
في أحد أهم محافظات البحر الاحمر جلست جهاد بصحبة صديقتها فرح على شاطيء البحر الاحمر حيث كافيتريا سيليا التي بدت لهم كأنها من عبق التاريخ .. فالموائد تبدو تراثية... والآرائك منقوشة بصور فريدة ... تقول سيليا صاحبة الكافيتريا أن والدتها كريمان أسست الكافيتريا منذ عام ١٩٣٠ وقد مر عليها زبائن كثيرة من شتى بقاع الأرض .. وعام ١٩٥٦ شهدوا العدوان الثلاثي على مصر وكان الكازينو مكان للجميع .. المصريين .. اليونانيين والايطاليين الذين كانوا يعملون في قناة السويس ..كانوا يقصون على والدتي حكايات كثيرة عن ردود الأفعال في العالم إيذاء تأميم القناة وكيف كانت مصر مركز الحروب في تلك الفترة وكيف نجى الله الشعب المصري في هذا الوقت من عدوان شرس يهدف إلى تدمير البلاد ... كانت أمي تحب مصر إلى أقصى مدى ... والدتي يونانية الأصل لكنها من أسرة محبة للعرب ولكن أبي (ماهر صالح ) مصري أبا عن جد ...
لقد انتقلت مصر إلى مرحلة جديدة غامضة لا يعرف المصريين عواقبها ..
النكسة ....
في عام ١٩٦٧ كان العدوان الصهيوني الغاشم الذي أدى إلى نكسة مفجعة على مصر وكافة البلاد العربية .. وهنا في هذا المكان كنا قريبين جدا من العدوان الصهيوني حيث كانت المقاومة الشعبية التي استشهد فيها عدد كبير من الأهالي وكنت في هذا الوقت أبلغ من العمر حوالي ٩سنين حيث رأيت جراح الناس وسمعت عويلهم .. ورأيت بكاء أمي ... ولأول مرة كنت أرى دموع والدي وفي هذا المبنى القديم القريب منا كان يجلس شيخ كبير يسمى (عم جمعة) ينادي في ميكروفون ضخم على الشباب كي يتبرعون بالدم لإنقاذ الأطفال والنساء ..
٦ أكتوبر ١٩٧٣...
في أكتوبر ١٩٧٣ جددت المقاومة الشعبية الأهلية دمائها ووقفت في أوائل الصفوف تدعم الجيش وتحمي الحدود ... لقد انتصرت السويس على العدو المتغطرس وقد فقدت عدد كبير من الشهداء وسالت الدماء الطاهرة تروي أرضها وتحدث العالم بأسره عن الكرامة والعزة المصرية...
لقد أصبحت السويس مدينة أشباح حتى في عز الانتصار.. فقد برز فيها الموت بكل جنباتها .. فقد استشهد الرجال العجائز والشباب وكذلك النساء والأطفال ... والمباني نسفت لتتساوى بالأرض.. ولكنه الموت من أجل الكرامة والحرية ..
لن تنسى الثأر....
السويس ميس جهاد ربما تكون أكثر مدينة عانت من الحرب ولهذا تشعرون في مبانيها حزنا عميقا لم ينتهي بعد .. وهذا يعود إلى طبيعة أهل السويس .. إنهم لا ينسون أعدائهم ولا زالوا ينتظرون الفرصة للثأر لكل شهداء السويس حتى بعد انتصارهم العظيم بل وينتظرون الثأر لكل شهداء مصر وفلسطين .. إنها مدينة عنيدة لا تستسلم ولا تتنازل عن حقها مهما مرت السنين ..
جهاد : أؤيدك مدام سيليا في كل كلمة .. السويس مدينة لا تزال حزينة وهي لم ولن تنسى .. فأهل السويس لازالوا ينتظرون فرصة واحدة للثأر من الكيان الصهيوني الغاصب .. الله ينصرهم ويمنحهم الخير والعزة ...
إنها الأرض والكرامة ....
