شوارع حي مصر القديمة: ملتقى الحضارات والأديان
حي مصر القديمة ليس مجرد جزء من العاصمة ، بل هو نسيج متراكم من التاريخ، يضم أقدم المعالم الحية في البلاد بعد الأهرامات.
إنه الموقع الذي شهد ولادة القاهرة الحقيقية، حيث نشأت مدينة الفسطاط الإسلامية، وازدهرت المنطقة التي تُعرف اليوم بـ "مصر القبطية". تتميز شوارع هذا الحي بطابع خاص يختلف عن شوارع القاهرة الفاطمية أو الخديوية، إذ تحمل بصمات الرومان والقبط الأوائل.
1. قصر الشمع وشارع الكنائس المعلقة (قلب مصر القبطية)
يُعدّ الجزء الأبرز في حي مصر القديمة هو منطقة الكنائس القبطية، وهي محصورة داخل أسوار حصن بابليون الروماني القديم. شوارع هذه المنطقة تتميز بالتالي: الضيق والروحانية: الشوارع هنا ضيقة جداً ومحاطة بجدران حجرية سميكة، مما يمنحها إحساساً بالهدوء والروحانية. إنها ممرات تقود الزائر مباشرة إلى حقبة القرون الأولى للمسيحية. حصن بابليون: الأسوار الضخمة للحصن الروماني ، المعروف باسم "قصر الشمع"، تشكل الحدود الطبيعية لهذه الشوارع. بعض الكنائس، مثل الكنيسة المعلقة (الست مريم)، بُنيت على أبراج الحصن، مما يجعل شوارعها الداخلية محاطة بالآثار الرومانية التي تعود إلى القرن الثاني الميلادي. متحف التراث: تُصطف على هذه الشوارع أقدم دور العبادة في مصر، بما في ذلك الكنيسة المعلقة، وكنيسة أبي سرجة (التي يُقال إن العائلة المقدسة لجأت إليها)، والمتحف القبطي، مما يحول الشارع إلى ممر تاريخي بامتياز.
2. الفسطاط: الشوارع الأولى للعاصمة الإسلامية
بعد الفتح الإسلامي لمصر عام 641م، أسس القائد عمرو بن العاص مدينة الفسطاط (أي الخيمة)، والتي أصبحت أول عاصمة إسلامية لمصر. شارع جامع عمرو بن العاص: كان هذا الشارع محيطاً بالجامع، الذي يُعد أقدم مسجد في أفريقيا. الشوارع في هذه المنطقة كانت متمحورة حول الجامع، وتميزت بكونها أسواقاً ومحلات حرفية تخدم الجند والقاطنين الأوائل. حي الجيوش والقبائل: كانت الفسطاط مقسمة إلى مناطق سكنية (خطط) تُنسب إلى القبائل العربية التي جاءت مع الجيش الفاتح. وقد اختفت معظم معالم هذه الشوارع الآن تحت طبقات التراكمات العمرانية، لكنها تُعد المخطط الأساسي الذي انبثقت منه المدن الإسلامية اللاحقة.
3. الشوارع الحديثة (كورنيش النيل): الرابط الحيوي
إلى جانب الشوارع التاريخية المتعرجة، يمر بحي مصر القديمة الشريان الحيوي المتمثل في كورنيش النيل. موازاة النهر: هذه الشوارع الحديثة نسبياً توفر ربطاً حيوياً بالضواحي الأخرى للقاهرة، وتفصل بين المناطق السكنية والتاريخية. وهي تذكير بأن نهر النيل، الذي كان جزءاً من الحدود الرومانية القديمة، لا يزال هو الشريان الاقتصادي والاجتماعي للعاصمة.
4. الإرث الروحي والأثري لشوارع مصر القديمة
ما يميز شوارع حي مصر القديمة هو طابعها الروحي. هذا الحي يضم: مجمع الأديان: حيث تتجاور الكنيسة القبطية والمعبد اليهودي (معبد بن عزرا) والمسجد (جامع عمرو بن العاص)، في مساحة جغرافية ضيقة لا مثيل لها عالمياً، مما يعكس تاريخ التسامح والتعايش في مصر. التنقيب عن التاريخ: العديد من الشوارع والساحات هنا هي في الواقع مواقع أثرية تنتظر التنقيب، خاصة فيما يتعلق بمدينة الفسطاط التي اندثرت معظم مبانيها بمرور الزمن. خاتمة إن شوارع حي مصر القديمة تقدم درساً في التاريخ العمراني والاجتماعي. هي ممرات تحكي عن صمود قلعة رومانية لأكثر من 18 قرناً، وعن خطوات القديسين والرهبان، وعن انطلاق أول مركز حضري إسلامي في وادي النيل. يبقى هذا الحي بضيقه وهدوئه واحجاره، شاهداً حياً على أن مصر هي بالفعل "مهد الأديان والحضارات".