نافذة على السماء

كانت تجلس على شرفة غرفتها، تحدّق في السماء وكأنها تبحث عن ملامح قلبها بين النجوم. في عمرها، كل شيء يبدو أكبر من حجمه، كلمة صغيرة تتحول إلى وعد أبدي، ابتسامة عابرة تصبح بداية قصة والروح تتعلق بسرعة كأنها تخشى أن يفوتها قطار الحب. لكنها لم تكن تعرف أن الحياة ليست محطة واحدة، بل أوركسترا كاملة تنتظر أن تعزف هي لحنها الخاص. الحياة ليست مجرد انتظار، بل هي عزف مستمر، حتى وإن كان الحزن يملأ النغمات، فكل لحن يعزف مقطوعة من حياتك، وكل مقطوعة تحمل درسًا أو بصمة لا تُنسى.
الحب الأول و الخيبة الأولى
في المدرسة، كان هناك شاب يكتب لها كلمات صغيرة على الورق. ما أرق قلب الفتيات في ربيع العمر، إذ تصدّقن بسرعة، وتتشبثن بالكلمة كما تتشبث زهرة بالشمس. صدّقته، وتعلقت به لكنها اكتشفت أنه يخرق مبادئها، وأنه مجرد طفل غير واعٍ بثقل الكلمات. عامها السابع عشر ، وفي متجر عائلتها تحديداً، لم تكن تتوقع أن تقع في آفات القلب، لكنها وقعت. إنه 26 يونيو 2023، يوم عيد الأضحى، كانت شوارع المدينة تمتلئ بالضحك والفرح، ودخل هو… تلاقت العيون وسط الزحام. حكمت عليه من النظرة الأولى بالغرور، لكنها لم تعلم أن تلك النظرة ستفتح بابًا لقصة جديدة، قصة ستسكن قاع القلب. مرت سنة كاملة يلتقيان بنفس المتجر ولا تتفنن بشيء سوى النظر إلى عينيه التي يملؤها بريق الحياة ، وفي 6 سبتمبر، بادر هو بالكلام و الوعود . كانت هي الطرف الأكثر حبًا وصبرًا، تحمله في كل دعاء لها . قدّم وعودًا، ووعدته هي أيضًا من أجل ظروف معينة تقيدهما . كل شيء بدا جميلًا، لكن مع مرور الوقت، علّقها ربما تركها في فراغ عاطفي مؤلم لا تعلم، لكن الذي علمته أنه محفور بقلبها.في بداية القصة بدأ ربيعها الداخلي يزهر، لكن الخريف جاء سريعًا ليجرد أوراق شجرة الحب. انهارت وبكت كثيرًا، شعرت أن العالم كله انهار معها. ومع ذلك، كان هناك صوت داخلي يهمس: "هذه ليست النهاية، بل بداية لحن جديد."
هنا اقتنعت أن تحب نفسها أولًا، فهي تستحق. فبعد الخريف يأتي المطر للرحمة لكي يحيي كل غصن يبس، وبعد المطر شعلة ربيع صغيرة تلوّن الحياة من جديد. هذه الشعلة قد تكون بعيدة، لكنها موجودة، تنتظر أن تمد يدها إليها.
ضرورة وجود الشهادة الجامعية
كثيرون قالوا لها: "شهادتك هي التي تحدد نجاحك." لكنها بدأت تدرك أن هذه الفكرة ليست سوى قيد اجتماعي، يحصر النجاح في ورقة رسمية. النجاح الحقيقي يتجلّى في الإبداع، في الكتابة، في الفن، في مواجهة الحياة بوعي. رغم قسوة أحد أطراف عائلتها عليها وتحطيمه لها في ظل ظروفها، كانت تكمل الطريق، آملة برفق الرب بجانبها. كما قالت إحدى المعالجات النفسية في جلسة: "المجتمع يزرع فينا فكرة أن النجاح ورقة، لكن الحقيقة أن النجاح هو أثر يتركه الإنسان في قلوب الآخرين وفي ذاكرة العالم." هذه الكلمات كانت بمثابة نافذة جديدة، جعلتها تدرك أن النجاح ليس في الشهادة وحدها، بل في الأثر الذي تتركه، في القصة التي تكتبها، في الإلهام الذي تمنحه للآخرين.
