الغرفة الثالثة.

لعبة العداء الوهمي
نهضتُ هذا الصباح لأجد القطّ يجلس على كرسيّي المفضّل، والفأر يقرأ جريدتي.
لم أشعر بأيّ دهشة، فقد اعتدت أن أرى الموازين تنقلب دون أن أكون طرفًا في إعادتها.
ومع ذلك ظلّ القطّ يبتسم ابتسامة لا تتّسع إلّا لأنيابه، وظلّ الفأر يطوي الصفحات وكأنّه ينتظر إشارة من جهة أعلى.
كنت أعرف أنّ كلًّا منهما يمثّل دورًا تمّ الاتفاق عليه قبل أن أستيقظ، وأنّ ما يجمعهما ليس الكراهية كما تعوّدت أن أسمع منذ طفولتي، بل عقد مكتوب بحبر لا يمحوه الزمن، يفرض عليهما أن يتظاهرا بعداء أبدي أمامي وأمام كلّ من يراقب، بينما يقتسمان في الليل بقايا الخبز القادم من مخازن لا تنضب.
وكان القطّ يمدّ مخالبه إلى جيبه السرّي ويُخرج قطع الجبن ويضعها أمام الفأر.
الفأر يلتهمها بنهم ثم يختفي ساعات، ليعود وآثار القضمات واضحة على جدران الغرف المجاورة التي كانت يومًا متماسكة، لكنها الآن مليئة بالثقوب والفراغات.
وكنت أراقب وأعرف أنّ هذه الجدران ليست جدرانًا، بل حدودًا بين بيوت كثيرة اعتدنا أن نسمّيها بأسماء طويلة وصاخبة، لكن أسماءها لم تعد تُذكر إلّا في نشرات الأخبار.
وكان القطّ يعرف تمامًا أنّ الفأر لن يشبع، وكان الفأر يعرف تمامًا أنّ القطّ لن يمنعه من النهم، لأنّ الخراب نفسه جزء من الخطة.
كنت أفكّر أن التاريخ ليس سوى مسرح بلا جمهور، وأنّ كلّ ما يحدث فيه قد كُتب لينسى.
لكن القطّ كان يرمقني بعينين تقولان: إنك إذا فهمت اللعبة ستُطرد منها.
والفأر كان يقرأ بصوت عالٍ فقرة عن الحرب الضرورية، وكأنّها وصفة طبية صادرة من طبيب بعيد لا يعرفنا إلّا من صورنا القديمة.
أدركت حينها أنّني لست سوى أحد الممثلين الذين فقدوا نصوصهم، وأنّ دوري ربما كان مجرد التصفيق بعد كل مطاردة مصطنعة، وكل قفزة محسوبة، وكل فشل مخطَّط له.
ومع ذلك بقيت جالسًا أراقب القطّ وهو يلعق مخالبه، والفأر وهو يعيد الجريدة إلى مكانها.
ثم يسيران معًا نحو الباب الخلفي دون أن يلتفتا، تاركَيْنني في غرفة خالية إلّا من كرسيّ لا أحد يجلس عليه، وجريدة لم يعد فيها ما يستحق القراءة.
لكن الغرفة لم تكن خالية فعلًا.
كانت ممتلئة بروائح الصفقات التي لم تُعلن، وأصوات الخطوات التي لم تصل، والأوامر التي لم تُعطَ علنًا.
وكانت الجدران تقترب وكأنّها تريد أن تختبر قدرتي على الاختناق دون أن أختنق.
أدركت أنّ القطّ والفأر لم يكونا عدوّين بل شريكين.
وأنّ الفأر لم يكن ينهش الجدران لأنّه جائع، بل لأنّه يعرف أنّ الجوع الحقيقي هو جوع الخراب نفسه.
الغرفة لم تعد غرفة.
أصبحت مسرحًا صغيرًا بلا جمهور، وبلا مخرج، وبلا نهاية مكتوبة.
وكلّ ما كنت أظنّه حرية كان ممرًا ضيّقًا إلى كرسيّ لا يتغيّر وجريدة لا تُحدَّث.
وكنت أعيش في مشهد واحد يُعاد بلا توقّف، بينما تتغيّر الأسماء والأدوار والوجوه ولا يتغيّر النص.
حتى لاحظت أن الباب الخلفي الذي خرجا منه لم يكن يؤدّي إلى الخارج، بل إلى الغرفة نفسها.
كانا يعودان في كلّ مرّة من الجهة المقابلة، ليجلس القطّ على الكرسي ويمسك الفأر الجريدة، ويبدأ كل شيء من جديد.
وأنا أراقب وأظنّ أنّني أرى للمرّة الأولى.
وفي اللحظة التي فهمت فيها أنّ اللعبة لن تنتهي، وأنّ العداء لم يكن مزيّفًا بينهما فحسب، بل بيني وبين حياتي كلها، سمعت تصفيقًا هائلًا يأتي من العدم.
اكتشفت أنني كنت الجمهور أيضًا.