
*غياب الهوية الثقافية عند المراهقين*تُعدّ الهوية الثقافية حجر الأساس في بناء شخصية الإنسان، فهي الإطار الذي يعرّف الفرد بذاته، ويمنحه الإحساس بالانتماء والاستقرار النفسي والاجتماعي. غير أنّ مرحلة المراهقة، بما تحمله من تحولات نفسية وفكرية عميقة، أصبحت اليوم مسرحًا واضحًا لتشتّت الهوية الثقافية وغيابها، في ظل عالم متسارع ومتغيّر القيم.يعيش المراهق في زمن مفتوح على ثقافات متعددة، يتلقّى عبر وسائل التواصل الاجتماعي نماذج متناقضة للسلوك والنجاح والحياة. هذا التدفّق الهائل للأفكار والصور والأنماط الثقافية يجعله في حالة حيرة دائمة بين ما تربّى عليه داخل أسرته ومجتمعه، وما يُعرض عليه بوصفه “الأكثر حداثة” أو “الأكثر قبولًا”. ومع ضعف الحوار الأسري وغياب التوجيه الواعي، يجد المراهق نفسه ممزّقًا بين هويات متعدّدة لا ينتمي لأيٍّ منها بشكل كامل.ولا يقتصر غياب الهوية الثقافية على المظهر الخارجي أو اللغة أو السلوك فقط، بل يمتد ليطال القيم والمعتقدات وطريقة التفكير. فالمراهق الذي لا يمتلك مرجعية ثقافية واضحة يصبح أكثر عرضة للتقليد الأعمى، وأقل قدرة على التمييز بين ما يتوافق مع ثقافته وما يتناقض معها. وهنا يتحوّل البحث عن الذات إلى صراع داخلي قد ينعكس في صورة اغتراب، أو تمرد، أو شعور بعدم الانتماء.كما تسهم بعض المؤسسات الاجتماعية، دون قصد، في تعميق هذا التشتّت، حين تقدّم خطابًا مزدوجًا أو غير متّسق بين ما تقوله وما تمارسه. فالمراهق يلتقط التناقض بسرعة، ويُدرك الفجوة بين الشعارات والواقع، ما يدفعه إلى التشكيك في كل ما يُعرض عليه من قيم. وفي غياب قدوة حقيقية، تصبح الهوية الثقافية فكرة مجرّدة لا تجد طريقها إلى التطبيق.إن معالجة تشتّت الهوية الثقافية لدى المراهقين لا تكون بالمنع أو الرفض، بل بالحوار والفهم والاحتواء. فالمراهق لا يبحث عن أوامر، بل عن معنى، ولا يحتاج إلى قيود صارمة بقدر حاجته إلى نموذج يثق به. كما أن تعزيز الانتماء الثقافي لا يعني الانغلاق، بل القدرة على التفاعل الواعي مع الآخر دون الذوبان وفي الختام، يبقى بناء الهوية الثقافية للمراهق مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والمجتمع، تتطلّب وعيًا عميقًا بطبيعة هذه المرحلة الحسّاسة. فالمراهق الذي يُمنح جذورًا ثقافية ثابتة، سيكون أكثر قدرة على الانفتاح على العالم بثقة، وأكثر توازنًا في مواجهة تحدياته، وأقل عرضة للضياع في زحام الهويات المتداخلة.
بقلم:الباحثة والمرشدة الاجتماعية اليسار نهاد فستق