هل يمكن للمسرح كشف حقيقة الوحش ام ان الشعوب ما زالت تصنع قرابينها بوعيها؟ قراءة نقدية حول عرض قمرة حمرة



يقدم عرض قمرة حمرة تجربة مسرحية تقوم على توظيف فضاء مفتوح وآليات تفاعلية تجعل الجمهور جزءا عضويا من بنية العرض فالعرض ينطلق من فرضية بسيطة وعميقة في آن واحد قرية تقدم قرابين لوحش اسطوري من اجل استمرار حياتها وهي حكاية تبدو للوهلة الاولى كاستدعاء لطقوس بدائية لكنها في العمق قراءة اجتماعية وسيكولوجية لمنطق التضحية الذي يعيد انتاج نفسه في المجتمعات حتى اليوم.يرتكز البناء الدرامي للعرض على ثنائية الرجل والمرأة والممثلان يؤديان ادوارا متعددة تجعل الجسد اداة سردية في غياب الديكور الثابت فالمرأة تتحول من قمرة الحبيبة البريئة الى حمرة الوحش بكل ما يحمله هذا الانتقال من التباس بين معاني الحب والخوف والرغبة والتهديد وهو ما يمهد لقراءة العرض بوصفه عرضا عن التحول الانساني تحت ضغط العنف الجماعي والخوف الموروث.يفتتح العرض بدخول الرجل وهو يضرب على الدف ويصرخ من التعب والياس من الوحش وهنا يتجلى خيار المخرج في جعل الايقاع الصوتي بديلا للديكور وموجها للانفعال فصوت الدف يتكرر كنبض جماعي يذكر الجمهور بأنه جزء من طقس قديم يعاد بعنف جديد كما يكشف صراخ الرجل عن جرحه الشخصي فقد قدم حبيبته قمرة كقربان ليضمن بقاء القرية مما يضع المتفرج امام معضلة اخلاقية بسيطة ومؤلمة هل تنقذ الجماعة مقابل فقدان نفسك ام تحافظ على نفسك مقابل هلاك الجماعة.من حيث التمثيل يعتمد العرض على اداء جسدي تعبيري يقوم على الانتقال السلس بين الحالات النفسية فالممثلة التي تتجسد فيها شخصيتا حمرة وقمرة تشتغل على مستويات متعددة تارة هي العاشقة الرقيقة التي يفتقدها الرجل وتارة تتحول الى كيان متوحش ينبض بالغموض هذا التداخل بين الصورتين يجعل حضورها مركزيا ويدفع الجمهور الى التشكيك في حدود الشر والخير والضحية والجلاد.اما الرجل فهو ناقل الصراع ومفجر الحدث يقف في منطقة رمادية بين كونه ضحية للقرية وبين كونه مشاركا في طقس عنيف ضد حبيبته اذ يقدم خطابه احتجاجا داخليا على النظام القائم لكنه في الوقت نفسه خاضع له وهذا التناقض يخلق مادة درامية غنية تكشف هشاشة البطل وضياعه.من ناحية الفضاء اختار العرض ساحة مفتوحة ليكسر فكرة المسرح التقليدي وليعيد تشكيل علاقة جديدة بين الممثلين والجمهور فالمتفرجون يتحولون الى سكان القرية وشهود على الطقس بل مشاركين فيه من خلال التفاعل المباشر وهذا التفاعل لا يستخدم كزينة بل كجزء من بناء الصراع اذ يصبح الجمهور مسؤولا اخلاقيا عن استمرار العنف او ايقافه فيتحول السؤال من ماذا يفعل الممثلان الى ماذا نفعل نحن بوصفنا جمهورا.يبلغ العرض ذروته حين يكشف الممثلان امام الجمهور ان الحكاية التي بدت مجرد اسطورة قروية ليست سوى مرآة لواقع معاصر فالوحش الذي تخشاه القرية يتحول في اللحظة الاخيرة الى استعارة عن الاحتلال وعن منظومات القمع التي تصادر الاراضي والاحلام وهذا يضهر في الوان الخيوط المتشابكة لونا بعد لون احمر اسود اخضر ابيض مشيرا الى علم فلسطين في حركة بسيطة لكنها شديدة الدلالة كأن المخرج يقول للجمهور ان القربان الذي قدمته القرية هو صورة عن شعوب قدمت شبابها وارضها وذاكرتها في مواجهة قوة اكبر.بهذا الايحاء يضيف العرض طبقة رمزية جديدة تكشف ان قمرة ليست فقط حبيبة ضاعت في طقس غامض بل هي صورة الوطن المسلوب وان حمرة ليست فقط وحشا اسطوريا بل بنية استعمارية تلتهم الضعفاء وتعيد تشكيل خوفهم بما يخدم استمرارها وبهذا يصبح ما يحدث في الفضاء المفتوح ليس طقسا مسرحيا فقط بل موقفا سياسيا وانسانيا يتقاطع مع جرح عربي مفتوح.وحين تكسر الجرة يصبح الجمهور الذي لعب دور اهل القرية امام سؤال جديد من هو الوحش الحقيقي ومن هو القربان ومن الذي يستفيد من استمرار الطقوس الدموية وهنا تكتمل رؤية العرض بوصفه شهادة فنية لا تكتفي بالرمز بل تحوله الى ممارسة ادائية تجعل من المسرح مساحة للتذكير بالقضية ولطرح سؤال العدالة في عالم لا يزال يعيد انتاج الوحوش بصور مختلفة العرض جاء في ختام مهرجان مسرح الصحراء الدولي بادرار ليطرح كل هاته الأسئلة عن القضية و ماذا ستؤول اليه

محمودي الحاج ايمن