خيط ذهبي
حاولت الأم أن تُثبّت نفسها، فأخذت الهاتف واتصلت بالإسعاف، تُحذّرهم بصوتٍ مرتجف يكاد ينقطع، بأن الحالة طارئة وتستوجب تدخّلًا سريعًا.
مرّت خمس دقائق، عاشت فيها كلّ أنواع الخوف والهلع والارتباك، وهي ترى ابنتها واقعة على الأرض، بعينين مفتوحتين لا روح فيهما…لم تستطع فعل شيء سوى تبليل وجهها بالماء البارد، أملًا في إفاقتها… لكن زهرة استسلمت، ولم تستيقظ.
كانت الأم تنتظر الإسعاف بأحرّ من الجمر.
مرّت عشر دقائق، فإذا بهم يطرقون الباب بقوة.
هرعت لفتحه بسرعة، فحملوا زهرة، وعلّقوا لها الأكسجين.
ذهبت الأم معهم، وهي تردّد بكلمات مرتجفة:
— هل ابنتي بخير؟ هل زهرة بخير؟لم يُجبها أحد…فأعادت السؤال مرارًا،
حتى قال أحد أفراد الطاقم الطبي:
— هل تعاني ابنتك من مرضٍ ما؟
أجابت بصوت مكسور:
— نعم… الإيدز.
سألها:
— في أي مرحلة؟
قالت:
— الأولى.
تنفّس الطبيب بارتياح وقال:
— الحمد لله… لا تخافي، ستكون ابنتك بخير، سيدتي.
أخذوها إلى المستشفى بسرعة.
وحين لامست أقدام الأم ذلك المكان ، استقبلتها رائحة المستشفى، مختلطة بتمتمات الانتظار، ورائحة الطعام الطبي، وصوت أقدام الجراحين والمساعدات، والمنظفات أثناء تنظيف الأرض، مع كل خطوة تمرّ مسحةُ أرضية.
وفي خضمّ هذه المراحل، كانت الأجواء خانقة: أصوات بكاء المرضى، رنين سيارات الإسعاف المستمر، ونواحٌ مختلط بالحزن… عالم مؤلم، كلّ شخص يحمل قصةً وألمًا دفينًا.
ففي العين ألفُ حكاية.
دخلت المريضة إلى غرفة الفحص، والأم تشعر بأن قلبها يكاد يتوقف.
أجرى الطبيب بعض الفحوصات، وأخذ عينات مثل تحليل الدم واختبارات العدوى، بينما الأم تجلس متوتّرة، تلمّح كل حركة بعينيها، تخشى أن تكون ساعةً حاسمة.
بعد ساعة، خرج الطبيب إلى الأم، وعيناه تحملان جدّية الموقف، وقال:
— هل تمرّ ابنتك بحالة نفسية صعبة؟
— لا أعلم… ربما قليلًا، أجابت الأم بصوت مرتجف، ويدها ترتعش وهي تمسك بحقيبتها.
أضاف الطبيب:
— رأينا أن ضغط الدم منخفض، وأن دقّات القلب غير منتظمة، لكن بالنسبة لمرضها فهو مستقرّ حاليًا.
ثم ابتسم قليلًا وأكمل:
— على العموم، سيدتي، اعتني بابنتك، وهذا الدواء من أجل القوّة.
حسنًا… نتمنّى لها الشفاء العاجل.
وفي قلب الأم، خليط من القلق والارتياح، شعرت بأن جزءًا من الخوف قد خفّ، لكن الحبّ والقلق ظلّا يملآن صدرها.
أمضت الأم أكثر من ثلاث ساعات وهي تلازم ابنتها بلا كلل، تضمّ يدها برفق، تتأمّل وجهها الحزين، ويدها ترتجف من القلق. همست كلماتها بين الدموع:
— زهرة حبيبتي… فقط استيقضي… أنا لن أذهب عند ذلك الشخص…تساقطت الدموع بحرقة على خدّيها، وهي تتوسّل:
— زهرة… لن أقوم بتفريقك عنه… استيقضي يا ابنتي… أنا بدونك لا شيء… أرجوك…
وفجأة، شعرت الأم بتحرّك سبّابة زهرة الصغيرة بين يديها.
