هذه الخاطرة للدكتور عثمان جيلان تمتاز بعمق فلسفي وإيماني رفيع؛ فهي يربط بين الظواهر الفسيولوجية (الولادة والنمو) وبين الحقائق الروحية (الطهارة والذنوب). الفكرة المركزية التي تربط "البكاء الأول" بـ "عناء الدنيا" ثم "فرح القلب" بـ "براءة الذمة" هي تحليل بارع يفسر سر الحنين الدائم الذي نسكنه ويسكننا لزمن الطفولة.

استهلال: الحنين إلى الابتسامة المفقودة
أخي القارئ.. قف معي لحظة صدق واسترجع شريط ذكرياتك؛ هل ما زلت تذكر تلك السعادة الغامرة التي كانت تملأ أركان قلبك في أيام الصبا؟ ذلك الفرح الذي لم يكن يحتاج لسبب، والسرور الذي كان ينبع من الداخل كشلال لا ينقطع؟ هل سألت نفسك يوماً: أين تبخرت تلك المشاعر؟ ولماذا استوطن الكدر مكاناً كان بالأمس مروجاً من البهجة؟
إذا كنت تتوق لأن يستعيد قلبك فطرته الطفولية ودهشته الأولى، فإليك هذه "الوصفة الروحية"؛ تأمل تفاصيلها، فربما كانت هي الجسر الذي يعبر بك من ضيق الكبر إلى اتساع الطفولة.
صرخة الميلاد: فاتحة المعاناة وبوابة الكبد
تبدأ حكاية الإنسان على هذه الأرض بصرخة مدوية؛ صرخة المولود السليم حين يطأ عالمنا. إنها صرخة الاحتجاج على الانتقال من "ملكوت الأمان" داخل الرحم، حيث الراحة المطلقة والسكينة التامة، إلى عالم "المكابدة والخوف".
هناك، في بطن الأم، كان الغذاء ينساب إليه بلا كدّ عبر "الحبل السري"، وكانت بيئته دافئة مستقرة. لكن بمجرد الخروج، تصدمه برودة الدنيا واختلاف هوائها، فيبكي معلناً بدء رحلة التكيف مع بيئة صبغها الله بصبغة "الكبد"؛ حيث لا بقاء بلا كفاح، ولا هواء بلا مجهود عضلي تشترك فيه الأضلاع صعوداً وهبوطاً. وما إن يهدأ روعه قليلاً، حتى يذوق طعم الألم الأول بقطع ذلك الحبل الذي كان شريان حياته، ليعلن القدر أن من الآن وصاعداً: كل نيلٍ بعناء، وكل عطاءٍ بتعب.
القلب الطفولي: جنة ما قبل الحساب
على الرغم من تعب الجسد، يولد الإنسان بقلبٍ هو قطعة من الفرح الصافي. انظر إلى الرضيع؛ تراه يقهقه ويضحك لأبسط إشارة، وكأنه يمتلك كنوز الدنيا. إنه يعيش حالة من البهجة الدائمة، لا يقطعها إلا طارئ من جوع أو وجع.
تستمر هذه "الجنة القلبية" طوال سنوات الطفولة؛ حيث ينسى الطفل الزمان والمكان، ويذوب في لحظات اللعب في الأزقة، وعلى الأسطح، وفي الساحات. سعادته نابعة من نقائه، لا من مقتنياته. إنها أيامٌ من النور الفطري، لكنها – ولحكمة الله – أيامٌ لها نهاية. فمع نمو الجسد، نقترب من خط التماس: مرحلة البلوغ.
نقطة التحول: حين يبدأ القلم بالمسير
عند البلوغ، يحدث التغير الكبير؛ يبدأ ذلك الشعور الفطري بالسعادة بالتضاؤل تدريجياً، ويأخذ القلب لوناً جديداً ومذاقاً مختلفاً. فما الذي حدث؟
إنه "جريان القلم". قبل البلوغ، كان القلم مرفوعاً، والقلب مرتعاً للبراءة. أما بعد البلوغ ، فقد بدأت المحاسبة، وبدأ تأثير "الذنوب" يتسلل إلى تلك المرآة الصافية.
كل خطيئة يرتكبها الإنسان تنكت في قلبه "نكتة سوداء"، ومع تراكم الأيام وتتابع الزلات، تتكاثر تلك النقاط حتى تحجب نور الفرح الفطري. هذا الران هو الذي يورث الضيق والكدر، ليس في الروح فحسب، بل يمتد أثره ليظهر على ملامح الوجه والجلد؛ فالمحسنون يفيض النور من قلوبهم على وجوههم، والمسيئون ترهق وجوههم ذلة كأنما أغشيت قطعاً من الليل مظلماً، كما صور القرآن الكريم في سورة يونس:
{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ...}، وفي المقابل: {وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ... تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِن عاصِمٍ...}.
القدوة والمنهج: شرح الصدر النبوي
لكي يعلمنا الله كيف نستعيد سعادة القلب، جعل لنا في رسول الله ﷺ أسوة حسنة. فقد شرح الله صدره، ووضع عنه "وزره" الذي أنقض ظهره، وعصمه ليبقى قلبه في حالة من السعادة والاتصال الدائم بالخالق.
في سورة الشرح، نجد المعادلة: {أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ}. إن التحرر من ثقل الذنوب (الأوزار) هو المفتاح الوحيد لانشراح الصدر. ومع أن الله غفر لنبيه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، إلا أنه أمره بـ "النصب" والرغبة إليه: {فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ}. فالسعادة الحقيقية تُنال بمداومة الإقبال على الله، والتبتل إليه في جوف الليل، ليبقى العبد قريباً من مصدر النور ومبدع الجمال.
خاتمة: عودة الروح لا عودة الزمان
أخي القارئ.. كلنا يحنّ إلى تلك الأيام الخالية، قبل أن تثقلنا الشهوات وتكبلنا الذنوب. ورغم أن عودة الزمان مستحيلة، وعودة الجسد إلى الطفولة ممتنعة، إلا أن "عودة القلب" ممكنة.
إن الطريق لترميم سعادتك الطفولية يبدأ بتطهير القلب من تلك النقاط السوداء بالتوبة والاستغفار، والرغبة الصادقة فيما عند الله. فإذا تحلل القلب من أوزاره، عاد إليه انشراحه، وذاق في كبره طعم الفرح الذي كان يذوقه في صغره.. ولكن بمذاق "اليقين" هذه المرة.
بقلم: د. عثمان جيلان