اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ جُرْذَانُ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ

قَدْ كَانَ مِنَ الْعَجَبِ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي جُمْلَةٍ عَلَى أَنَّهُمَا صِنْفَانِ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، لَا مُتَنَاقِضَانِ، وَأَيْضًا بِالتَّنْكِيرِ
مُجَرَّدُ جُرْذَانٍ
وَلَكِنْ بَعْدَ تَفْكِيرٍ قَلِيلٍ وَجَدْتُ أَنَّ عَجبي دليلٌ على أني لَمْ أَتَخَلَّصْ مِنْ مَا وَهَبَه الْعَالَمُ لِي مِنْ طَرِيقَةِ حُكْمٍ ظَالِمَةٍ عَلَى الْأَشْيَاءِ
إِنَّ النَّهَارَ إِذَا وَلَى بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَرَ يَعْنِي هَذَا إِنْقِضَاءَ نِصْفِ يَوْمٍ مِنْ عُمْرِي، وَبِانْقِضَاءِ اللَّيْلِ يَنْتَهِي نِصْفُ يَوْمٍ آخَرَ مِنْ عُمْرِيوَبِذَلِكَ يَتَشَارَكُ النَّهَارُ وَاللَّيْلُ _جُرْذَيْ كِلِيلَةٍ وَدِمْنَةٍ_ فِي حَذْفِ يَوْمٍ كَامِلٍ مِنْ عُمْرِيأَي أَنّ كِلَاهُمَا وَاحِدًا بِالْفِعْلِ.
إصرار البشر على التفريق بين الليل والنهار
لِمَ نَرَى اللَّيْلَ أَقْسَى إِذًا؟ وَلِمَ رُمِزَ لَهُ بِأَنَّهُ الظُّلْمُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْ إِنْتِهَائِهِ وَإِنْ طَالَ، وَبَعْدَ إِنْقِضَائِهِ سَتَأْتِي شَمْسُ الْحَقِّ سَاطِعَةً؟
رَغم أنَهُ كُلَمَا اشْتَدَّ سُطُوعُ الشَّمْسِ، كُلَّمَا حُذِفَتْ سَاعَاتٌ مِنْ عُمْرِكَ
كَمَا اللَّيْلِ بِالضَّبْطِ
وَلَكِنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ اتَّفَقَ عَلَى أَنْ يَكُونَ اللَّيْلُ هُوَ الظُّلْمُ، رَغْمَ أَنَّهُ أَقَلُّ ظُلْمٍ فِي رَأْيِي يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ الْمَرْءُ
فَالْوُقُوفُ أَمَامَ أَفْرَانِ الْخُبْزِ فِي الظَّهْرِ أَظْلَمُ، وَتَجْعَلُنَا نَمُوتُ مِنْ غَيْرِ هِتْلَرْ عَلَى رَأْيِ عَمِّنَا جَلَالِ عَامِرْ
وَهَذِهِ السِّيرَةُ _أَنَّ اللَّيْلَ هُوَ الظُّلْمُ الَّذِي يَتَمَنَّى الْمَرْءُ إِنْقِضَاءَهُ_ تُشْبِهُ أَنَّ الْغُرَابَ هُوَ رَمْزُ الشُّؤْمِ وَالْحَظِّ السَّيِّئِ لِأَنَّهُ عَلَّمَ قَابِيلَ دَفْنَ هَابِيلَ
حظ الغُراب الأسود
مَدَى اخْتِلَافِي فِي هَذِهِ النُّقْطَةِ يَقِلُّ بِقَدْرٍ كَبِيرٍ عَنْ اخْتِلَافِي مَعَ مَنْ فَسَّرُوا اللَّيْلَ وَرَمْزِيَّتَهُ
فَالْغُرَابُ بِالْفِعْلِ يُمْكِنُ أَنْ تُدْمَجَ سِيرَتُهُ فِي الْحَدِيثِ عَنِ الْحَظِّ السَّيِّئِ، وَلَكِنْ كَمُتَأَثِّرٍ بِالْحَظِّ وَلَيْسَ مَصْدَرَهُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَمَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ سَبَبًا فِي الْخَيْرِ، جَعَلَهُ سَبَبًا فِي تَعْلِيمِ قَابِيلَ كَيْفَ يَدْفِنَ هَابِيلَ
وَالْدَّفْنُ لَيْسَ هُوَ سَبَبُ حَظِّ الْغُرَابِ الْعَاثِرِ وَالسَّيِّئِ، بَلِ الْمَوْتُ كُلُّهُ إِنْ شِئْتَ قُلْ
وَلَكِنَّ السَّيِّئَ أَنْ تَكُونَ صِدْقَتُكَ الْجَارِيَةُ فِي بَشَرٍ، وَعِنْدَمَا يَصْبِحُونَ أَحَدَ أَسْبَابِ صِدْقَتِكَ الْجَارِيَةِ عَلَيْكَ أَنْ تَعْرِفَ أَنَّ سِيرَتَكَ سَتَصْبِحُ جَارِيَةً أَيْضًا عَلَى كُلِّ الْأَلْسِنَةِ بَلْ وَهِيَ مَصْدَرُ الْحَظِّ الْعَاثِرِ الْأَسْوَدِ الْغَابِرِ
الْغُرَابُ ذَاكِرَةٌ قَوِيَّةٌ، وَذَكَاءٌ حَادٌّ جِدًّا جِدًّا لَا الْفَضْلُ وَلَا الْأَذَى مُنْسِيَّانِ عِنْدَهُ، وَهُوَ بِذَلِكَ نَجَحَ عَنِ الْعَوَامِّ مِنَ الْبَشَرِ فِي شَيْءٍ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَدَالَتِهِ وَنَزَاهَتِهِ وَتَنْظِيمِهِ وَصِفَاتٍ عِدَّةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَلْهَمَ مِنْ قِصَّةِ قِصَصِ الْحَيَوَانِ فِي الْقُرْآنِ الَّتِي كُنْتُ أَنَا وَأَنْتَ نَشْهَدُهَا فِي الطُّفُولَةِ!!!
