تقوم مسرحية "السفينة تغرق" لأسامة زايد على بناء عبثي بثلاث ممثلين فقط رجل وامرأة وضفدع لكنها تفتح عوالم كاملة من القلق الوجودي والسخرية السوداء وتكرار الأسئلة بلا نهاية العرض لا يبحث عن حكاية بل عن حالة لا يريد حلا بل يريد أن يظل عالقا في نقطة الغرق كأن الغرق قدر وشكل للحياة
ينطلق العرض من ملاحظة بسيطة لكنها عميقة "لم يعد المارون من هنا يلقون علينا التحية" هذه الجملة الأولى تكشف انهيار العلاقة بين الداخل والخارج بين من هم على السفينة ومن غادروها التحية هنا فعل إنساني أول يختفي لتبدأ رحلة العزلة يدخل الرجل إلى الكيس ويرقص رقصة انفصامية ويتكلم الضفدع بصفته مركز التحذير الوحيد في المكان إنه الكائن الذي يرى الكارثة ويعلنها السفينة تغرق ثم يأمره بإفراغ الماء وكأن المهمة محكومة بالفشل قبل أن تبدأ
ثم يصنع العرض صراعا أساسيا بين المرأة العاطفية والرجل العنيف امرأة تبحث عن اهتمام ضائع ورجل لا يرى سوى القوة والعنف حين تهمله المرأة تخونه مع قط وعندما يكتشف ذلك لا يحدث انفجار درامي تقليدي بل يتحول كل شيء إلى لعبة سقوط ورمي. الضفدع يرمي المرأة من فوق درج خارج السفينة ثم تعود وتطلق الدخان وتقول إنها تغرق وكأن الفعل يعاد فقط لإثبات أن الغرق مستمر وأن العودة لا تغير شيئا
الرجل يذكر أنه ربى الضفدع منذ كان صغيرا فتتشكل علاقة مربي وضحية ولكن الأدوار تتبدل المرأة تطلب العنف كنوع من إثبات الوجود في عالم بلا مشاعر ثم تُرمى مرة أخرى ثم تأتي الأم شخصية تظهر وتختفي وتقول إنها ليست أمه ثم تقول إنها نسيت النسيان هنا ليس عرضا جانبيا بل حالة أساسية في بنية النص لا ذاكرة تثبت ولا حقيقة تستمر
يتكرر سؤال غريب بلا معنى منطقي "هل تحبون الجزر؟" هذا السؤال الساذج يصبح علامة تواصل بديلة عن كل ما فسد من لغة العاطفة والاعتراف والتذكر تتبعها جملة ساخرة عن الهوية "ولدتك أرنبا وحلمت فراشة وكبرت قردا" تحول الهوية إلى سلسلة بشعة من الولادات العشوائية التي تطيح بأي فكرة عن الأصل أو التطور المنطقي الإنسان في المسرحية كائن بلا بداية واضحة وبلا نهاية محددة
في المراحل الأخيرة يعلن الرجل أنه يغرق ويكرر الضفدع الجملة نفسها ثم يطلب الرجل المساعدة لا شيء يحدث سوى أنهم يجلسون ثلاثتهم على الكراسي وتنتهي المسرحية كما بدأت إعلان الغرق بلا نجاة ولا تفسير ولا محاولة إنقاذ
اللافت في العرض أن العبث هنا ليس شكلًا بل موقفًا وجوديًا كاملًا التكرار ليس ضعف كتابة بل استراتيجية للكشف عن العطب الحقيقي في العلاقات كل شيء يتكرر لأن لا شيء يتغير الرجل عنيف لأنه لا يعرف لغة غيرها المرأة تخون لأنها لم تجد حضنا آخر الأم تتذكر وتنسى لأن الذاكرة لم تعد وظيفة الإنسان والضفدع يصرخ عن الغرق لأنه الكائن الوحيد الذي يفهم الماء
المسرحية قدمت يوم 5 ديسمبر 2025 في المهرجان الدولي لمسرح الصحراء بأدرار في جو من التأويل دون موسيقى تفسيرية ودون ضمانات جمالية النص لا يقدم إجابات بل يضع المتلقي أمام مرآة السؤال ما معنى أن تعيش على سفينة تعرف أنها تغرق؟ ولماذا نعود دائما إلى نفس الدرج ونطلق نفس الدخان ونكرر نفس الجملة وكأننا ننتظر غرقا أجمل؟
إنها مسرحية تطلب من المشاهد أن يغرق معها لا أن ينجو منها.
بقلم محمودي الحاج ايمن