محطتي كان هذه المرة الدوحة عاصمة قطر ، لم أزرها من قبل وكان عندي شغف لرؤية هذه العاصمة بعد أن سمعت عنها الكثير، بدأت أعد نفسي للسفر بعد أن وصلتني الدعوة من مكتبة قطر الوطنية والاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، للمشاركة في أعمال المؤتمر ال 36 للاتحاد العربي للمكتبات والمعلومات، بعد قبول ورقتي العلميةالتي قدمتها للمشاركة في المؤتمر بعنوان (مبادرات مجمع اللغةالعربية في دمشق في سد الفجوة اللغوية في البيئة الرقمية)
الوصول للدوحة
وصلت الدوحة قادماً من دمشق وكل جوارحي مشغولة باكتشاف جديد بعد أن أمضيت فيها عدة أيام، فالزيارة كانت ممتعة والمكان يأخذك إلى عالم آخر عالم تنضج فيه الثقافة والإبداع بدعم منقطع النظير ... إنها رحلة لاستكشاف مايميز قطر من معالم ثقافية وسياحية وتراثية مثل سوق واقف والحي الثقافي كتارا والدفنة ولوسيل وغيرها من المعالم، حيث تتلألأ قطر كجوهرة على ضفاف الخليج العربي
زيارة سوق واقف
فمنذ دخولي إلى أول المعالم التي زرتها وهو سوق واقف تسللت حواسي إلى عمق التراث المتجدد، ففي سوق واقف استقبلني طيف من وقفوا هنا ونادوا على بضاعتهم وكأن صدى أصواتهم يملأ المكان، هذه البضاعة التي صنعتها أيد ماهرة بكل حب وإتقان، فيما تعبق في المكان روائح العطور الندية التي تستقطب الزوار من كل مكان، المقاهي والمطاعم تعج بالوافدين لتذوق أشهى المشروبات والمأكولات، أما الجدرانالتي حفظت ذاكرة التراث الأصيل في هذا السوق تروي للزائرين حكايات من مروا من هنا، فلهذا المكان سحر لاينسى وجمال يملأ الأجواء .. كل خطوة كنت أخطوها هناك كنت أرى مشهداً رائعاً يحكي قصةحياةأهل قطر ، فالتجول في المسار المتعرج للسوق جعلني أشعر بأني في رحلة من إبداع حيث تعكس كل زاوية فيه لمسة من الأصالة المعاصرة.
خرجت من السوق وفي ذاكرتي ألف حكاية وحكاية عن عبق الزمان وذاكرة المكان المحفورة على الجدران بإتقان.
في مسجد المنارتين
توجهت بعدها إلى مسجد المنارتين في أروقة جامعة حمد بن خليفة وعند دخولي للمسجد شعرت بإحساس مختلف وكأن الزمن توقف ليمنحني فرصة للاتغماس في عوالم التأمل والتفكر، في مكان يمتزج فيه الطراز المعماري الحديث مع المناصر التقليدية، مما يمنح المسجد طابعاً فريداً يعكس روح العصر وأصالة التراث ، وتتجه الأنظار نحو المنارتين اللتين تصعدان إلى السماء كقامتين تنبضان بالحياة، تعلنان عن الدعوة إلى الصلاة في أوقاتها،
أما قبة المسجد فتتألق بلونها الابيض فالمسجد كله قبة واحدة وصمم سقفه بأشكال هندسية رائعة، و كأنها نجوم تتلالأ في السماء مما يعكس أجواءً من الخشوع والسكينة.
فيما تروي النقوش والزخارف الإسلامية قصص الإيمان مع حضور أخاذ لرائحة المسك والعود التي تُشعر الزوار بأنهم قريبون من عالمٍ آخر.
تبدأ الصلاة فيعد الإاقامة والصفوف المتراصة من المصلين فإنها تشكل لوحات مذهلة التعاون والتعاضد، حيث يجتمع الناس بغض النظر عن أعراقهم وأفكارهم، في لحظة تمتزج فيها القلوب قبل الألسن. إن مشهد المُصلى المنير يذكّر كل من يدخل إليه بأن الإيمان هو النور الذي يقودنا في ظلمات الحياة.
فقد قالت لنا المرشدة:
"إن هذا المكان يجمع بين العلم والتعبد الروحي وستشعرون فيه براحة نفسية"
مسجد المنارتين يعد ملاذاً للروح والعقل حيث يتجدد الإيمان ويحتفي بالجمال في كل زاوية، وهو المكان الذي يشعل فيه الشغفبالتعلم ويعزز التواصل الروحي، ليبقى قلباً نابضاً في معمار المعرفة والفكر
الدفنة ...عالم آخر
بعد يوم كامل من الاستكشاف انقتلت إلى منطقة الدفنة التي سمعت عنها الكثير، ولكني عندما وصلت وجدتها تضج بالحياة الحديثة، فهنا تعانق ناطحات السحاب السماء كعروض فنية، تظهر عزم قطر على التقدم والتطور والإزدهار الدائم
وهنا راق لي الجلوس في أحد المقاهي المطلة على الخليج، حيث استمتعت بكوب من الكرك وهو المشروب المفضل لدى الكثيرين في قطر واخترت أجمل الزوايا للاستمتاع بالمنظر.
