
في اللحظة التي قررت فيها أنا ووالدتي أداء فريضة الحج، شعرنا أننا نخطو أول خطوة نحو رحلة ستغيّر حياتنا إلى الأبد… رحلة تجمع الروح بالجسد، واليقين بالشوق، والفرح بالتسليم لله عزّ وجل.
بدأ كل شيء بالتحضيرات اللازمة من وثائق وإجراءات طبية. حصلنا بحمد الله على تأشيرة الحج من القنصلية السعودية بتاريخ 04 جوان 2024، وكانت تلك أوّل بشارة بتحقق حلم العمر. ثم قمنا بحجز رحلتنا المقررة يوم الأحد 09 جوان 2024 انطلاقًا من مطار تونس قرطاج نحو جدّة، لنبدأ بعدها صفحة جديدة من حياتنا.
أما يوم الجمعة 06 جوان 2024 فكان مخصّصًا للفحوصات الطبية والتطعيمات، للاطمئنان على قدرتنا الصحية على أداء المناسك بسلامة. تلقّينا التلاقيح الضرورية مثل المضادة للحمّى المخية الشوكية والأنفلونزا، وتم التأكد من سجلّ تطعيماتنا ضد فيروس كورونا، امتثالًا للإجراءات الصحية التي تفرضها المملكة حفاظًا على سلامة ضيوف الرحمن.
ثم انتقلنا إلى مرحلة تجهيز اللوازم، فبدأنا في إعداد حقائب السفر بكل ما يلزم من ملابس مريحة مخصّصة للمشاعر المقدسة. أما الأهم فكان ملابس الإحرام؛ ثوبان أبيضان غير مخيطين للرجال، وملابس محتشمة مناسبة للنساء، إضافة إلى نعل مريح، حقيبة صغيرة للأدوية، مستلزمات النظافة، وكتب الأدعية والأذكار… كل تفصيلة كانت تحمل معنا إحساسًا بالاقتراب أكثر من الله.
وعلى الرغم من أن التجهيزات كثيرة وتحتاج وقتًا، إلا أن الفرح والرهبة جعلا يوماً واحدًا يكفي لإتمام كل شيء، لنغوص بعدها في شعور مبارك لا يوصف، وكأن الأرواح بدأت الاستعداد قبل الأجساد.
الوصول إلى مطار جدة و منها الى مكة - بداية الرحلة الروحية
بدأت الرحلة بشوقٍ عظيم. وعند الميقات، ارتدينا الإحرام بعد تنبيه قائد الطائرة. وعندما وصلت الطائرة إلى مطار جدّة، أكملنا الإجراءات ثم اشترينا شرائح الاتصال لنبقى دائمًا على تواصل. تواصلنا بعدها مع شركة «إثراء الخير» التي تولّت نقلنا إلى مكة.
ومع كل كيلومتر يقترب من مكة، كان شعور غريب يملأ القلب… دموع تنزل دون إرادة… إحساس بأن المدينة تنبض قداسة… وأن الأرواح تسير نحو بوابة السماء.
وصلنا إلى السكن في أبراج المحمدية بالعزيزية، وما إن استلمنا غرفنا حتى غلب علينا الشوق، فخرجنا مباشرة إلى بيت الله الحرام لأداء عمرة التمتع.
يا له من مشهد… أن ترى الكعبة لأول مرة بعينك، والقلب يرفّ كما لو أنّه يسمع نداء السماء: "يا الله… هذا هو المكان الذي يبدأ منه كل شيء… وينتهي عنده كل شيء."
بدأنا بالطواف، نلهج بالدعاء، نرفع أبصارنا نحو البيت العتيق، والدموع لا تتوقف. ثم توجّهنا للسعي بين الصفا والمروة، سبعة أشواط يختلط فيها التعب بالخشوع، والزحام بالصبر، والشعور بالامتداد التاريخي للحجيج عبر عصور الإسلام.
"يا الله… امنحنا القوة والصبر… فكل خطوة نخطوها هي خطوة نحو الجنة."