دخل بعض الهدوء إلى قلب الأم، وهمست بارتياح:
— زهرة… هل استيقظتِ، حبيبتي؟
حاولت زهرة فتح عينيها، اللتين بدتا أثقل من الجبال، ثم نظرت أخيرًا إلى أمها، وقالت بصوت شبه ميت، منهك، مجروح ومكسور، متقطّع:
— أمي… أنا… أنا… آسفة… أُجعلكِ تعانين معي… أنا لست الفتاة التي تحلم بها أيّ أم…
اتّسعت عينا الأم وتجهم وجهها، وارتفع صوتها بين الغضب والحنان:
— زهرة… هذه آخر مرّة أسمع فيها هذا الكلام، حسنًا؟
ثم لامست يدها برقة وأضافت بصوت حنون: — زهرة… أنتِ أميرتي الصغيرة… إيّاكِ أن تتركيني.
عانقت الأم ابنتها بقوّة، وهي تبكي بشهقة وحرقة، والدموع تملأ وجهها، بينما قلبها يفيض حبًّا لا ينتهي وارتياحًا هادئًا بعد ساعات من الخوف.
ولم يمر وقت طويل على تلك اللحظات الدافئة الممتزجة بالحزن والراحة، حتى رنّ هاتف السيدة أمينة، قاطعًا سكون الغرفة.نظرت إلى الشاشة، فوجدت اسم جارتها سعاد يضيء أمامها.
لا بدّ أنها رأت سيارة الإسعاف أمام المنزل، فجاء اتصالها محمّلًا بالقلق.
تبادلتَا أطراف الحديث سريعًا، وكانت أمينة تحاول أن تبدو مطمئنة رغم اضطراب قلبها.
قالت بصوت ثابت تخفي خلفه ارتجافها:
– لا تقلقي يا سعاد، ابنتي فقط أُغمي عليها بسبب ضغط الدم، فخفتُ واستدعيت الإسعاف.
تنفست سعاد الصعداء وقالت:
– الحمد لله… ستكون بخير بإذن الله. أريد فقط أن أطمئن على صغيرتي زهرة.
ترددت أمينة لثوانٍ، ثم قالت بسرعة وبابتسامة شاحبة لا تُرى عبر الهاتف:
– لا يا عزيزتي، زهرة متعبة الآن وتحت تأثير المهدئ… فلنتركها ترتاح:
– حسنًا، المهم أن تطمئنيني عندما تخرجين من المستشفى.
سأُحضّر لك طبقًا مميزًا.
ابتسمت أمينة هذه المرة ابتسامة صادقة رغم ثقلها، وقالت:
– شكرًا يا حبيبتي… وجودك يكفيني.
ضحكتا قليلًا، ضحكة قصيرة تخفف شيئًا من التوتر، ثم أغلقت الخط.
وما إن وضعت الهاتف جانبًا حتى دخل الطبيب فجأة.
قال بهدوء:
– السيدة أمينة، أودّ التحدث معك… لنترك المريضة ترتاح.
شعرت بقلبها يخفق بعنف، كأنها تمشي نحو خبر لا تملك شجاعة استقباله.
خرجت خلفه بخطوات مترددة.
توقف الطبيب أمامها، وصمت لحظة بدت كأنها دهر.
ثم ابتسم ابتسامة مطمئنة وقال:
– أبشري.
تعلقت أنفاسها بين الخوف والرجاء:
– أبشّر بماذا يا دكتور؟
قال بصوت هادئ:
– ابنتك بدأت تستجيب للعلاج… جسدها يقاوم الفيروس بشكل غير متوقّع. لا أستطيع تفسير ذلك بدقة، لكن التحاليل تُظهر تحسّنًا واضحًا.
لم تتمالك نفسها.ركعت على قدميها، وسجدت شكرًا لله، ودموعها تنهمر كالوديان من عينيها.
كان جسدها يرتجف، بين صدمة الفرح وراحة الانتظار الطويل.
انحنى الطبيب قليلًا وقال بلطف:
– تفضلي معي إلى المكتب… سأشرح لك كل التفاصيل.
بدأ الطبيب يشرح لها التفاصيل بهدوء مدروس:
– جهاز زهرة المناعي أصبح أكثر نشاطًا بشكل مفاجئ… يبدو أن جسدها بدأ يقاوم الفيروس بقوة أكبر.
كانت أمينة تنصت وكأن كل كلمة تُكتب داخل قلبها.
أكمل الطبيب بنبرة أكثر جدّية:
– لكن هذا لا يعني الشفاء التام. ما زلنا بحاجة إلى متابعة دقيقة، ووصفة علاج منتظمة، ومراقبة أسبوعية صارمة. أي تهاون قد يُعيد الأمور إلى نقطة الخطر.
ارتفعت عينا أمينة إليه، فوجدت في نظرته صرامة واضحة، وتحذيرًا لا يقبل التأويل.
كان صوته هذه المرة ممزوجًا بالحِدّة والمسؤولية، كأنه يريد أن يزرع في قلبها اليقظة قبل الأمل:
– أرجوكِ، لا تتراخي… المرحلة القادمة أهم من السابقة.
