هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

غلاء خرفان العيد.. و مضيق هرمز .. مقالة ساخرة

خروف العيد ومضيق هرمز… عندما يصبح الكبش ضحية الجغرافيا السياسية

في كل سنة يقترب فيها عيد الأضحى، يدخل المواطن العربي في حالة طوارئ اقتصادية ونفسية، فيبدأ بزيارة أسواق الخرفان كما يزور خبراء البورصة أسواق الأسهم، ينظر إلى الخرفان من بعيد، يتنهّد، ثم يسأل البائع ذلك السؤال التاريخي الذي يعرف إجابته مسبقًا: “بقدّاش هذا؟” فيجيبه البائع بسعر يجعله يشعر أن الخروف درس في جامعة هارفارد الأمريكية ويتقاضى راتبًا باليورو و يعلف جوز الهند و الفزدق بدل التبن و الشعير.

لكن هذا العام، لم يعد غلاء الخرفان مرتبطًا فقط بالأعلاف والجفاف وارتفاع النقل، بل دخل على الخط لاعب دولي خطير: مضيق هرمز. نعم، ذلك المضيق البحري الذي يمرّ منه النفط العالمي أصبح فجأة مسؤولًا ـ بطريقة سحرية ـ عن ثمن الكبش الذي يقف أمامك ويأكل الشعير بكل ثقة في النفس.

فإذا سألت أحد التجار: “لماذا الخروف غالي هكّا؟”، سيعتدل في جلسته، وينظر إليك نظرة خبير استراتيجي في العلاقات الدولية، ثم يقول: “يا أخي الوضع العالمي… ومضيق هرمز موش مستقر.”

فتشعر للحظة أنك لست في سوق دواب، بل في اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي .

أصبح المواطن العربي يسمع وهو في سوق الأغنام كلمات مثل “التوتر الإقليمي” و“حركة الملاحة البحرية” و“أسعار الطاقة” أكثر مما يسمع “السلام عليكم ”. حتى الخروف نفسه يبدو وكأنه يتابع نشرات الأخبار. تقترب منه فتجده صامتًا بحكمة، كأنه يعرف أن مصيره مرتبط بسعر برميل النفط و الحرب الروسية الاكرانية و الصواريخ الفرط صوتية .

وفي الحقيقة، لا أحد يفهم كيف انتقل تأثير مضيق هرمز من ناقلات النفط إلى زريبة الاغنام المحلية. فالمواطن البسيط يتساءل ببراءة: “هل الخروف جاء سباحة من مضيق هرمز ؟ هل كان على متن ناقلة بترول؟ هل الكبش عنده أسهم مع الدول المنتجة للنفط أوبك؟”

لكن عبقرية بعض التجار لا حدود لها. فإذا ارتفع النفط قالوا: النقل غلا. وإذا انخفض النفط قالوا: السوق مضطرب. وإذا نزل المطر قالوا: الرطوبة أثّرت على الأعلاف. وإذا جاء الجفاف قالوا: العشب مات. وفي النهاية يبقى الخروف ثابتًا في مكانه، بينما السعر وحده يركض أسرع من صاروخ بالستي.

المضحك أن المواطن أصبح يربط بين الأخبار العالمية وحياته اليومية بطريقة عجيبة. فإذا سمع في التلفاز خبرًا عن توتر قرب مضيق هرمز، أمسك رأسه مباشرة وقال: “راح الكبش.” لم يعد يخاف على الاقتصاد العالمي ولا على استقرار الطاقة، بل على “خروف العيد”.

أما الأطفال فقد فقدوا براءة العيد القديمة. زمان كانوا يسألون: “بابا متى سنشتري الخروف؟” أما اليوم فيسألون: “بابا هل أمريكا وإيران تصالحوا؟” لأنهم فهموا أن مصير الأضحية صار مرتبطًا بالدبلوماسية الدولية بين ترامب و النتنياهو و الحرس الثوري أكثر من ارتباطه بالقرط و التبن و غيرها من الاعلاف .

حتى الخروف نفسه تغيّر. لم يعد ذلك الحيوان البسيط الذي يرعى في الجبل، بل صار يتصرف كأنه شخصية مهمة. ينظر إلى الناس باستعلاء، وكأنه يقول: “إذا أردتموني فعليكم أولًا حل الأزمة الجيوسياسية.” وبعض الخرفان أصبحت تمشي بثقة زائدة، لأنها تعرف أن صاحبها سيعلّق سعرها على شماعة مضيق هرمز مهما كان السبب الحقيقي.

وفي المقاهي العربية، تحوّل الجميع إلى محللين استراتيجيين. تجد رجلًا لم يفتح كتاب جغرافيا منذ الثمانينات يشرح لك بخطورة: “إذا أُغلق المضيق سيرتفع سعر الكباش 30%.” فتسأله عن العلاقة، فيشرب قهوته بهدوء ويقول: “كل شيء مرتبط ببعضه.” وهي الجملة السحرية التي تنهي أي نقاش اقتصادي لا يفهمه أحد.

وفي النهاية، يكتشف المواطن أن الخروف لم يعد مجرد أضحية، بل مشروع استثماري طويل المدى. بعض العائلات أصبحت تفكر في أخذ قرض بنكي لشراء كبش، وربما قريبًا ستظهر تطبيقات تقسيط الأضاحي: “ادفع مقدّمًا والباقي بعد العيد بدون فوائد… إذا استقر الوضع في مضيق هرمز.”

وهكذا يبقى المواطن العربي واقفًا أمام الخروف، ينظر إليه بحزن، بينما ينظر الخروف إليه بثقة المنتصر، وفي الخلفية محلل سياسي على التلفاز يتحدث عن أمن الملاحة الدولية… وكأن مستقبل البشرية متوقف فعلًا على ذلك الكبش الذي يأكل قشور البطيخ في زاوية السوق.