منذ بداية دراستي في كلية طب الأسنان وأنا أعيش بين عالمين متناقضين ، أحدهما عالم الدراسة الذي يأخذ النسبة الأكبر من وقتي وجهدي وتفكيري ، والآخر عالمي الشخصي الذي أحاول في كل مرّة عدم خسارته وسط هذه الضغوط .
الحياة في كلية طب الأسنان ليست مجرد محاضرات و امتحانات ، بل هي رحلة طويلة مليئة بالتحديات ، تبدأ مع ساعات الصباح الباكر ولا تنتهي إلّا مع آخر الليل . أحياناً أشعر أنني أعيش يوماً مكرراً : استيقاظ عند السادسة صباحاً ، دوام يمتد حتى السادسة مساءً ، ساعات في القاعات ثم المخابر فالعيادات ، وواجبات أكاديمية لا تنتهي . ومع ذلك ، يبقى السؤال حاضراً في ذهني كل يوم :
كيف أستطيع الموازنة بين هذا الضغط الأكاديمي وحياتي الشخصية ؟

تجربتي مع الضغط اليومي :
عشتُ في البداية مرحلة من الإنهاك المستمر ، أعود من الجامعة منهكة لدرجة أنني بالكاد أتناول وجبتي و أغفو بلا وعي ، لم أكن أجد وقتاً كافياً لنفسي ، لا لنوم جيد ولا لاهتمام بمجالات شغفي أو أي نشاط أحبه . سرعان ما شعرت أنني فقدتُ شغفي ، وأن هذه الضغوط بدأت بالانعكاس على صحتي النفسية والجسدية .
مع الوقت ، اكتشفت أن الاستمرار على هذه الوتيرة سيجعلني أصل إلى الإرهاق التام (Burnout) وهي مشكلة شائعة بين الطب وطب الأسنان .
تشير الدراسات إلى أن نسبة الإرهاق النفسي بين طلاب طب الأسنان تتراوح بين 40-70% عالمياً ، نتيجة ضغط الدراسة وتعدد المتطلبات النظرية والعملية .

خطوات ساعدتني على الموازنة :
1. تقسيم الوقت كخطة نجاة
التخطيط لم يعد مجرد خياراً ، بل أصبح ضرورة .
بدأت بكتابة جدولي اليومي بتفاصيله : أوقات النوم ، ساعات الدراسة ، المراجعة ، و حتى فترات الراحة . هذا التنظيم قلل من شعوري بالفوضى ، و منحني إحساساً بالسيطرة.
- دراسة في ساعات محددة .
- راحة قصيرة بين كل جلسة و أخرى .
- تخصيص وقت ثابت للنوم حتى لو كان أقل من المثالي .
عندها شعرت بفارقٍ فقلل هذا التنظيم من التوتر الأكاديمي ورفع من إنتاجية عملي فأصبحت قادرةً على إنجاز المزيد من الأمور وبجودة أفضل .
2. الاستفادة من الأوقات القصيرة
لم أعد أعتبر الدقائق الضائعة بلا قيمة . فأصبحت في طريقي إلى الجامعة أقرأ بطاقات صغيرة (Flashcards) ، وأثناء ترتيب غرفتي أو القيام بأي نشاط أستمع إلى تسجيل صوتي يشرح مادة مرهقة وصعبة .
كل هذه العادات الصغيرة وفرت لي ساعات ثمينة على المدى الطويل .
3. الاهتمام بالنفس وسط الزحام
أدركت أن الاهتمام بالنفس يجب أن يكون من أولوياتي ، وأنني إن بقيت على إهمال نفسي فلن أستطيع إكمال هذا الطريق . لذلك خصصت وقتاً صغيراً وإن كان بمقدار نصف ساعة يومياً لأمارس شيئاً أحبه :
- فنجان قهوة بهدوء .
- كتابة خواطر قصيرة في دفتر خاص .
- الاستماع إلى بودكاست أحبه .
جميع هذه الأنشطة عززت شعوري بالرضا وقللت من مستويات القلق لديّ .
4. طلب الدعم وعدم الانعزال
أدركت أن الانعزال الدائم عن المحيط والمجتمع بغية الدراسة لم يكن سوى حقبة سوداء ، جعلتني في حالة اكتئاب وقلق مستمرين ، وربما تنتهي بانطواء وعدم القدرة على تقبل المحيط من جديد .
تعلمت أن الحديث مع شخصٍ مفضل لدي و أثق به يخفف من حملي كثيراً ، حتى لو كانت رسالة قصيرة لصديقة أو مشاركة مشاعري مع أحد أفراد العائلة . فوجود شبكة دعم اجتماعي عامل مهم للوقاية من القلق والاكتئاب .

الدروس التي تعلمتها :
- الصبر على النفس : فالنجاح لا يُقاس بالسرعة ، بل بالقدرة على الثبات والاستمرار.
- قول "لا" : لم يعد ممكناً إرضاء الجميع ، فأصبحتُ أختار أولوياتي و أركّز عليها .
- طلب المساعدة : تعلمتُ أن أطلب التوضيح من أستاذ أو الدعم من صديقة ، فالمعرفة تُبنى بالتشارك .
- الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة : كلمة شكر من المريض ، ابتسامة بعد علاج ، أو حتى إنجاز بسيط ... هذه التفاصيل منحتني طاقة للاستمرار .
- التوازن ليس رفاهية : حين أهملت صحتي دفعت الثمن بسرعة ، وحين اعتنيت بنفسي أصبحت أكثر قدرة على التحمل .
- الفشل خطوة لا نهاية : رسوبي في اختبار أو تقصيري في محاضرة لم يكن نهاية الطريق ، بل بداية لتصحيح مساري وتدراك جميع عثراتي السابقة .
- النجاح أوسع من الدرجات : النجاح الحقيقي أن أحافظ على شغفي رغم الضغوط ، وأن أتخرّج دون أن أفقد ذاتي .
الخاتمة :
رحلة طب الأسنان ليست سهلة ، إنها صعبة ومرهقة ، ولكنها ملهمة . هي رحلة تعلمت فيها كيف أوازن بين عقلي وقلبي ، بين الدراسة وحياتي الشخصية ، بين جهدي وراحتي.
واليوم ، حين أنظر إلى نفسي ، أرى طالبة تسير بخطى ثابتة رغم التعب ، وتؤمن أن كل ابتسامة تعيد إليها سبب اختيارها لهذا الطريق .
ولمن يمرّ بتجربة مشابهة ، أقول : "لاتهمل نفسك وسط الركض ، فصحتك النفسية والجسدية هما زادك نحو الهدف".
المراجع
ندوة عن الصحة النفسية للطالب الجامعي وعلاقتها بدافع الأنجاز – كلية طب الاسنان

إدارة الوقت التوازن بين الدراسة والحياة الشخصية
في هذه المقالة، سنتناول كيفية إدارة الوقت بفعالية وتحقيق التوازن المثالي بين الدراسة والحياة الشخصية، خاصة للطلاب والباحثين الذين يستفيدون من خدمات طلابية مثل أبحاث علمية، رسائل دكتوراه، ورسائل ماجستير.
عن الكاتب
فاطِمة الزهراء المسحّر
طالبة طب أسنان / كاتبة و مترجمة
مهتمة بكتابة المقالات العلمية ، وخاصة مجال طب الأسنان كوني أدرسه ، بالإضافة إلى المقالات الأدبية التي أكتبها لشغفي وحبي للكلمة.