السَّفَرُ: رِحْلَةُ اكْتِشَافٍ بَيْنَ التَّجْرِبَةِ وَالتَّأْثِيرِ

صورة

مَاهِيَّةُ السَّفَرِ: ارْتِبَاطُ الْحَرَكَةِ بِإِثْرَاءِ التَّجْرِبَةِ

     لَيْسَ السَّفَرُ مُجَرَّدَ حَرَكَةٍ جُغْرَافِيَّةٍ بَيْنَ الْأَمَاكِنِ، بَلْ هُوَ انْطِلَاقَةٌ وِجْدَانِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ نَحْوَ التَّعَرُّفِ عَلَى الذَّاتِ وَالْعَالَمِ. وَيَرْتَبِطُ مَفْهُومُ السَّفَرِ ارْتِبَاطًا عَضَوِيًّا بِمِحْوَرِ التَّجَارِبِ، فَكُلُّ خُطْوَةٍ خَارِجَ الدِّيَارِ هِيَ فُرْصَةٌ لِخَوْضِ مَوَاقِفَ جَدِيدَةٍ، وَمُلَاقَاةِ شُخُوصٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَتَشْرِيبِ الرُّوحِ بِثَقَافَاتٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ. إنَّ قِيمَةَ السَّفَرِ الْحَقِيقِيَّةَ تَكْمُنُ فِيمَا يُنْتِجُهُ مِنْ ذِكْرَيَاتٍ غَنِيَّةٍ وَمَهَارَاتٍ حَيَاتِيَّةٍ؛ فَهُوَ يُعَلِّمُنَا التَّكَيُّفَ، وَيُزِيلُ حَوَاجِزَ الْفَهْمِ، وَيُعَمِّقُ إِحْسَاسَنَا بِالتَّرَابُطِ الْإِنْسَانِيِّ، مُحَوِّلًا إِيَّانَا إِلَى طُلَّابٍ دَائِمِينَ فِي مَدْرَسَةِ الْحَيَاةِ الْمُمْتَدَّةِ.


  • غايات السفر : الرحلات الخمسة :

       يَتَّخِذُ السَّفَرُ أَلْوَانًا شَتَّى، وَتَتَحَدَّدُ أَنْوَاعُهُ وِفْقًا لِلْغَرَضِ الَّذِي يُسَافِرُ الْمَرْءُ مِنْ أَجْلِه :الرِّحْلَاتُ الدِّينِيَّةُ: وَتَتَمَحْوَرُ حَوْلَ أَدَاءِ الْفَرَائِضِ وَالشَّعَائِرِ الْمُقَدَّسَةِ، كَمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، أَوْ زِيَارَةِ الْمَوَاقِعِ التَّعَبُّدِيَّةِ الْهَامَّةِ، وَهِيَ رِحْلَةٌ ذَاتُ بُعْدٍ رُوحَانِيٍّ عَمِيقٍ. والرِّحْلَاتُ التَّعْلِيمِيَّةُ/الْأَكَادِيمِيَّةُ: غَايَتُهَا طَلَبُ الْعِلْمِ، وَحُضُورُ الدَّوْرَاتِ الْمُتَخَصِّصَةِ، أَوْ الْمُشَارَكَةُ فِي الْبَرَامِجِ التَّبَادُلِيَّةِ الَّتِي تُثْرِي الْمَعَارِفَ الْأَكَّادِيمِيَّةَ. والرِّحْلَاتُ التَّرْفِيهِيَّةُ: هَدَفُهَا الْأَسَاسِيُّ الِاسْتِجْمَامُ، وَالرَّاحَةُ النَّفْسِيَّةُ وَالْبَدَنِيَّةُ، وَالِابْتِعَادُ عَنْ ضُغُوطِ الْحَيَاةِ، وَالِاسْتِمْتَاعُ بِالْمَنَاظِرِ الطَّبِيعِيَّةِ. والرِّحْلَاتُ الثَّقَافِيَّةُ: تَهْتَمُّ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْإِرْثِ الْحَضَارِيِّ لِلشُّعُوبِ، مِنْ خِلَالِ زِيَارَةِ الْمَوَاقِعِ الْأَثَرِيَّةِ، وَالْمَتَاحِفِ، وَتَفَحُّصِ الْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ الْمَحَلِّيَّةِ لِفَهْمِ التَّنَوُّعِ الْإِنْسَانِيِّ. والرِّحْلَاتُ الْمِهْنِيَّةُ/التِّجَارِيَّةُ: وَهِيَ الْمُرْتَبِطَةُ بِأَعْمَالِ التِّجَارَةِ وَالِاسْتِثْمَارِ وَعَقْدِ الصَّفَقَاتِ، وَحُضُورِ الْمُؤْتَمَرَاتِ وَالْمَعَارِضِ الْمُتَخَصِّصَةِ.