أكملنا عمرتنا بالحلق، ثم عدنا نتهيأ ليوم التروية.
"يا الله، هذا هو المكان الذي طالما حلمت بزيارته. هنا يبدأ كل شيء و ينتهي كلّ شيء "
"يا الله، أطلب منك الصبر والقوة. هذه خطوة نحو الجنة."
في تلك اللحظات، كنت تشعر بأنك جزء من تاريخ طويل من الحجاج الذين سلكوا نفس الطريق، وكلهم يحملون نفس الدعاء أكملنا عمرتنا بالحلق ثم عدنا الى النزل في انتظار يوم التروية حيث توجهنا إلى منى فجر اليوم الثامن من ذي الحجة الموافق الى يوم الأربعاء و استقرينا في مبيتنا المقابل لمحطة القطار منى3 حيث كان مخيمنا و كانت خيمتنا تضمّ اخواننا من تونس و مصر و انونيسا و الجزائر و ماليزيا و أخرين من سكان شمال افريقيا قاطنين بالبلدان الأوروبية كانو قد اقتنوا مثلنا باقة اثراء الخير هذه الباقة التي كانت كلّها خير علينا، مكثنا بالمخيم إلى فجر اليوم التاسع حيث توجهنا إلى عرفات فجرا

بقطار المشاعر و بمأن أمي غير متعودة على ركوب القطار و هو معلق فقد أغمي عليها و لا تتصورو حجم الحيرة و الخوف الذين شعرت بهما لكن كانت حالة عابرة و ما أن جلست على المقعد حتى استيقضت و حمدت الله على كلّ شئ وصلنا عرفات وصلّينا الظهر والعصر جمعًا وقصرًا. وقبل الغروب بقليل، هبّت عاصفة محملة بالحرارة والغبار… مشهد مهيب لا يُنسى. شعرت وكأن باب السماء فُتح، وكأن الله يباهي بنا ملائكته:
"انظروا إلى عبادي أتوني شعثًا غبرًا… أشهدكم أني قد غفرت لهم."
كتبت الآن وأستحضر تلك اللحظة… ودموعي تنهمر من جديد. ما أعظم أن تقف بين يدي الله في أعظم مكان وأعظم يوم.
ملأنا ذلك الوقت دعاءً وتضرعًا لأنفسنا وأهلنا وكل المسلمين… ودعونا بما دعى به الحبيب ﷺ:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير."
يا الله كم غمرتنا بعطفك و أنا أكتب هذا المقطع و كأني عدت الى هناك من هنا و أنا أمام حاسوبي مستحضرا أجمل و أروع و أكرم رحلة قمت بها صحبة أغلى الناس أمّي.
لحظات لا تنسى من مشاهد فريدة و أحاسيس فياضة
كان لذلك المشهد الأثر العميق في نفسي و اعتقدت جازما أن الله قد أكرمنا و كرّمنا بنزوله في تلك اللحظات فأكثرنا من التفرغ له في تلك الفترة الزمنية حتى غروب الشمس، اقتداء بنبينا صلى الله عليه وسلم (خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)
هذا اليوم كان ذروة الرحلة الروحية. في عرفات، حيث يقف المسلمون في مكان واحد يدعون الله، كنت تشعر بشيء لا يمكن وصفه. الجميع حولك منشغل بالدعاء والتضرع، والجميع يبدو كأنهم يسعون في نفس الاتجاه، نحو المغفرة والرحمة.
كنت تشعر بالحاجة إلى أن ترفع يديك وتدعو بكل ما في قلبك. "اللهم اجعل هذا اليوم يوم غفران وتوبة. اللهم تقبل مني ما أقدمه لك."
