هناك مثل أفريقي جميل يقول: «الحكمة مثل شجرة الباوباب، لا يحيطها شخص واحد بذراعيه».
تذكرت هذا المثل وأنا أتابع في الأخبار قصة غريبة للغاية. شاب مصري من القاهرة اشترى تذكرتين، واحدة له وأخرى لصديقه، وتوجها معًا لزيارة المتحف المصري الكبير الذي افتُتح حديثًا. الشاب لم يكن ذاهبًا للاستمتاع بالآثار، بل كان على مهمة مختلفة وغريبة: فقد طلب من صديقه تصوير فيديو بث مباشر له أمام تمثال الملك رمسيس، بينما هو يتلو أدعية وصلوات، ويستشهد بآيات من القرآن الكريم تتحدث عن كفر الفراعنة ويتوعد الله فيها فرعون وقومه بالعذاب والهلاك الشديد.
كان الشاب يقرأ بصوت عالٍ رنان يتردد صداه في كل أرجاء القاعة، ما جذب انتباه السياح الأجانب، الذين وقفوا مذهولين لا يفهمون طبيعة ما يحدث بالتحديد.
لاحقًا، قبضت الشرطة عليه وفتحت تحقيقًا في الواقعة، ووجهت إليه بعض الاتهامات. وانتشر الخبر سريعًا في وكالات الأنباء الأجنبية، وأصبحت الفضيحة رسمية وجلية.
الغريب في الأمر لم يكن الفعل نفسه، بل ردود فعل الناس. معظم التعليقات لم تركز على الضرر الذي قد يلحق بالسياحة أو تخويف الزوار، بل استنكرت القبض عليه لأنه كان يقرأ من كتاب الله. ووفقًا لرأيهم، نحن في بلد مسلمة، ولا يجب منعه، فهو صاحب صوت عذب يدعو إلى دين الله.
أحد المعلقين قال:
«أكيد إذا كان راقصًا أو مغنيًا لما قبضوا عليه، حسبي الله ونعم الوكيل، نعمل إيه يا ربي؟ البلد كلها بقت ملاحدة وكفاتسة!»
ولفظ كفاتسة هو جمع كوفتيس، وهو تعبير مصري للإشارة إلى الشخص المسيحي، تحريف شعبي لكلمة قبطي.
من وجهة نظري، ما حدث للشاب هو نتاج طبيعي لواقع ثقافي وتعليمي متدهور. ففي مدارسنا الحكومية، لا يوجد نظام تعليمي فعلي، بل يتم حشو الطلاب بمعلومات تُنسى مباشرة بعد كل امتحان.
في المقابل، في الدول المتقدمة، يكون المنهج أقل أهمية مقارنة بتعليم الطلاب كيف يفكرون ويبحثون ويطبقون قواعد التفكير العلمي ليصلوا إلى المعرفة بأنفسهم.هناك يتم وضع الطالب على بداية الطريق، ويُعطى الخريطة ليكتشف بنفسه تفاصيل الرحلة.
في ظل حالة تعليمية متدهورة ، من الطبيعي أن يظهر بعض الشيوخ الذين يحرضون ضد السياحة وضد آثار بلادنا، مشبهين إياها بالأصنام، دون أن يدركوا أنها قبل أن تكون مصدر فخر ، فهي مصدر رزق لملايين المصريين العاملين بكافة قطاعات السياحة.
والحل ليس اعتقال هؤلاء الشيوخ، بل اعتقال طريقة تفكيرهم من خلال تفعيل دور الثقافة الحقيقي.
في صغري، كنت أشاهد مهرجانات فنية للشباب، في جميع الساحات الشعبية و الميادين ،مثل الفن ميدان ومسرح الشارع والفنون الشعبية، وأنشطة قصور الثقافة، إضافة إلى بعثات توعية للمحافظات والأرياف. أين اختفى كل هذا اليوم؟
بتحجيم الثقافة، أُتيح المجال للخطابات المتطرفة التي تستغل العاطفة الدينية للشباب. والحمد لله، هذه الخطابات لا تمتلك سلطة الفعل على الأرض، وإلا لكان مصير آثارنا الفؤوس والتدمير باسم الدين.
معلومة هامة: يقدر الخبراء أن أكثر من مليون قطعة أثرية مصرية موجودة في الخارج، موزعة على نحو 50 متحفًا عالميًا. من هذه الملايين، تم استرداد 30 ألف قطعة، وما زلنا نسعى دبلوماسيًا وسياسيًا لاسترجاع البقية.
الشئ المحزن أن الكثير من الدول ترفض الاسترجاع، بحجة أن المصريين لا يعرفون القيمة التاريخية للأثر، وأن إعادة القطع قد تعرضها للتلف. وهذه الحجة تصبح منطقية فقط إذا كنا نحن المصريين نعامل آثارنا كأصنام، ندعو عليها بالهلاك، أو نستهزأ بها كما حدث حين حاولت بعض الفتيات وضع أحمر شفاه على تمثال، أو نبول على آثار إسلامية في أماكن مثل قايتباي وباب الخلق.
الخلاصة: بدون ثقافة حقيقية ونظام تعليم محترم، لن تتغير أفكارنا، وإذا لم تتغير أفكارنا، فلن يتغير واقعنا ولن تحترمنا أي دولة أخرى. الدول ستحترمنا فقط عندما نتعلم نحن أولًا كيف نحترم تاريخنا وثقافتنا.

عن الكاتب
Mohamed Kotb
كاتب حر
محمد قطب هو كاتب مصري مولود عام ١٩٩٠ و تخرج في كلية الألسن جامعة عين شمس قسم أللغة الأسبانية و آدابها ، يعيش ويعمل حاليا في الخليج العربي و له بعض القصص و المقالات المنشورة في الصحف المصرية مثل جريدة روز اليوسف و مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان ( الحاجات الضايعة ) .