نظرت الأم إلى الطبيب بعينين تلمعان، مختلطة بين الفرح والقلق، وكأن الدموع تتساقط من الفرح:
– هل كلامك… حقًا صحيح؟ هل ابنتي حقًا ستشفى؟
صوتها مرتجف، ويدها تمسك صدرها وكأن قلبها سيخرج من مكانه:
– أرجوك… كرر ما قلته… لا أستطيع أن أصدق… بعد 22 سنة من الخوف والانتظار…
وقف الطبيب لحظة، يقرأ دهشة الأم وخوفها،ثم ابتسم ابتسامة هادئة مطمئنة وقال بصوت ثابت:
– نعم… ابنتك بدأت تتحسن، والجهاز المناعي يقاوم الفيروس. لكن لا يزال الطريق أمامنا، والمراقبة الأسبوعية مهمة جدًا.
لم تستطع الأم السيطرة على مشاعرها.
خرجت مهرولة من الغرفة، خطواتها متسارعة كالقلب الذي يركض في صدرها، تتجه مباشرة نحو ابنتها لتعانقها بكل ما فيها من حب وحنان.
الدموع كانت تتساقط على وجنتيها، والابتسامة لم تفارق وجهها، وكأن كل خوف السنوات الماضية يذوب في لحظة واحدة.
تحرّكت شفتا زهرة قليلًا، وكأنها أدركت وجود أمها، وارتسمت على وجهها ابتسامة خفيفة رغم ثقل المهدّئ.
كانت لحظة لا توصف، كلمات العالم كله لا تستطيع أن تعبّر عن شعورها.
كل اللحظات الأخرى تبدو صغيرة أمام هذا الشعور… فقط الدموع كانت قادرة على نقل ما يدور في القلوب، فهي الصادقة وحدها.
بعد أن بدأ ثقل المهدّئ يتلاشى شيئًا فشيئًا، حاولت زهرة أن تسأل أمّها لماذا تبكي وفي الوقت نفسه تبدو سعيدة إلى هذا الحد.
لم تجب الأم فورًا. كانت تخفي في قلبها خبرًا سعيدًا وتخطط لمفاجأة صغيرة، لذلك اكتفت بالنظر إلى ابنتها طويلاً، كأنها تطمئن أن روحها ما زالت هنا.
انحنت وقبّلت رأسها برفق، ثم قالت بفرحٍ ممزوج بالأمل:
— أنا سعيدة لأنكِ معي يا حبيبتي… هذا كل شيء.
رفعت الابنة عينيها نحو أمها، وصوتها لا يزال خافتًا تحت أثر التخدير الذي يتلاشى:
— أ… أشعر أنكِ أسعد من ذي قبل يا أمي… أسعدني معكِ.
ضمّتها الأم بحرارة، وكأنها تريد أن تُخبّئها في صدرها لتحميها من العالم كله، وقالت بصوتٍ يرتجف:
— أحبكِ يا صغيرتي… وإن شاء الله ستكون حياتنا طبيعية وجميلة. القادم أفضل يا زهرتي.
ثم أضافت بابتسامةٍ خفيفة، كأنها تمهّد لشيء:
— هل قلتِ إنكِ تحبّين صاحب المقهى ؟
توقّف الزمن لحظة. شعرت زهرة وكأن قلبها انكسر بصمت، وقالت بعينين ذابلتين وصوتٍ متردّد:
— لا يا أمي… لا… أحبه…
نظرت إليها أمها بعينين تلمعان بالحنان، وقالت:
— وإن أحببتِه يا عزيزتي، فلا مشكلة. حياتكِ ستتغير، لكن الحب ليس خطأ. هذه حياتكِ، ومن حقكِ أن تحبي.
ابتسمت زهرة ابتسامةً باهتة، وأفكار المرض تثقل قلبها، ثم همست بتقطّع خفيف:
— ل… لكن يا أمي… أنا مريضة…
أجابت الأم بهدوءٍ حاسم:
— وهل المريض لا يملك قلبًا وأحاسيس؟ ومنذ متى كان المرض بابًا أسود يُغلق في وجه الحب؟ أنتِ بشر يا زهرتي… وقلبكِ من حقه أن يخفق.
في تلك اللحظة، استعادت زهرة شيئًا من قوتها.
كل ما كانت تحتاجه لم يكن دواءً إضافيًا، بل طمأنينة… كلمة تُمسك بيدها حين تتوه، وثقةً تُعيد إليها نفسها.شعرت بالدموع تنساب دون أن تدرك، تبكي بصمتٍ عميق.