الصدمة التي تصنع القوة
الصدمة العاطفية لم تكن نهاية، بل بداية جديدة. إنها جرح يفتح نافذة على القوة الداخلية، ويعلّم الفتاة أن لا تصدق أي وعد في هذه المرحلة، لأنه قد يكون صادرًا عن قلب غير واعٍ. من الطبيعي أن نضع أعذارًا لمن نحب لكن بالحد الذي لا يؤذينا. كما كتب باولو كويلو في رواية الخيميائي :
"إنك إذا رغبت بشيء، فإن الكون كله يتآمر لمساعدتك على تحقيقه."
لكن الكون لا يتآمر لتحقيق الأوهام، بل لتحقيق الأحلام التي تنبع من داخلك، من إصرارك على أن تكوني أقوى من أي ظرف. وهنا أدركت أن الألم ليس عدوًا، بل معلمًا. كل دمعة كانت درسًا، وكل انهيار كان خطوة نحو بناء جديد.
وعي جديد للفتيات
هذه المرحلة العمرية مليئة بالتبدلات الهرمونية للمشاعر، فتكون غير مستقرة. لذلك، من المهم أن تدرك الفتيات أن كل جرح سيجبر بإذن الله، وأن كل تجربة يجب أن تكون درسًا.
- لا تثقي بالوعود سريعًا، وإن لم يُوفَ بها، كوني أقوى، فالوعد الصادق للرجال .
- ركزي على بناء ذاتك: القراءة، الكتابة، الفن، الرياضة، أي نشاط يفتح لك أبوابًا جديدة.
- الشهادة الجامعية جميلة و تكسب خبرات جيدة للحياة ، لكن النجاح الحقيقي هو أن تتركي أثرًا وتلهمي الآخرين.
- كوني الشخص الذي تحلمين به، فأنتِ الكاتبة الأولى لقصتك.
هذه ليست مجرد نصائح، بل هي دعوة للوعي الجديد، دعوة لأن تكوني أنتِ القائدة لحياتك، لا أن تنتظري أحدًا ليصنعك.
خطوات عملية لتزهر حياتك
المراهقة ليست مجرد مشاعر متقلبة، بل هي فرصة لبناء أساس متين لشخصيتك. إليك بعض الخطوات التي تجعل هذه المرحلة نقطة انطلاق لا نقطة ضعف: - اكتبي يومياتك: الكتابة ليست مجرد هواية، بل وسيلة لفهم نفسك وتفريغ مشاعرك وطاقتك. كل كلمة تكتبينها هي مرآة لروحك، وكل صفحة هي خطوة نحو وعي أكبر بذاتك. - مارسي نشاطًا إبداعيًا: الرسم، الموسيقى، التصوير، الطبخ… أي نشاط يذكرك أن النجاح ليس محصورًا في الشهادة. - تعلمي مهارة جديدة: لغة، برمجة، أو مهارة يدوية تمنحك ثقة لا تهتز. - كوّني دائرة دعم: صديقات واعيات أو مجموعة قراءة تشجعك على أن تكوني أفضل نسخة منك. - مارسي الرياضة أو التأمل: الجسد والعقل وجهان لعملة واحدة، وكلاهما يحميك من الانهيار. - تطلعي لربك: بالدعاء وكلام الله الذي يبرد القلب، فهو العليم الحكيم الذي بلطفه راقت النفوس.
هذه الخطوات ليست مجرد قائمة، بل هي دعوة لتجربة الحياة بكل ألوانها، لتذكير نفسك أن النجاح ليس في ورقة، بل في أثر، في قصة، في لحن تعزفينه بنفسك.

أوركسترا الحياةالحياة ليست محطة واحدة، بل أوركسترا تنتظر أن تعزفي لحنك الخاص. كل تجربة، كل صدمة، كل خيبة، هي جزء من مقطوعة أكبر… مقطوعة اسمها أنتِ. لا تدعي أحدًا يسرق منك حقك في العزف، ولا تسمحي لخيبة أن توقف موسيقاك. فأنتِ اللحن، وأنتِ الأوركسترا، وأنتِ القصة التي تُكتب كل يوم.
#بيسان عبيد
دمت سالماً صديقي 🤍
عن الكاتب
Bissan Obaid
كاتب
اكتب لكي أحكي بلسان الحياة ،اكتب !فلعلك تحيي في الحياة نبضاً !.. بيسان عبيد.

