هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

شهر رمضان المعظَّم يُضيء القلوب ويروي ظمأ الأرواح

تتلهف القلوب لقدوم شهر رمضان المُعَظَّم , وكلٌ مسلم يستقبل الشهر بطريقته الخاصة وبحسب استعداده وقدرته البدنية والنفسية , إلا أن جميع المسلمين كباراً وصغاراً يسعون للتعبير عن فرحة قلوبهم بقدوم الشهر الكريم بكل ما يستطيعونه من وسائل التعبير , فمن بهجة القلوب , إلى تبادل التهنئة , إلى التسابيح والابتهالات , إلى الفوانيس والأضواء المتلألئة , إلى صُنع وبيع الحلوى المتنوعة , إلى التجمع ساعة الإفطار , إلى موائد الرحمن في الطرقات , إلى القيام في صلاة التراويح والتهجد كل ليلة من لياليه المباركة.

ما اعظم الشهر الكريم

الاستعداد للشهر الكريم :

منذ أن يبدأ هلال شهر رجب ويتلوه هلال شهر شعبان في الظهور في السماء , نستشرف جميعا قدوم شهر رمضان المعظم بكل شوق وتهل علينا نسائم الشهر الكريم بالخير , فنستشعر بركته , ونستعد له بإضاءة مآذن المساجد بالأضواء الملونة المتلألئة , وبتزيين المنازل بالفوانيس الزاهية متنوعة الأشكال والألوان والأحجام , فتتبدى المدن والقرى كأنها بستان مترامي تناثرت فيه حبات اللؤلؤ والياقوت والزبرجد هنا وهناك .

ويشحذ المسلمون طاقاتهم الإيمانية , حتى ينطلقوا وقد ملأهم العزم أن يبذلوا قصارى جهدهم صياماً وقياماً طوال الشهر المعظم حتى تمتلئ القلوب قبل البيوت بالعافية والبركة .

تبادل التهنئة بقدوم الشهر المعظم :

بإقبال رمضان تتطاير هنا وهناك عبارات التهاني والتبريكات بقدوم الشهر الكريم , فتجد الكل وقد امتلأت وجوههم بالبسمات , وانطلقت ألسنتهم بالعبارات الطيبة : " كل عام وانتم بخير .. مبارك عليكم الشهر .. عساكم من عوَّاده ..الخ " , تنساب تلك العبارات فياضة كنسمات الربيع في الطرقات والأسواق , ومن خلال الهواتف باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي , حتى يستشعر المرء كأن العالم الإسلامي قد أصبح بالفعل قرية واحدة يتعايش الجميع فيها متجاورين متحابين .

رمضان شهر القرآن

فرحة الأطفال والكبار بالصوم :

حقاً إن المرء لفي حيرة .. هل الأطفال أكثر فرحاً بالصوم أم الكبار؟ ..  فها هم الآباء والأمهات يعوِّدون أبناءهم على الصيام عن الطعام بضع ساعات من اليوم مع تحفيزهم بالهدايا والحلوى , فيشب الطفل المسلم على الإحساس بالمسئولية , وعلى حب طاعة الله ورسوله.

وها هم الكبار نفسهم ينطلقون في رحاب الصوم يوماً بعد يوم بنفوس وثابة موقنة بالثواب الجزيل في الآخرة , فرحون بلحظات الإفطار , وأوقات الاجتماع على مائدة واحدة مع الأهل كل يوم .

الإفطار يوم عندكم ويوم عندنا :

الكل يتسم بالكرم في شهر رمضان المعظم , ومن الأفضل – بهذا الشأن -  أن يتم تناول الزيادة الطارئة للمصروفات في الشهر الكريم من هذا المنطلق , فتزايد الإقبال على شراء الأطعمة والحلوى قُبَيل وأثناء رمضان إنما مقصده إكرام الضيف على الإفطار , والتوسعة على الأهل والأبناء , مع أهمية الاحتياط من أن تختلط الأمور فتنقلب إلى الإسراف والمبالغة والتباهي المرهق للآباء والمجهد للأمهات   .