مسحت الأم دموع ابنتها برفق، وقالت:
— آه يا زهرتي… لا تبكي، فدموعكِ كالسكاكين في قلبي.كوني قوية… فأمكِ تُخبّئ لكِ مفاجأة سارة ستسعدكِ كثيرًا.
رفعت زهرة وجهها نحو أمها مباشرة، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيها رغم عينيها المغمضتين، وكأنها تحاول أن تخفي تعبها وحزنها في نفس الوقت:
— أمي… حبيبتي… أنا… أريد أن أرتاح قليلًا… أشعر بتعب…
قبضت الأم على يدها برقة، وضمتها إلى صدرها للحظة، وعيناها تلمعان بالحنان والقلق في آن واحد:
— حسنًا… ماذا تشتهين لأشتري لكِ، زهرتي الصغيرة؟
ارتعشت شفاه زهرة، وغطى الحزن قلبها، لكنها همست بصوتٍ خافت متقطع:
— أريد… حلوة الصوف… الوردية…
ربّتت الأم على رأس ابنتها بحنان، وكأن كل ربّتة تحمل وعدًا صغيرًا بالفرح وسط التعب:
— انتظري قليلًا… سأجلبها لكِ… حالا…
ومرت الأم مهرولة، تتخطى خطواتها بسرعة، كأن كل ثانية بدون ابتسامة زهرة أثقل من السابقة، ويدفئ قلبها الأمل في أن ترى فرحة ابنتها تتألق من جديد، من خلال الخبر السار الذي تكتمه عليها لتفاجئها.
خرجت الأم من المستشفى مسرعة نحو متجر الحلوى، خطواتها خفيفة كالريشة، ووجهها يلمع بالفرحة وكأن قلبها يحلق في السماء. ومن حسن حظها، صادفت بائعًا متجولًا يبيع حلوى القطن بألوان زاهية. توقفت فجأة وهي تصرخ:
– يا بائع، انتظر! أريد أن أشتري!
توقف البائع على الفور، وابتسم بلطف. اختارت الأم الحلوى التي تحبها ابنتها، ثم همست لنفسها: «يجب أن أشتري لها بعض الفواكه أيضًا، الحلوى وحدها لا تكفي».
توجهت بعد ذلك إلى البقالية، وهناك صادفت مراد بالصدفة، يشتري بعض البقالة.
وقفت الأم تنظر إليه لثلاث ثوانٍ،لتتأكد، فالتفت إليها مبتسمًا بأدب:
– سيدي، هل اختلطت عليك الأمور مع شخص آخر؟
أجابت بسرعة:
– هل أنت صاحب المقهى؟ لقد التقينا سابقًا، خصوصًا في حفل الخطوبة.
تذكرها بسرعة، وقال بكل هدوء:
– أنتي أم زهرة، أليس كذلك؟
فأجابت:– نعم، أنا أمها. بالمناسبة، شكرًا لمساعدتك ابنتي في ذلك اليوم الممطر.
رد مراد بتوازن واحترام:
– هذا من دواعي سروري سيدتي، لكن لا أرى زهرة معك؟
فأجابت الأم بحدة كأي أم مغربية:
– ومدخلك أنت…ثم أدركت أنها أخطأت قليلًا في أسلوبها، فتراجعت بسرعة وأضافت بابتسامة:
– آه، ابنتي… هاهاها، إنها في المستشفى.
تجمد مراد فجأة، وكأن قلبه سقط، وسأل بعيون حادة وصوت عميق:
– لماذا هي في المستشفى؟
أجابت الأم وكأنها لم تلاحظ تغيره:
– فقط فقدت الوعي بسبب ضغط الدم، هذا كل شيئ.
قال مراد دون تفكير:
– أي مستشفى؟ وأي غرفة؟
فأجابت الأم بتعجب:
– أين ذهب هدوؤك؟
قال مراد:
– آسف سيدتي، أردت الاطمئنان عليها فقط، لأنها أسدت إلي معروفًا عظيمًا سابقًا…
"هنا، كان مراد يكذب، فقط ليتمكن من رؤية زهرة."قالت الأم في نفسها: «حسنًا، يبدو أن هذا الشخص يحب ابنتي حبًا كبيرًا… لكن شيئًا ما في قلبي يقول لي: لا تثقي به».
