في صعيد مصر، هناك بعض الطقوسٌ الخاصة التي ترتبط بالموت، توارثناها نحن الصعايدة من الجدود عبر الزمن ، جيلا بعد جيل .. وقد يمتد بعض تلك الطقوس إلى زمن المصريين القدماء مثلها مثل بعض مفردات اللغة و العادات التي مازال بعضها حاضرا في الممارسات اليومية هناك.
ومن طقوس الموت الشهيرة في الصعيد مهنة «المعدِّدة»، التي قاربت على الانقراض، ولذلك وجب علينا الحديث عنها لتوثيقها.
المعدِّدة في الصعيد هي امرأة، إمّا أن تكون من أهل الميت، أو يتم استئجارها أثناء الجنازة. وتكون مهمتها «تعديد» صفات الميت الحسنة، عن طريق نَوْحٍ مُنغَّم لأشعارٍ محفوظةٍ سلفًا في مدحه، مع ارتجال بعض الأبيات أيضًا وفقًا لما يقتضيه الموقف. وتفعل ذلك وهي تكشف عن رأسها، وتمسك بحجابها تحرّكه من وراء رأسها يمينًا ويسارًا، مع حركة جسدها بالكامل، وتقوم بلطم وجهها بين الحين والآخر.
وتكون المعدِّدة مرتديةً السواد بالكامل بطبيعة الحال، وتحضر فقط جنازات النساء في أحواش البيوت. وتكون واحدة أو أكثر، بحسب قدر الميت أوالحالة المادية لأهل المتوفّى. وتبدأ بذكر الله والاستغفار في الصباح، ثم تظلّ تُنشد الأشعار الحزينة حتى أذان الظهر، لمدة سبعة أيام، ثم تنقطع أيام العزاء بعد الأسبوع الأول، فيما يُعرف بـ«فكّ السبوع»، وينتهي الحداد. وتستمر فترة الراحة حتى يوم الأربعين، وهو مرور أربعين يومًا على وفاة الميت، حيث تُستعاد الطقوس مرة أخرى.
وتتحدد مهارة المعدِّدة بمقدار ما تحفظه من أبياتٍ شعرية رثائية مستمدة من التراث والفولكلور، كما يجب أن تكون صاحبة صوتٍ قويٍّ وحاضرةَ الذهن، حتى تستطيع الارتجال وإلهاب مشاعر الحضور. فمثلًا، من الجمل التي تنوح بها إذا كان المتوفّى رجلًا:
«واه غالييييي... يا اللي كنت سندي!» أو: «يا نايم في التراب الغوالي، يا طيب الأصل والفعالي!» أو تقول: «يا دود، كُلْ منه وخَلِّي لي... خَلِّي كِتف السبع يحميني.»
وإذا كانت المتوفاة فتاةً، تغني المعدِّدة أشعارًا تمدح جمالها وشبابها، مثل:
«يا قبر، جايلك عروسة، محنية الكفوف والكعب!» أو تقول: «مال البِنيّة نعشها مايل، ملهاش ولد بين الرجال شايل.»
وللمعدِّدة وجبةٌ عادةً في فترة راحةٍ قصيرة، تكون عبارة عن فولٍ أو بيض، وينبغي أن يكون الطعام بسيطًا وغير متكلَّف، حتى يناسب أجواء الحزن. وتأخذ أجرها بعد مرور الأربعين، ويكون إمّا مبلغًا ماليًا، أو خزينًا من موادّ مثل الشاي والسكر والسمن واللحوم، حسب ما يجود به أهل الميت، إذ يعتبرونه زكاةً وصدقةً على روحه.
ولا يتم استئجار المعدِّدة بناءً على طلبٍ مباشر من أهل المتوفّى، بل هي تتطوّع بنفسها عند علمها بالعزاء، وتذهب من تلقاء نفسها لتؤدي وظيفتها في إلهاب مشاعر المعزِّيات.
وقد حرّمت الشريعة الإسلامية تلك الممارسات ورفضتها، ففي الحديث عن رسول الله ﷺ:
«ليس منّا من لطم الخدود وشقّ الجيوب.»
ولذلك، ومع ازدياد الوعي والتطوّر الهائل في المدنية والحضارة، بدأت تلك الطقوس تخفت عامًا بعد عام.
وما مهنةُ المعدِّدةِ إلا ترجمةٌ لطقوسِ الحزن، تُعينُ أهلَ الميتِ على التعبير عن مشاعرهم. وهي مهنةٌ شعبيةٌ اختُلِقَت لفهمِ طبيعةِ الموت، ومحاولةِ التعايشِ معه، ولومِه؛ ففي معظم الأشعارِ نجدُ شتائمَ ونقدًا للموتِ الذي اختطفَ المتوفّى مبكرًا.
إنها مهنة الغناء في وجه الموت... من أجل استمرار الحياة!

عن الكاتب
Mohamed Kotb
كاتب حر
محمد قطب هو كاتب مصري مولود عام ١٩٩٠ و تخرج في كلية الألسن جامعة عين شمس قسم أللغة الأسبانية و آدابها ، يعيش ويعمل حاليا في الخليج العربي و له بعض القصص و المقالات المنشورة في الصحف المصرية مثل جريدة روز اليوسف و مجموعة قصصية تحت الطبع بعنوان ( الحاجات الضايعة ) .