فما أجمل الالتفاف حول طعام الإفطار , والتسامر اللطيف بين الإخوة والأقارب والأصدقاء , فإذا بأهل الوطن الواحد يوم يفطرون عند أقاربهم وآخر يفطر الأقارب عندهم , ولا مانع أبدا من اتخاذ الإجراءات الصحية الكافية بشأن الوقاية من وباء كوفيد 19 قبل التواصل الاجتماعي المشار إليه حتى لا يعود بالضرر على الأهل .

موائد الرحمن تُزِّين الطرقات ساعة الإفطار :

لا يوجد مسلم لا يجد ما يقتات به في رمضان . فها هم أهل الخير - في جميع البلاد الإسلامية - يتنافسون في تجهيز موائد الرحمن بالشكل اللائق الكريم حتى يتم تقديم الأطعمة والحلوى لمن يرغب . سواء أمام المساجد أو حتى في الطرقات , في جو محفوف بكرم الضيافة , وبالابتسام والترحاب بجميع الصائمين . حيث لا تستقبل تلك الموائد الفقراء فقط في ساعة أذان الإفطار, وإنما تشمل جميع العابرين ولو كانوا أغنياء فاضطرتهم الظروف لعدم إدراك الإفطار في منازلهم .

ذلك فضلاً عن تسابق الشباب في بعض البلدان الإسلامية إلى الوقوف في الشوارع والطرقات بالتمر أو الحلوى أو المشروبات المرطِّبة باحثين بأنفسهم – قبيل أذان المغرب – عن المارة ليقدِّموا لهم ما في حوزتهم من الأطعمة – مجاناً – مع ابتسامات جميلة تعكس السعادة الغامرة التي تفيض بها قلوبهم دون تعطيل لحركة المرور أو السير في جو يشع بهجة وأريحية  .  

الاستعداد لقدوم عيد الفطر :

إذا انتصف الشهر الكريم يبدأ المسلمون في الاستعداد للعيد – كل على قدر إمكانياته وطاقته – فهؤلاء قد اعتادوا شراء ملابس العيد الجديدة للأبناء وللأمهات بل وللآباء , حتى يظهر الجميع في أحلى حُلة , وفي أجمل صورة.

وهؤلاء اعتادوا طهي الكعك والحلوى في منازلهم من باب التوسعة والترفيه على الجميع , وآخرون قد آثروا شراء تلك الأصناف الشهية من محال الحلوى بقدر كفايتهم , والجميع تملؤهم البهجة والشوق لأيام العيد المحفوفة بالضحكات واللهو الطيب .

التفرغ للعشر الأواخر من رمضان :

سرعان ما تمضي ليالي وأيام الشهر الكريم , وإذا بالضيف الغالي يوشك أن يودِّع المسلمين , ها هو الشهر المعظم يقارب على الانتهاء بدخول العشر الأواخر بما تحتويه من أنوار ليلة القدر التي أُنزل فيها القرآن الكريم , ويعلم المسلمون أنها ليلة خير من ألف شهر بالنظر إلى ثواب القيام بحقها , يقول تعالى : { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)  وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) } ( سورة القدر)  .

وكما يستعد الكرام لتوديع ضيفهم بالترحاب كما استقبلوه بالترحاب , فإن المسلم الواعي يستعد بجهد من نوع خاص لتوديع الشهر الكريم إلى لقاء في العام المقبل . فيجتهد أيَّما اجتهاد في الإكثار من العمل الصالح , ليلاً ونهاراً حتى ولو استدعى ذلك تدبير بعض الوقت تفرغاً للعبادة , ولمساعدة الضعفاء وغير القادرين , وحتى لو اقتضى ذلك اختصار ساعات النوم والراحة إلى القدر الضروري فقط , فلا وقت لدى المسلم الواعي حتى يضيعه خاصة في ظلال العشر الأواخر من رمضان .

ولا ينتهي المجهود المضاعف ( من صيام بالنهار , وقيام بالليل , وتلاوة آي الذكر الحكيم , ومن عمل بإتقان , وبِرّ وودّ وتواصل مع الأقارب والأصدقاء , ومساعدة للمحتاجين , وتوسعة على الأهل والأبناء , وزكاة وصدقات للمحتاجين من الفقراء والمساكين )  لا ينتهي هذا المجهود المضاعف من المبذول من جميع عباد الله المؤمنين إلا بقيامهم لصلاة عيد الفطر وتهنئتهم بعضهم البعض بقولهم ؛ تقبل الله منَّا ومنكم , كل عام وانتم بخير .