فرح : من فضلك مدام سيليا .. هل ممكن أن أطلب زجاجة ليمون طازج .. أم إنني سأكون مقاطعة لأحاديثكم السياسية ...
سيليا: هذه ليست سياسة ميس فرح .. هذا تاريخ .. نحن نتحدث عن أرض وكرامة إنسانية ... وبالطبع لك ما طلبت ..دقيقة واحدة ويكون الليمون جاهز... استئذنكم الان ...
جهاد وفرح :تفضلي مدام سيليا
سيليا: خذوا راحتكم ... يمكنكم الدخول إلى الكافيتريا من الداخل واستكشاف كل أركانها ولوحاتها .. سيبهركم التراث المميز في كل أجزائها ..
جهاد وفرح :شكرا جزيلا ..
سيليا :ها هو الليمون .. لقد جهزه سليم لك ميس فرح
فرح : شكرا سليم ..
سليم : على الرحب والسعة ميس فرح ..
شيء مريب ....
فرح : جهاد .. لا أعرف ثمة شيء مريب هنا ... لا أفهم ما هو ... رغم أن سيليا تبدو شخصية لطيفة والمكان تراثه مميز ولكن لا أعرف .. هناك شيء مجهول لا أفهمه ..
جهاد : لكن يا فرح أنا أريد أن أجلس في هذا المكان ... سأشرب فنجان شاي ثم نمضي ... من فضلك ؟
فرح : كما تريدين يا جهاد ولكني غير مطمئنة وأشعر باضطراب ...
جهاد :أنت دائما تشعرين بانقباض هكذا.. أرى أن تهدأي وتجلسي بعض الوقت وأنا سأرتشف الشاي هنا لأشتم رائحة اليود الساحر . وإذا كنت تريدين العودة للوكاندة فيمكنك العودة بلا تردد ...
فرح متحدثة بغضب: أراك في اللوكاندة .. مع السلامة ..
ظلت جهاد في مكانها لكي تهدأ .. ثم طلبت الشاي
دخلت جهاد إلى الكافيتريا من الداخل وصعدت أدراج السلم إلى الدور الثاني لتشاهد بقية اللوحات والموائد المزينة والآرائك المصنوعة بالأرابيسك ..
رهبة غريبة....
صعدت جهاد إلى أعلى لتخطف نظرات سريعة حتى تعود إلى فرح بسرعة لتهدأ من روعها .. وعندما صعدت إلى أعلى شعرت برهبة غريبة لدرجة جعلت قلبها يكاد يخرج من بين ضلوعها .. وفجأة رأت ممر سحري طويل جدا ولكنه مظلم تماما .. فتسمرت في مكانها وهي تحملق في السواد ولكنها لا ترى شيئا .. لكنها ما لبثت أن غرست قدمها في حفرة غير مرئية فانزلقت في حفرة عميقة إلى مكان سحيق ... ياه ه ه ه. ... يارب ... اه ه ه ه ه ه ه ه... اغيثوني .. اغيثوني... فرح ... أين انت ... سبحان الله .. لقد شعرت بالانقباض من البداية وقد قمت بتحذيري ولكن دون جدوى .. أين أنت الآن يا فرح ... أين أنت ؟
تحت الأرض ....
ماذا أفعل في هذا المكان .. أنا الآن وقعت في مكان غريب تحت الأرض ... أنا الآن تحت الارض ... لكن .. هذا المكان يبدو كمنزل كبير .. بل يبدو كقصر واسع ليس له أول من آخر ... واضح أنه طريق الي يروح ميرجعش كما كانت جدتي تقص علي قصة حكيكو... حكيكو كان أمامه سكة السلامة وسكة الندامة وسكة الي يروح ميرجعش.... ياه ... واضح إني اخترت سكة الي يروح ميرجعش ... الله يرحمك يا جدتي ويرحم أيام الحكاوي الجميلة ...
اخذت جهاد تبكي .. وتستغيث بأعلى صوتها .. ربما يسمعها أحد .. وفجأة إذا بصوت مكتوم يناديها ويقول ... يا جهاد .. يا جهاد ...
