
لطالما سألت نفسي … ما هو ذلك الشيئ الذي أطلقَ عنانَ قلمي نحو الكتابة ؟ وجعل مني كاتباً يداعبُ الصفحات والسطور المستقيمة؟
فوجدت أن الإجابة تكمنُ في أول شيئٍ كتبته ، وعندما عدت بذاكرتي الى الوراء و في حضرة ولادة صفحتي الأولى … وجدت أن أول ما دفعني الى الكتابة هو الحزنْ ولا شيئ غيره …
عندها تردد نحو مسامعي سؤال أخر راودني ألا وهو متى قابلت الحزن أول مرة ؟ … وفي هذه الأثناء تساقطت أسهم الحزن نحو ذاكرتي على شكل أجوبة مختلفة ، حتى انني اكتشفت حينها اني رجلٌ مكللٌ بالحزن والمآسي ! … وشعرت حينها أن قول نزار قباني يشملني عندما كتبَ وقال " أنا أقدمُ عاصمةٍ للحزن ".
ورغم ذلك كله فشلت في اكتشاف المرة الأولى التي زار بها الحزن قلبي وعرفني على نفسه ، و وجدت فيما بعد ان ذلك كان أفضل ، لأن نسياني لهذا الحزن الأول هو دليل على اني قد إنتصرت عليه ووضعته وراء ظهري .
كذلك حزن اليوم و الأمس والغد سيكون الوقت كفيلاً بهم ، حتى ولو تركوا على قلوبنا العديد من الندبات … يمكننا أن نجعل من هذه الندبات تذكاراً بأننا من وراء هذا الحزن وبين كواليس البكاء ومناجاة الليل قد تعلمنا درساً جديداً جعل لهذا الحزن طعماً ولوناً أخرين ، ولنأخذ دائما الجانب الأخر المشرق من كل شيئ ، فإن لم نجد فالنكن نحن ذاك الشروق الذي سيعيدنا من الهامش إلى ما فوق السطور.
بالنسبة لي ولأكون الشاهد الأول في ختام هذه الكلمات المكللة بالحب …فإن أفضل ما قدمه لي الحزن هو أن أطلق عنان قلمي نحو الكتابة ، وجعلني أغرق بين الأحرف والمفردات ، و أتأرجح بين السطور والصفحات لأرسم بالكلماتِ عُصارة روحي ودفء قلبي ولوعة النوى واغنية المشتاق وجمال الانتظار حينما يكون الانتظار في حضرة من نحب.
و إن من أروع ما قد يندرج من الحزن هي تلك المشاعر التي نكتشف من خلالها كل شيئ كالصدر الذي نرتاح على كاهله ، والصديق الذي تجاوز صدقه حزني واحتواه ، وأهم اكتشافاتنا ستكون هو عدم تذكرنا للقائنا الاول مع الحزن والذي سيكون دليلاً كافياً على أننا قادرون على الانتصار كما انتصرنا اول مرة.