 فَنُّ التَّخْطِيطِ الْمُحْكَمِ لِرِحْلَةٍ نَاجِحَةٍ    

      تَحْدِيدُ الْأُطُرِ: يَجِبُ تَثْبِيتُ الْمَكَانِ وَتَقْدِيرُ الْمُدَّةِ الزَّمَنِيَّةِ لِلرِّحْلَةِ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ الْإِجَازَاتِ الْمُتَاحَةِ وَالْأَهْدَافِ الْمَرْجُوَّةِ. وإِدَارَةُ التَّكْلِفَةِ: تَتَطَلَّبُ الرِّحْلَةُ إِعْدَادَ مِيزَانِيَّةٍ مُفَصَّلَةٍ تُغَطِّي تَكْلِيفَةَ وَسَائِلِ الِانْتِقَالِ، وَالْإِقَامَةِ، وَالْغِذَاءِ، وَالْأَنْشِطَةِ الْمُخْتَلِفَةِ، مَعَ ضَرُورَةِ وُجُودِ احْتِيَاطِيٍّ طَارِئٍ. واخْتِيَارُ وَسِيلَةِ النَّقْلِ: يَتَطَلَّبُ ذَلِكَ دِرَاسَةً لِأَفْضَلِ الْخِيَارَاتِ (جَوًّا، بَرًّا، بَحْرًا) مِنْ حَيْثُ السِّعْرُ وَالرَّاحَةُ وَالْوَقْتُ الْمُسْتَغْرَقُ. والْإِجْرَاءَاتُ الرَّسْمِيَّةُ: لَا بُدَّ مِنَ التَّأَكُّدِ مِنْ سَلَامَةِ الْوَثَائِقِ الرَّسْمِيَّةِ كَجَوَازِ السَّفَرِ وَتَوَفُّرِ التَّأْشِيرَةِ الْمَطْلُوبَةِ لِلْوُصُولِ.


التَّحَدِّيَاتُ: كَيْفَ يُصْقَلُ الْمُسَافِرُ بِالْمُوَاجَهَةِ؟ 

      لَا تَخْلُو أَيَّةُ رِحْلَةٍ مِنْ الْعَقَبَاتِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ التَّحَدِّيَاتِ هِيَ مَا يُصْقُلُ شَخْصِيَّةَ الْمُسَافِرِ: والتَّكْلِفَةُ وَالْمِيزَانِيَّةُ: تُعَدُّ الْعَائِقَ الْأَكْبَرَ لِلْكَثِيرِينَ. وَيُمْكِنُ تَجَاوُزُهُ بِالْبَحْثِ عَنِ الْعُرُوضِ الْمُنْخَفِضَةِ، وَتَفْضِيلِ السَّفَرِ فِي أَوْقَاتِ غَيْرِ الذُّرْوَةِ. واللُّغَةُ وَالتَّوَاصُلُ: يُمَثِّلُ حَاجِزُ اللُّغَةِ صُعُوبَةً فِي التَّعَامُلِ الْيَوْمِيِّ. وَيُمْكِنُ التَّغَلُّبُ عَلَيْهِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِتَطْبِيقَاتِ التَّرْجَمَةِ، وَتَعَلُّمِ الْجُمَلِ الْمُهِمَّةِ لِلتَّعَامُلِ الْأَوَّلِيِّ. والْعَادَاتُ وَالتَّقَالِيدُ: الشُّعُورُ بِالِاغْتِرَابِ النَّاجِمِ عَنْ اخْتِلَافِ الْقِيَمِ وَالسُّلُوكِيَّاتِ. وَيُشَكِّلُ احْتِرَامُ ثَقَافَةِ الْبَلَدِ الْمُضِيفِ وَفَهْمُهَا مُقَدَّمًا مِفْتَاحًا لِلتَّعَايُشِ النَّاجِحِ.