نظرت جهاد حولها في خوف وارتياب .. ولكنها لم ترى شيئا ... فشعرت بالخوف أكثر ... وقالت بصوت مرتعد : من أنت ..هل أنت أنس أم جن ... أرجوك أخبرني من أنت .. أرجوك.
بطل من الزمن الآخر....
أنا وحيد شقيق سيليا ... لقد أتيت لك من هناك .. أتيت من خلف الزمن ... نظرت جهاد إلى الحائط الذي يشير إليه وحيد فوجدت عليه ساعة كبيرة متوقفة عند الساعة الثانية يوم ٦أكتوبر
يقول وحيد:منذ ذلك اليوم لم تتحرك عقارب الساعة ..
جهاد : هل أنت من أبطال أكتوبر يا عمو وحيد ...
وحيد :نعم أنا كنت فدائي من أبناء المقاومة الشعبية في السويس ... السويس يا جهاد مدينة الأبطال .. تحدثوا عنا ولا تنسونا... نحن ضحينا بأرواحنا وأموالنا لتعيشوا أنتم اليوم .. لا تستسلموا للعدو ولا تركنوا له ... قاتلوا الأعداء في كل مكان .. لا تتركوا غزة .. أجمعوا أمركم بينكم وقاتلوا مع إخوانكم .. أوصلي رسالتي إلى الرجال ..
قال تعالى :(قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين).
يختفي وحيد تماما لتجد جهاد نفسها وسط انفجارات وأصوات مدفعية تشبه غارات الحرب .. فيخبرها طفل صغير بأن الكيان الصهيوني يلقي بقذائف مدفعية وعليهم الآن الهروب والنزول للملاجيء...
الطفل البطل ...
جهاد تحدث نفسها :آه ... ياربي .. هل عاد بي الزمن إلى الحرب ... يارب ... يارب .. ماذا أفعل ... لماذا أتيت الى السويس .. كنت في القاهرة بعيدة .. يارب أغثني ... أغثني يارب ...
الطفل الصغير : ماذا تقولي يا طنط ... هيا اهربي ... هيا اهربي معي إلى الملجأ هناك ..
جهاد : من أنت ؟ وما اسمك ؟
الطفل الصغير :أنا بلال ابن عم جمعة ..
جهاد :ياه .. عم جمعة الذي كانت تحكي عنه سيليا ..
بلال :سيليا ..
جهاد :لا عليك .. لا تهتم ... هيا نهرب من هنا بسرعة .. صوت القذائف يرعبني ... هيا بسرعة ..
بلال : لا تخافي .. الملجأ قريب من هنا ولكن كوني حذرة وانت تسيرين .. تمسكي بيدي وسيري كما أسير..
جهاد : أنت طفل بطل... أنت صغير لكنك لا تخاف ولا تخشى الموت ... يا الله .. سبحانك يا الله ...
بلال : هيا بنا ... هيا بنا ... لنسير من هذا الطريق يسارا ...ثم ننزل درجتين سنجد نفق طويل يوصلنا إلى الملجأ ... هيا بسرعة ...
جهاد : حاضر يا بلال ...
بلال : ها نحن الآن في النفق ...
جهاد : آه ... أنه مظلم جدا يا بلال ... وثمة صخب وأصوات عالية تأتي من هنا ... انا لن أدخل هنا ... أرجوك ... يارب أغثني ..
بلال : لا تخافي ... انها أصوات أخوتي وجيراني في الحي ... سيري معي بسرعة لننزل الملجأ وإلا ستموتين...
جهاد : أموت ... وما أدراك ... ربما كنت ميتة وأنا لا أعرف ...
بلال : ماذا تقولي يا خالة ...
جهاد : لا أقول شيء ... لا تهتم بكلامي .. أنا مشوشة
بلال : هيا لندخل من هذا الباب ... هذا هو الملجأ ...