حاولت تجاهل تلك الأفكار، وأكملت:
– حسنًا، مدام الأمر كذلك، ابنتي في مستشفى يبعد 10 دقائق فقط، الغرفة رقم 201…
لكن قبل أن تكمل كلامها، رحل مراد بسرعة، دون أن يسمع ما تبقى من كلماتها، فقد كان هدفه فقط المكان ورقم الغرفة، فذهب كالصاعقة بدون صوت.وقفت الأم، ممسكة برأسها وتنهّدت قائلة :
– ما أغرب حب هذا الزمن… يجعل رأسي ينشق، حتى أنه نسي أن يأخذ بقالته.
بعد سبع دقائق وصل مراد إلى المستشفى، صعد السلالم بخفة واندفاع، قلبه يخفق بشدة، كل خطوة تزيد شعوره بالقلق. وصل إلى غرفة 201، فتح الباب، وإذا به يرى زهرة واقفة على حافة النافذة، عيونها مليئة باليأس والخوف، وجسدها متردد كما لو أن كل شيء حولها انهار.
اندفع مراد بسرعة البرق، بخطوات خفيفة وسريعة، بدون صوت، مد يده ليمسكها قبل أن تقوم بحركة تسلبها حياتها.
أمسك جسدها النحيل بقوة، وهي تصرخ:
— أتركني! أنت لا تفهم شيء! لماذا دائمًا تظهر فجأة؟ أنا يائسة… لا أريد أن أعيش… أريد أن أرتاح… تعبت!
كانت دموعها تتساقط متحجرة، كأن قلبها هو من يبكي وليس عينيها.
حاولت المقاومة بلا وعي، وغرست أظافرها في ذراعه، لكنه لم يتركها أبدًا، ظل ثابتًا مثل حاجز لا ينكسر.
اقترب مراد، أمسك ذراعها بيد واحدة وألصقها بالحائط، واقترب منها أكثر، وقال بصوت مختلط بالغضب والعمق وقليل من الهدوء:
— هل أنت مجنونة؟ هل تظنين أن الإنتحار هو نهاية؟ هل تظنين أن الهروب من الحياة راحة، أيتها الفتاة الغبية؟ سأقول لك شيئًا ربما يثقل قلبك… من يلجأون للإنتحار أحيانًا يكونون يائسين، جبناء، لا يواجهون الواقع ولا يبحثون عن حلول أبداً.
قاطعته زهرة، تصرخ بعنف:
— أنت لا تفهم أي شيء! أنت تتكلم من خلال أفكارك، لم تعش ما عشته… أنت أناني! لا تعرف أي شيء… لا تعرف شيئًا على الإطلاق!
اقترب مراد أكثر، صوته أصبح أعمق وأكثر صرامة:
— مالذي لا أعلمه يا زهرة؟
ارتجفت زهرة، وقالت بسرعة:
— أتركني… أريد أن أرتاح.
لم يتأخر الرد، كرر بصوت ثابت:
— سأكرر كلامي… مالذي لا أعلمه؟
ابتلعت ريقها بصعوبة، لم تستطع التعبير، كأن فمها تم خياطته.
نظر إليها مباشرة، وجهه صار خاليًا من أي تعبير، أكثر صرامة، وكأن مراد قد انسحب من يرقته المخفية.
قالت زهرة، وهي ترتجف، وتنفسها متقطع:— أرجوك… أتركنيي..
في تلك اللحظة، لم يترك مراد زهرة.ضمّها إلى صدره بثبات هادئ، مدركًا هشاشتها وانكسارها وضياعها.
كانت بين ذراعيه كعرجون جافّ لم يعد يحتمل لهيب الشمس. لم تقاومه، بل اتكأت عليه كملاذها الأخير.
انخفضت يدها مستقيمة بلا مقاومة، وعيناها ذابلتان، وجهها متعب، وشعرها مبعثر، بينما كان يضمّها بكلتا يديه برقة لا تشبه إلا الطمأنينة.
صمت هو البطل، يحكي كل ما في قلبها من ألم واحتياج وعاطفة.
"أحيانًا، لا نحتاج كلامًا لنستمد القوة، بل حضنًا نستند إليه بصمت، وكأننا نبتة تبحث عن ضوء الشمس… آنذاك ، مراد كان كالشمس لزهرة."

عن الكاتب
Nouhaila Daali
كاتبة
اسمي نهيلة الدعلي، باحثة و مزدادة سنة 1999. أكتب لأن الكلمة مساحة حرّة للتعبير والفهم. أتنقّل في كتاباتي بين القصة، وعلم النفس، وقضايا الإعاقة، والمواضيع الاجتماعية، مستندة إلى دراستي لعلم الاجتماع وسيكولوجيا الإعاقة والتربية الدامجة. أهتم بالنصوص التي تلامس الإنسان من الداخل وتطرح أسئلة واقعية بهدوء وصدق. أقيم بمدينة القنيطرة.