أزمة "عنوسة" الرجال في مصر: الحواجز الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية

أزمة "عنوسة" الرجال في مصر: الحواجز الاقتصادية والتداعيات الاجتماعية

لطالما ارتبط مصطلح "العنوسة" بالنساء وتأخر سن زواجهن، لكن الواقع الاجتماعي والاقتصادي الجديد في مصر يفرض علينا الاعتراف بظاهرة متنامية وموازية: "عنوسة الرجال".

فالكثير من الشباب يجدون أنفسهم، رغم الرغبة في الاستقرار وتكوين أسرة، خارج دائرة الزواج، ليس بسبب عدم الرغبة، بل بفعل حواجز اقتصادية واجتماعية تتراكم عاماً بعد عام.

الأرقام تتحدث: تحول في التركيبة الاجتماعية

تشير التقديرات الاجتماعية إلى ارتفاع ملحوظ في متوسط سن الزواج الأول للذكور في مصر، متجاوزاً الثلاثين في الكثير من الحالات، خاصة في المدن الكبرى. هذا التأخير لم يعد مجرد اختيار فردي، بل أصبح انعكاساً قاسياً لواقع يضع متطلبات مادية لا يمكن لغالبية الشباب تلبيتها بسهولة.

الحاجز الأكبر: التكلفة الباهظة لتكوين أسرة

يظل العامل الاقتصادي هو القوة الدافعة الأقوى وراء تأخر زواج الشباب.

فمتطلبات الزواج في مصر تحولت من مشروع لتكوين أسرة إلى مشروع اقتصادي استثماري ضخم يقع عبؤه بالكامل تقريباً على عاتق الرجل:

أزمة السكن: يُعد توفير شقة تمليك أو حتى إيجار مناسب شرطاً أساسياً. وفي ظل الارتفاعات الفلكية لأسعار العقارات، يصبح امتلاك "عش الزوجية" هدفاً بعيد المنال يتطلب سنوات طويلة من الادخار الشاق.

التجهيزات والمظاهر: إضافة إلى تكاليف السكن، تبرز مطالبات الأثاث الفاخر والمستورد وتجهيزات المنزل التي تفرضها الأسر في كثير من الأحيان، بدافع "المظاهر الاجتماعية" والتنافس غير الصحي بين العائلات.

تكاليف المهر والحفلات: بالرغم من أن المهر في مصر قد لا يكون مرتفعاً كبعض الدول، إلا أن تكاليف "الشبكة" (المجوهرات) وحفلات الزفاف الضخمة والمبالغ فيها تستنزف مدخرات الشباب تماماً.

هذا المزيج من المتطلبات يخلق معادلة شبه مستحيلة: لا زواج قبل الاستقرار المادي الكامل، وهو ما قد لا يتحقق إلا بعد تجاوز سن الثلاثين بسنوات.

الأسباب الاجتماعية: ضغوط "الكمال" وتغير التوقعات

لا تقتصر الأزمة على المال وحده؛ هناك عوامل اجتماعية وثقافية تساهم في تعقيد المشهد:

متطلبات الأهل: تصر بعض الأسر على شروط تفصيلية في العريس (المركز الاجتماعي، الوظيفة المرموقة، المستوى المادي)، مما يضيق الخناق على الشباب ذوي الإمكانيات المتوسطة.

التوقعات المتبادلة: مع ازدياد استقلالية الفتاة وتعليمها، ترتفع سقف توقعاتها لشريك الحياة من حيث المستوى الثقافي والمهني، وهو ما يتطلب من الشاب بذل مجهود مضاعف لتحقيق هذه المعادلة.

ثقافة التأمين الاجتماعي: يرى الشاب أن الزواج مسؤولية لا تُحتمل إلا بتأمين كامل للمستقبل، مما يجعله يؤجل الخطوة حتى بلوغ "الكمال" الوظيفي والمادي، وهو كمال نادر التحقق.

التداعيات: خطر يهدد الاستقرار الأسري

لتأخر زواج الرجال تداعيات خطيرة لا تقتصر على الفرد وحده:

زيادة نسب العزوبية: يتزايد عدد العزاب والعازبات، مما يهدد توازن البنية الديموغرافية والاجتماعية للمجتمع.

تأخر الإنجاب: ينعكس التأخر في الزواج على تأخر الإنجاب، مما يرفع من متوسط أعمار الوالدين عند إنجاب طفلهما الأول وقد يؤدي إلى مشكلات صحية أو اجتماعية متعلقة بالفارق العمري.

انتشار القلق والاكتئاب: يعاني العديد من الشباب من ضغوط نفسية وشعور بالفشل وعدم القدرة على تحقيق أحد أهم مراحل الحياة، مما قد يؤدي إلى العزلة وتزايد الأمراض النفسية.

ضرورة التدخل: مسؤولية مجتمعية

إن أزمة عنوسة الرجال هي في جوهرها أزمة اقتصادية تتطلب حلاً جماعياً. يجب على الدولة والمجتمع العمل على محورين أساسيين:

تيسير الإسكان: ضرورة توفير برامج إسكان شبابي ميسر ومبسط، بخطط سداد واقعية تناسب دخول الشباب المحدودة.

تغيير الثقافة الأسرية: يجب على الدعاة والمؤسسات الاجتماعية بث ثقافة التيسير في الزواج والتخلي عن المغالاة في المهور والمطالب، تماشياً مع التعاليم الدينية التي تدعو إلى تيسير الحلال.

إن الزواج، في نهاية المطاف، هو مودة ورحمة وتكوين لأسرة مستقرة، وليس مجرد استعراض للقدرات المالية.

حماية الشباب من هذه الأزمة تعني حماية مستقبل المجتمع المصري بأكمله.