هل انتهت صلاحية مشروع بيتكوفيتش قبل أن يبدأ؟
بقلم: [فتحي بوخاري / كاتب رياضي]
لم تكن الخسارة الأخيرة مجرد كبوة عابرة في مسار المنتخب الوطني الجزائري، بل كانت لحظة الحقيقة التي تعرت فيها كل الأرقام "البراقة" لتكشف عن واقع فني باهت. وبينما انشغل الكثيرون بالحديث عن "شماعة" التحكيم — التي أصبحت قدراً يلاحق "الخضر" منذ عهد جمال بلماضي دون تحرك إداري رادع — يبدو أن الخلل الأعمق يكمن في قلب المنظومة الفنية والإدارية الحالية
بيتكوفيتش.. سحر الأرقام وعقم الميدان
لقد خُدع الكثيرون بلغة الأرقام؛ فقيادة المنتخب في 24 مباراة لم تكن كافية لمنح الناخب صك الغفران. فبالنظر إلى طبيعة المنافسين الذين واجههم، نجد أنهم جميعاً أقل تصنيفاً، ومع ذلك سقط المنتخب في اختبارات حقيقية، خاسراً ثلاث مواجهات ومتعادلاً في مثلها. إنها أرقام "مضللة" لم تصمد أمام أول اختبار قاري حقيقي في الأدغال.
التجميد لا التجديد!
الخطيئة الكبرى لبيتكوفيتش تجلت في "الحذر القاتل"؛ ففي الوقت الذي كان يملك فيه رفاهية الوقت في مباريات ودية ورسمية "شكلية" لبناء جيل جديد، اختار التشبث بـ"الحرس القديم". أسماء مثل محرز، بونجاح، وماندي.. قدمت الكثير، لكنها استُهلكت كروياً، وإصرار المدرب على تجاهل الدماء الشابة أدى إلى فقدان "الروح" والسرعة اللازمة لتحمل ضغوط المواعيد الكبرى.
خرافة "التفوق التكتيكي"
سوق لنا البعض أسطورة "مدرب الشوط الثاني" القادر على قراءة الخصوم، غير أن الميدان كشف عكس ذلك. فبالأمس، ضد نيجيريا وقف بيتكوفيتش عاجزاً، مشلول الحركة أمام انهيار المنتخب طيلة شوط كامل، دون أن يحرك ساكناً بتغييرات تصحيحية، لتضيع المباراة وتضيع معها هيبة "المحاربين". هذا العجز التكتيكي تزامن مع دفاع "مستباح" استقبل 22 هدفاً في 25 مباراة، مما يؤكد أن معضلة الخط الخلفي تراوح مكانها.
الاغتراب عن القارة والضعف الإداري
لقد أثبتت التجربة أن بيتكوفيتش —صاحب الراتب الأعلى قارياً— يعاني من "اغتراب قاري" حاد؛ فهو لا يملك "الجينات" الإفريقية ولا يدرك أدوات الصراع في الأدغال، وهو ما يفسر سيطرة المدربين الوطنيين (أبناء القارة) على المربع الذهبي لكان 2025.
وعلى الجانب الآخر، تبرز السلبية الإدارية للاتحادية؛ فبينما تنتفض الاتحادات القوية لحماية حقوقها من "كواليس الكاف"، تكتفي اتحاديتنا بدور المتفرج، تاركة المنتخب عرضة لقرارات تحكيمية مشبوهة وتهميش إداري مقصود.
الخروج من النفق: ثورة لا مسكنات
إن الخروج من هذه الدوامة يتطلب "خارطة طريق" شجاعة، لا تكتفي بتبديل الأسماء بل بتغيير المنهج:
ـ التشبيب الجذري: بناء نواة صلبة من المواهب الشابة قادرة على العطاء لثماني سنوات قادمة.
ـ هوية فنية إفريقية: الحاجة لمدرب (أو طاقم مساعد) يعرف خبايا الكرة الإفريقية جيدا.
ـ فرض الهيبة الإدارية: بناء اتحادية قوية تنتزع حقوق المنتخب في أروقة "الكاف" بقوة القانون والقرار.
ـ العمق المحلي: الاستثمار الحقيقي في التكوين المحلي والأكاديميات (أكاديمية بارادو أنموذجا) والتجربة المصرية خير دليل.
إنّ مراجعة المسار الحالي ليست انتقاصاً من شأن أحد، بل هي ضرورة تفرضها الرغبة في رؤية منتخبنا في طليعة القارة من جديد. إن تدارك النقائص اليوم، والعمل برؤية استراتيجية تجمع بين كفاءة الميدان وقوة الإدارة، هو السبيل الوحيد لضمان عودة 'الخضر' إلى منصات التتويج، وفاءً لجمهورٍ لا يبحث إلا عن رؤية رايته ترفرف عالياً في كل المحافل."