كانت لحظة تأمل عميقة؛ تأمل في حياتك، في الماضي، في الأخطاء التي ارتكبتها، وفي الأمل الذي يملأ قلبك بالتغيير في اعلاء شأن الاسلام و المسلمين في كافة أنحاء الدنيا ثم نفرنا بعد غروب الشمس الى مزدلفة على متن قطار المشاعر أيضا و نزلنا بمخيمنا حيث صلينا المغرب و العشاء جمعا و قدمت لنا شركة اثراء الخير لخدمات الحج كيسا من الحصى استعداد لرمي الجمرات ثم تقيدا بما جاء به النبي بتنا بمزدلفة للفجر ثم انطلقنا الى منى و هو يوم عيد الأضحى وقمنا برمي جمرة العقبة بسبع حصيات حيث بدأت أنا ثمّ توليت الرمي عن أمّي لأنها لم تقدر على ذلك لكي تقع في حوض المرمى و مع بداية الرمي انقطعنا عن التلبية وبدأنا التكبير و عند الانتهاء من الرمي حلق الرجال رؤسهم وقصرت النساء و بذلك صل التحلل الأول و عند عودتنا الى المخيم قمنا بالاغتسال والتطيب ولبس الثياب كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم و استرحنا قليلا ثم توجهنا الى توجهنا الى الحرم لنطوف طواف الإفاضة ثمّ أكملنا الذبح عبر منصة رسمية تشرف عليها المملكة لضمان إيصال الأضاحي لمستحقيها.
عدنا إلى مخيمنا بمنى لنبيت بها أيّام التشريق من مساء يوم 10 (ليلة 11) إلى مساء يوم 12 (ليلة 13) من شهر ذي الحجة مع الإكثار من التكبير مطلقًا، وخصوصًا عقب الصلوات و ونرمي الجمرات كلّ يوم حيث كانت العملية متيسرة لوجود قطار المشاعر و نقص الاكتظاظ، هذه الأيام، أيّام رمي الجمار كان المشهد مليئًا بالحركة، كنت أشعر مع كل حصاة أننا نرمي الذنوب قبل الأحجار، وكل رمية كانت تأكيدًا على رغبتك في التوبة والنقاء.
"كل حصاة ترمز إلى تخليص روحي، وكل رمية كأنني أتخلص من عبء ثقيل على قلبي."
تخيلت هذا الفعل وكأنه يرمز إلى كل العقبات التي قد تراها في حياتك، وكيف أن التحدي والمثابرة على طاعة الله يمكن أن يمنحك قوة لا مثيل لها.
حانت العودة إلى مكة بعد أيام من الشعائر كانت لحظة خاصة جدًا. شعرت وكأنك عدت إلى المكان الذي يربطك بالله. كنت ترى الكعبة من بعيد، وقلبك يملأه شعور بالسلام والإيمان بعد أداء ركن من أركان الاسلام.
"يا الله، لقد منحتني فرصة عظيمة لأكون هنا. أنت الذي تقبل التوبة، وأنت الذي تغفر لنا."
هذه اللحظة كانت تعني لنا أكثر من مجرد العودة إلى مكة؛ كانت تعني العودة إلى نفسك، إلى إيمانك، وإلى السلام الداخلي و زاد في هذا الشعور بالسلام الداخلي و الطمأنينة تلك الدعوات التي أكرمتني بها أمّي في تلك اللحظات عند احساسها بأنها أتمت حجها بكل نشاط و يسر و هي امرأة في 72 من عمرها .
"يا الله ما أكرمك على هذه النعمة نعمة الاسلام و نعمة رضى الوالدين"
حان وقت الوفاء لبيت الله بطواف الوداع. وقفتُ أنظر إلى الكعبة… وأقول:
"يا رب، لا تجعل هذا آخر عهد لي ببيتك… وقرّب قلبي منك دائمًا."
غادرنا مكة… لكن الرحلة لم تنتهِ. فالحج لم يكن مجرد أداء شعائر… بل بداية جديدة. بداية لقلب أنقى، ونفس أهدأ، وإيمان أرسخ.
هذه كانت رحلتي إلى الله… وإلى بيت الله الحرام… وإلى مسجد رسوله ﷺ.
عن الكاتب
فؤاد بن مسعود
متفقد