
أحيانا ليس كل صمت رضا وليس كل هدوء راحة ،فأحيانا يكون وراء الصمت جبال من الرغبات والتساؤلات والاحباطات والأحلام الخفية.
هكذا كانت التلميذة أماني ، هادئة مؤدبة في عينيها بريق طفولي ، وفي وجهها جمال صادق لا يحتاج الى تزيين ، إلا أن الخجل كان عائقا كبيرا في حياتها ، فلا ترفع صوتها ولا تطلب حقها كما يفعل الآخرون ، البعض يعتبر هذا ضعفا وآخرون يعتبرون هذطا بلادة منها ، والقليل ممن صادقها اكتشف قلبا طيبا لا يعرف الأذى.
صعوباتها و معاناتها :
لم تكن أماني تلميذة سريعة الفهم في القسم ، فقد كانت تجد صعوبة في استيعاب كل مايقوله الأستاذ ، وتذكر كل المعلومات الجديدة التي يقدمها ، فقد كانت المعلومات والأسئلة تتزاحم في رأسها مسببة ضغطا على عقلها ، ولم تجرأ ولا مرة أن تطرح سؤالا على أساتذتها خوفا من الاحراج.
جهودها ومثابرتها :
في بيتها خلف جدران غرفتها كانت أماني تقضي ساعات طوال مع دفاترها وواجباتها تعيد قراءة الدروس ، تحفظ وتكرر وتحاول مطولا حل واجب من واجباتها ، هذا إذا كان صحيحا ، فأحيانا تعجز عن ايجاد الجلول ، لكن هذا الاجتهاد لم يظهر في نتائجها فمعدلاتها متوسطة ، لكنها كانت تعلم أن هذه المعدلات كانت نتيجة سهر ومحاولات متواصلة .
نظرة الاخرين لها :
1ـ أهلها :
رغم جهودها وسهرها محاولة مواكبية زملائها ، إلا أن أهلها لم يقتنعوا بكل هذا ، بل كانوا يقيسون الأمر بالأرقام فقط ، يسألون عن المعدل ، فإذا لم يرضهم سارع بعضهم الى وصفها بالغبية . هي كلمة واحدة ، لكن تأثيرها يمزق قلبها ، ويزرع في داخلها شعورا بالعجز .
لم ترد عليهم ولا مرة ، فلا هي تملك صوتا تدافع به عن نفسها وترد الأذى ، ولا جرأة لاخراج هذا الصوت المتمرد، كل ما كانت تملكه دمعة صامتة تسقط كلما صدمها أحدهم بتعليق ما .
2ـ زملاؤها :
كانت أماني جميلة وحالتها المادية جيدة ، فملابسها أنيقة ومرتبة ، الامر الذي جعل بعض التلاميذ يغارون منها ، كانوا يحسدونها على ما تملك ويظنون أن كل شيء متاح لها ، فكيف لثقيلة الفهم أو البليدة أن تملك هذا الجمال وهذا المال، فهم أحق بامتلاك هذه الأمور ، لذلك أغلبهم لم يستطع مصادقتها لما يجول في خواطرهم من هذه الافكار الحاقدة .
3ـ أساتذتها :
بالنسبة لأساتذة أماني ، فقد كانوا مرآة لواقعها ، بعضهم حكم عليها منذ البداية بأنها فاشلة ، وضعيفة دراسيا كونها لم تستطع أن تواكب أفكارهم وتعلماتهم ، فتجاهلوها ولم يعطوها وقتا أو جهدا لمساعدة نفسها ، بل جعلوا منها مثالا عن التهاون وسخروا منها أمام زملائها ، فزاد ذلك من عزلتها وصمتها وانغلاقها وسط أصابع الاتهام والسخرية .
أما البعض الآخر فكان نعم المداوي لجراحها ، أحب هؤلاء هدوءها واحتضنوا ضعفها وشجعوها وبحثوا عن نقاط قوتها ودعموها ، واعطوا لها نصيبها من الوقت لتفهم وتجيب وتحاول حتى وإن أخطأت ، وكانت النتيجة أن علامتها في موادهم أفضل فقد كانت تنتظر حصصهم التي تمثل متنفسا لها ، أخيرا عثرت على قلوب وعقول لم تحكم عليها .
4ـ أمها :
مع كل هذا ، لم تكن أماني وحيدة تماما ، فقد كانت لها أم مختلفة ، صبورة وداعمة لها على الدوام ، كانت ترى فيها ما لا يراه الآخرون ، فحين رأت أن ابنتها تريد التيير ، تريد النجاح ، أصبحت تشرح لها الدروس التي استعصت عليها وتعيد عليها الأمر مرارا بلا ضجر وتبسط لها المفاهيم ، كانت تقول لها دائما : أنت لست غبية ، أنت فقط تحتاجين وقتا لتصور السؤال وفهمه ، أنا أثق فيك .
كانت هذه الأم تحاول إعادة بنائها من جديد ، إعادة إحياء الثقة فيها.
الخاتمة :
كبرت الفتاة على هذا الواقع بين قسوة المحيطين بها وسخرية الآخرين منها ، وبين دفء أمها وتشجيع أساتذتها ، وحب زميلاتها اللائي يعدين على الأصابع .
لم تكن تريد أن تكون الأولى على قسمها ، ولم تكن تريد أن تتحدى أو تنافس أحدا ولا أن تثبت للآخرين شيئا ، كانت تريد أن تعيش في سلام فقط ، لكن رغم ذلك كانت متسلحة بأمل تحقيق طموحاتها .
مع مرور السنوات أدركت أن كل خطوة مشتها وكل مرحلة حققتها من دون صراخ ومن دون كلام هي الصرخة في وجوه هؤلاء الذين صعبوا عليها طفولتها وخطموا فرحتها وكسروا ابتسامتها .
كل انجاز حققته في حياتها هو هزيمة لهؤلاء الذين ظنوا أنها لاتنفع لشيء ، وأمثلة أماني كثيرة في الحياة.
الارادة هي التي تصنع الطريق ، حتى وإن كانت الامكانيات لا تكفي لعبور خطوة . غاندي