وَفَوْقَ كُلِّ ذَلِكَ وَبِلَا دَلِيلٍ قَاطِعٍ، أَوْ دَلِيلٍ أَصْلًا أَكَادُ أُجْزِمُ أَنَّ الْغُرَابَ وَرَغْمَ ذَاكِرَتِهِ الْقَوِيَّةِ لَمْ يَتَنَاقَلْ سِيرَةَ قَابِيلَ وَبَنِي الْبَشَرِ أَجْمَعِينَ أَوْ يَخْوُضْ فِيهَا أَوْ يَتَنَاوَلْهَا وَلَوْ فِي أَشَدِّ الْمَوَاسِمِ قَحْطًا كَمَا فَعَلَ الْإِنْسَانُ!!!
وَإِنْ رَأْيَ الْغُرَابِ الْقَاتِلُ يَبْكِي مَقْتُولَهُ، وَلَمْ يَسْتَنْكِرْ هَذِهِ الطَّبِيعَةَ الْقَاتِلَةَ أَيْضًا هِيَ الْأُخْرَى لِلذَّنْبِ
هل للبشر حقٌ على هذه الرمزيات
زَعَمْنَا نَحْنُ بَنُو الْإِنْسَانِ أَنَّنَا أَكْثَرُ الْمَخْلُوقَاتِ تَمَيُّزًا وَتَفَوْقًا عَنْ بَاقِي الْمَخْلُوقَاتِ وَعَنْ نُسَخِنَا الْمَدْفُونَةِ فِي الْمَاضِي
وَالْحَقُّ أَنَّنِي عِنْدِي دَلِيلٌ كَالْقُدْرَةِ الْمُتَسَارِعَةِ نُمُوًّا عَلَى الْقَتْلِ وَالْدَّفْنِ (أَوِ التَّخَلَّصِ مِنَ الْجُثَثِ بِأَيِّ شَكْلٍ كَأَنْ تَصْبِحَ رَمَادًا)
وَالْحَقُّ أَنَّنَا لَمْ نُنْكِرْ تَعْلِيمَهُ إِيَّانَا الْدَّفْنَ، وَأَنَّنَا تَعَلَّمْنَا مِنْهُ أَبْسَطَ الْأَشْيَاءِ نَحْنُ أَذْكَى الْمَخْلُوقَاتِ لَمْ نَصِلْ إِلَيْهَا بِعَبْقَرِيَّتِنَا
وَالْحَقُّ أَيْضًا _وَإِنْ كَانَ عَلَيْنَا هَذِهِ الْمَرَّةَ_ أَنَّنَا لَمْ نَتَعَلَّمْ مِنْهُ مَا فَعَلَهُ بَعْدَ مَوَارَاةِ سُوْءَةِ أَخِيهِ وَهِيَ أَلَّا تَتَنَاقَلْ سِيرَتَهُ
بَنُو الْإِنْسَانِ لَمْ يَنْجَحُوا بِالْأَغْلَبِيَّةِ فِي أَنْ يَبْقَوْا "إِنْسَانًا"… يَأْنِسُ بِالْأَخر وكَذَلِكَ الأخر يَأْنِسُ بِهِ، وَبَاتُوا مُتَمَتِّعِينَ عَلَى قُدْرَةٍ فَائِقَةٍ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأَشْيَاءِ وَالْكَائِنَاتِ فِي رَغْبَةٍ رَهِيبَةٍ فِي الطَّبَقِيَّةِ، بَاتَّوْا يُفْرِقُونَ بَيْنَ الْجُرْذَانِ مُدَّعِينَ أَنَّ الْأَكْثَرَ سَوَادًا أَكْثَرُ جُرْمًا، وَهُمْ الْبَشَرُ هُمْ مُحْدِثُو الْجَرْمِ كَمَا جَعَلُوا الْغُرَابَ سِيرَةَ الشُّؤْمِ وَسِيرَةَ الْغَمِ وَسِيرَةَ تَسْتَدْعِي الْبَصْقَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ يَسَارًا عِنْدَ ذِكْرِهَا
وَأَهَذِهِ طَبِيعَةُ الْبَشَرِ؟
سؤال
الْأَجْدَرُ بِالسُّؤَالِ بَعْدَ التَّعَجُّبِ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنَ الْبَنَاتِ وَالْبَنِينَ لِمَاذَا يَكُونُ الْجُرْذَانُ سِيَانًا فِي الشَّرِّ لِأَنَّنَا نَعْتَبِرُ إِنْقِضَاءَ الْعُمْرِ شَرًّا؟
وَلِمَاذَا نَعْتَبِرُ إِنْقِضَاءَ الْعُمْرِ يَوْمًا أَوْ نِصْفَ يَوْمٍ شَرًّا؟ أَلَمْ نَضْمَنْ أَنَّ هُنَاكَ غُرَابًا فِي مَكَانٍ مَا عَلَّمَ قَابِيلَ بَعْدَ قَتْلِهِ هَابِيلَ كَيْفَ يُوَارِي سُوْءَةَ أَخِيهِ؟!!!!
عن الكاتب
تسنيم محمد | القضية
كاتب ويوتيوبر
إنسانة تؤمن بالرمادية، بحب الأدب والقراءة ويمكن هنزل مراجعاتي للكتب