الْآثَارُ الشَّامِلَةُ لِلسَّفَرِ عَلَى الْفَرْدِ وَالدَّوْلَةِ

     لِلسَّفَرِ عَوَائِدُ مُتَعَدِّدَةٌ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الْمُسَافِرِ فَقَطْ، بَلْ تَمْتَدُّ لِتُؤَثِّرَ فِي الْبِيئَةِ الْمُحِيطَةِ: فعلَى مُسْتَوَى الْفَرْدِ على الْجَانِبُ النَّفْسِيُّ: يُعَزِّزُ السَّفَرُ الصِّحَّةَ النَّفْسِيَّةَ بِإِزَالَةِ ضُغُوطِ الْعَمَلِ وَالرُّوتِينِ، وَيُجَدِّدُ الطَّاقَةَ، وَيُسْهِمُ فِي بِنَاءِ الثِّقَةِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى حَلِّ الْمُشْكِلَاتِ فِي بِيئَةٍ غَيْرِ مَأْلُوفَةٍ. وعلى الْجَانِبُ الِاجْتِمَاعِيُّ: يُوَسِّعُ دَائِرَةَ الْعَلَاقَاتِ، وَيُطَوِّرُ مَهَارَاتِ التَّوَاصُلِ الْفَعَّالِ، وَيُعَلِّمُ التَّقَبُّلَ وَالِانْفِتَاحَ عَلَى الْآخَرِ بَعِيدًا عَنْ التَّحَيُّزَاتِ. أما عَلَى مُسْتَوَى الدَّوْلَةِفتُعَدُّ السِّيَاحَةُ وَالسَّفَرُ رَافِدًا هَامًّا لِلِاقْتِصَادِ الْقَوْمِيِّ، حَيْثُ تُوَفِّرُ مَصْدَرًا لِلْعُمْلَةِ الصَّعْبَةِ، وَتُخَلِّقُ فُرَصَ عَمَلٍ فِي قِطَاعَاتِ الضِّيَافَةِ وَالْخَدَمَاتِ. كما يَعْمَلُ السَّفَرُ عَلَى تَعْزِيزِ الصُّورَةِ الذِّهْنِيَّةِ لِلدَّوْلَةِ فِي الْخَارِجِ، وَيُشَجِّعُ التَّبَادُلَ الثَّقَافِيَّ الَّذِي يُسَاهِمُ فِي تَقْوِيَةِ الْجُسُورِ بَيْنَ الشُّعُوبِ.


خُلَاصَةُ الْقَوْلِ

      السَّفَرُ إِذَنْ لَيْسَ مُجَرَّدَ تَرَفٍ، بَلْ هُوَ ضَرُورَةٌ حَضَارِيَّةٌ وَإِنْسَانِيَّةٌ. إنَّهُ اسْتِثْمَارٌ فِي الذَّاتِ وَفِي الْإِدْرَاكِ، وَمَا يَجْنِيهِ الْمُسَافِرُ مِنْهُ يَتَجَاوَزُ الْمُتْعَةَ الْعَابِرَةَ لِيَتَرَسَّخَ فِي الشَّخْصِيَّةِ كَنَمُوٍّ وَتَطَوُّرٍ. فَلْنَجْعَلْ مِنْ كُلِّ رِحْلَةٍ صَفْحَةً جَدِيدَةً فِي كِتَابِ حَيَاتِنَا.

📚 المراجع

تحميل كتاب مغامرة في الصحراء تأليف مصطفى محمود pdf

تحميل كتاب مغامرة في الصحراء pdf الكاتب مصطفى محمود هي حقا مغامرة في الصحراء يعيشها ويحكيها الدكتور مصطفى محمود .. هى رحلة ذهابة إلى الأراض الليبية وبالاخص "عذامس" تلك الجنة ذات ال 48 درجة مئوية في الظل تمتلئ بالاشجار وقد بنى اهلها مبانيهم فوق الانهار فكانت جنة تجرى من تحتها الانهار .. عن أهلها من "الطوارق" وعاداتهم التى هى مزيج من الاسلام والوثنية وبقايا التاريخ القديم يتحدث فنجد فيهم غرائب الأمور وأعجبها مثل مكانة المرأة المقدمسة التى هى بقايا عادات قديمة كانت تحكم المرأة على المجتمع وتنسب المولود إلى امه وليس ابيه وتبيح تعدد أزواجها وحكمها عليهم .. كما نجد حرية الممارسة الجنسيةة قبل الزواج هذا بالرغم من دخول الاسلام على يد عقبه بن نافع ، وغيره من الأشياء العجيبة التى تعرفها ونحياها في هذا الكتاب الحافل بالمغامرات والمعلومات فلا تدعوها تفلت من ايديكم. هذا الكتاب من تأليف مصطفى محمود و حقوق الكتاب محفوظة لصاحبها

تصفح المرجع ↗