جهاد : ياه .. إنه صوت الأطفال الصغيرة كأنهم يتحدثون ... ما هذا ... أنا تعبت يا بلال ... أريد أن أنام هنا على هذه الأريكة بعض الوقت حتى تنتهي هذه الغارة اللعينة... هلا جلست هنا بجانبي لتوقظني بعد ساعة واحدة ...
بلال : طبعا سأجلس هنا لأحميك يا خالة .. أنا وأخوتي ..
أبو سليم ....
مر الوقت سريعا ... واستيقظت جهاد لتجد نفسها في مكان آخر تحت الأرض حيث تسمع صوت أحد العملاء الذي ينقل الأخبار للعدو .. ياه .. أنه أبوسليم .. سليم الذي قدم لها الشاي هذا أبوه يخاطب ظابط صهيوني ... إنه يمده بمعلومات عن المقاومة .... هذا يعني أن العملاء لازالوا أحياء بيننا فأبنائهم يعيشون معنا ويأكلون من خير بلادنا حتى بعدما انتصرنا ... تشعر جهاد بالرعب لأنها تكتشف أن كل من كانت تحدثهم اختفوا تماما لأنهم مجرد أرواح ...
مقرا سريا ....
تكتشف جهاد أن الكافيتريا كانت مقرا سريا للمقاومة .. وأن عم جمعة الذي قصت سيليا قصته هو أحد القادة الذين استشهدوا بعد خيانة أبو سليم (أحد أهم العملاء)..
سليم الغامض هو ابن العميل الذي تسبب في الكارثة وروحه لم تجد راحة بعد ...
بعد ذلك ينفتح باب كبير أمام جهاد يخرج منه شعاع شديد لا تستطيع أن تفتح عيونها فيه وتشعر برجفة وخوف شديد ثم تسقط على الأرض ... ولكنه شعاع الشمس حيث يدخل الضوء على الطابق العلوي وتدخل فرح مع رجال الإنقاذ لتجد جهاد على الأرض فاقدة للوعي وإلى جوارها صورة قديمة تشبهها تماما حيث تقف بجوار سيليا في عام ١٩٧٣...
عودة جهاد للزمن الحالي...
فرح : جهاد ... جهاد .. حبيبتي ... ماذا حدث ؟ جهاد ... من فضلكم .. اغيثونا ..
أحد رجال الإنقاذ: لا تخافي ... خذي بعض النشادر ... إنها بخير .. فالنبض يعمل بشكل عادي ...
فرح : جهاد ... استيقظي يا حبيبتي ... قومي معي الآن لنترك هذا المكان ... جهاد ...
جهاد: آه..... ماذا .... من هؤلاء الرجال ... أين نحن ؟
فرح : اهدأي حبيبتي .. هؤلاء هم رجال الإنقاذ ونحن الآن أمام البحر في الكافيتريا المرعبة التي أصررت أن تجلسي بها ...
جهاد : نعم ... نعم ... أنا أتذكر كل شيء ... لكن أشعر بصداع غريب ...
فرح : خذي بعض الماء ... وهيا بنا لننزل إلى الدور الأسفل... ... ؛؛؛جهاد .. تخيلي هذا تقريبا هو فنجان الشاي العجيب الذي أوصيتي عليه بالتأكيد بعد أن تركتك.. إنه لا يزال ساخنا ....
يقول أحد الحراس العجائز وهو يتنهد: كل عام في نفس اليوم تظهر فتاة في هذا المكان ...
- فرح : كل عام تظهر فتاة هنا ... ألم أقل لك يا جهاد ... حتى تصدقي إحساسي .. المكان كله مريب ...
- جهاد : لكنها مغامرة جميلة ... وهي تجربة لي ... سامحيني يا فرح ..
فرح : لا عليك يا جهاد ... هيا نعود إلى اللوكاندة .. وبعد أن تأكلي وتأخذي قسط وافر من النوم تقصين علي كل ما حدث لاعرف طبيعة المغامرة التي تتحدثين عنها ...
جهاد : بكل تأكيد يا فرح ...
