والطلاب في التعامل معها، والنظر إليها على أنها اختبار تدريبي لا قيمة حقيقية لنتيجته. هذه النظرة الخاطئة أدت إلى ممارسات سلبية متكررة، انعكست بشكل مباشر على مصداقية النتائج، وجعلت كثيرًا من درجات نافس لا تعبّر عن المستوى الحقيقي للطالب.
لقد لاحظت أن بعض أولياء الأمور – بحسن نية أحيانًا – يزرعون لدى أبنائهم فكرة مفادها أن اختبار نافس وُضع لتقييم المدرسة أو المعلم فقط، وليس الطالب، وأن نتيجته لا تؤثر عليه بشكل مباشر. ومع ترسيخ هذه القناعة، يفقد الطالب دافعيته، ويدخل الاختبار دون اهتمام، فتظهر سلوكيات مقلقة، كالإجابة العشوائية، أو اختيار الإجابة دون قراءة السؤال، أو إنهاء الاختبار بأسرع وقت ممكن بهدف الانصراف، لا بهدف الفهم أو التحدي.
هذا التهاون لا يضر بالطالب وحده، بل يضر بالمنظومة التعليمية كاملة؛ إذ تصبح نتائج الاختبار غير دقيقة، ولا يمكن الاعتماد عليها في تشخيص الواقع التعليمي أو بناء خطط التحسين. كما أن الطالب نفسه يخسر فرصة مهمة لاكتشاف مستواه الحقيقي، ومعرفة نقاط ضعفه، والتدرّب على مهارات الاختبارات الوطنية التي سيحتاجها مستقبلًا.
إن المشكلة هنا ليست في صعوبة الاختبار أو سهولته، بل في غياب الشعور بقيمته. فالطالب حين لا يرى أثرًا مباشرًا لجهده، لن يبذل هذا الجهد أصلًا. ومن هذا المنطلق، أرى أن الحل لا يكمن في لوم الطلاب أو أولياء الأمور فقط، بل في إعادة بناء آلية التعامل مع اختبارات نافس بما يحقق الهدف منها، ويضمن جديتها.
ومن الحلول المقترحة – من واقع الميدان – وضع آلية تحفيزية واضحة للاختبار، كربطه بدرجات تشجيعية، أو شهادات تميّز، أو حوافز تعليمية، أو احتسابه ضمن تقويم الطالب بشكل مدروس لا يرهقه ولا يهمله. عندما يدرك الطالب أن دخوله الاختبار بجدية سيعود عليه بفائدة ملموسة، فإنه سيتعامل معه بعقلية مختلفة، قائمة على التركيز، وقراءة السؤال، وبذل الجهد الحقيقي.
كما أن دور المدرسة والأسرة تكاملي في هذا الجانب؛ فالمدرسة مطالبة بتوضيح الهدف الحقيقي لاختبارات نافس، والأسرة مطالبة بدعم هذا الهدف، وتعزيز قيمة الاجتهاد والصدق في الأداء، لا الاستخفاف بالاختبار أو التقليل من شأنه.
إن اختبارات نافس ليست عبئًا إضافيًا على الطالب، ولا أداة لمحاسبة طرف دون آخر، بل هي وسيلة تطوير وتحسين، متى ما أُحسن التعامل معها. والنتائج الصادقة تبدأ دائمًا من طالب جاد، وولي أمر واعٍ، ومنظومة تعليمية تُقدّر قيمة القياس الحقيقي.
مقرن المطيري
25 / 1 / 2026