الأفق الزمني مد لي ذراعيه محاكياً لحطات من النجاح متجاوزاً الحدود والآفاق.
تركت منطقة الدفنة عندي انطباعا جميلاً حيث لا مجال للكسل هنا فالعمل على وتيرة عالية يحفز الجميع على المنافسة، والتطوير في الذات والأعمال
لوسيل باقة من الإبداع
فيما جاء يوم جديد لنكون مع مكان جديد وهو المدينة التي تُعتبر تجسيدًا للحداثة والطموح. التحفت شوارعها بالتكنولوجيا الحديثة والهندسة المعمارية المذهلة.
تجولت بين المساحات الخضراء والمراكز التجارية الحديثة، ولفت انتباهي أسلوب الحياة السلس الذي يُميز السكان هنا.
لوسيل ليست مجرد مدينة بل هب رؤية مستقبلية تبرهن على الرؤية المستقبلية للحداثة والنمو .
كتارا حي ثقافي في قلب الدوحة
قبل زيارتي لقطر والحي الثقافي كتارا في ذهني وأفكر كيف لهذا الحي أن يمتلك هذا الحضور الثقافي الكبير في المشهد العربي، فعند دخولي إليه وهو القاطن في قلب الدوحة كأنه القلب ينبض بالحياة كواحة من واحات الإبداع والفنون، حيث تستطع الشمس الذهبية على جدران أزقته وعماراته المطلية بألوان دافئة توحي بالحياة والثراء الثقافي.
هناك تبدو الممرات الواسعة بين الأشجار كأنها شرايين الحياة التي تغذي الروح بالفكر والثقافة والإبداع وعلى جنباتها أشجار النخيل التي تمتشق نحو الأعلى وتتراقص قممها مع نغمات الريح المتعانقة مع صدى الأصوات المفعمة باتلحيوية الصادرة من معزوفات الفنانين في الحي .
يعتبر كتارا ملتقى الحضارات، فكل ركن من أركانه يحكي قصة ثقافة مختلفة، حيث تعبر المعارض الفنية والمسارح عن التجاري الإنسانية في أبهى صورها ويتجلى ذلك من خلال الفعاليات التي يشهجها الحي
فهنا، تعزف الألحان وتتناغم الأنغام، فينساب الصوت من كل زاوية ليشكل سيمفونية عالمية.
لا يقتصر المكان على الإبداع الثقافي لكن للطبيعة والجمال حضوره البديع حيث يمتاز الحي بمساراته المائية التي تضفي لمسة من السكينة، إذ يجد الزوار راحتهم بجوار البحيرات التي تعكس صورةالسماء الزرقاء إلى جانب ذلك تنتشر المقاهي والمطاعم على ضفاف الممرات وتقدم مأكولات من مختلف الثقافات،مما بيجعل كل زيارة لحي كتارا تجربة فريدة لعشاق التذوق والفن على حد سواء.
فيما ترتفع في الأفق المساجد والمتاحف التي تشهد على التراث الثقافي الغني حيث يتجلى الإبداع في هندستها المعمارية التي تمتزج بين العصرية والأصالة
ومع الغروب يتحول كتارا إلى مشهد من السحر والجمال، حيث تسطع الأضواء وتبدأ الأنشطة الثقافية التي تشهد تفاعلاً من زوار الحي الذين يعيشون التجربةالحقيقيةفي التعرف على تراث وثقافة قطر .
فحي كتارا ليس مجرد مكان بل هو مساحة من الشعور والاحساس، حيث يلتقي الحلم بالواقع والإبداع بالشغف لبقى محطة للباحثين عن التميز والجمال والمعرفة
وداع مع أمل العودة
كانت زياتتي لقطر علامة فارقة في حياتي لأنها وضعتي أمام تجربة حياتية المبينية على مواصلة التحدي والطموح النباع من روح الانسان الذي يرغب بالتطور بشكل دائم، فقد أدخلتني هذه الزيارة إلى عالم من الإبداع المصقول بروح العمل والتطوير حيث يلتقي الفكر مع الأصالة وتتعانق الثقافة مع التراث.
عدت إلى بلدي محملاً بالذكريات الجميلة التي سجلتها على ذاكرة الزمن لا لتكون في عالم الأحلام بل لتكون محفزاً وملهماً لي وستبقى الدوحة في قلبي كذكريات ملونه تشع بالنور والمغامرة