هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

ليس كثيرًا... لكنه يكفيني

صورة

ليس كثيرًا؛ لكنه يكفيني


أتساءل أحيانًا عن كيفية تلك الحياة التي نريدها والكم الهائل من السعادة المختبئة خلفها، وبين ثنايا ما نحلم به ونتمناه والذي لا يكون في الغالب إلَّا ماديًّا أو قرينًا به! أصبحنا نبحث عن السعادة في "الكثير" ولا ندرك أنها أقرب إلينا مما نتصور، وربما كانت في القليل القليل الذي لا نتصوره.
قرأت ذات مرة عبارةً جميلةً جدًا وذات معنىً عميق، تأملتها ووجدتها صحيحةً بكامل وجوهها: "ليس كثيرًا؛ لكنه يكفيني". قد لا يكون ما تملك كثيرًا خصوصًا في عينيّ من حولك؛ لكن لا يهم طالما تمكَّن الرضى من قلبك وكفيت بما لك وقنعت بما عندك. إنها جملة ترد بها على من يستنقص مما لديك ويعيبك عليه وهو لا يخصُّه. 
ربما تساءلت يومًا وتأملت حال بعض من حولك، كيف يستطيعون تحمل حياتهم التي لا تتصورها بقلَّة ما يملكونه بين أيديهم؛ لتجد الإجابة هي "الرضى". ربما كان ما يملكونه ليس كافيًا لك؛ لكنه كافٍ لهم عندما احتلَّ الرضى نفوسهم، ولربما كان كافٍ لك أيضًا لو كنت مكانهم ورأيت لطف الله يتسلل إلى قلبك وتقنع نفسك بما تملك بين يديك.
نعلم جميعًا أن مفهوم السعادة قد شاع على أنَّه معنىً مادِّي تلمسه بيدك وتشعر به في قلبك، ثم إن هذا المعنى أصبح متوارثًا وزادت قيمته في عصرنا الذي طغت عليه المادة؛ لذا فإن المفهوم الحقيقي "للسعادة" وتأثيرها في النفوس بدأ يتلاشى ليحلَّ مكانه المعنى والوجه الآخر للكلمة.
لقد أصبحت السعادة باختصارها هي في "الكثير" من كل شيء. الكثير من الرحلات والفسح، الكثير من الأصدقاء والمحبين، الكثير من الطعام الشهي وموائد الاحتفالات والاجتماعات، الكثير من أواني الطبخ، الكثير من الديكور، الكثير من التسوق، والكثير من كل شيء، ثم الكثير من المال الذي يشتري كلَّ معنىً مادِّي في الوجود. 
لذا؛ وبعد ذلك كلِّه، قد لا يتصور عقلنا بأن يجد من يملك "القليل من كل شيء" ومع ذلك هو سعيدٌ ومتفائل ومنطلقةٌ نفسه بعفويةٍ في ميادين الحياة، فلم يكبِّل نفسه باللهث خلف الشهوات التي لا تنتهي والتي تزيده عطشًا واضطرابًا في نفسه لكل شيء، وتقول بعد ذلك له "هل من مزيد"!
ربما شخص كهذا تراه في حياتك، تتردد في نفسك تلك الكلمات ويخبرك بلغة وجهه ووهج نفسه وانطلاقة روحه أن "نعم، ليس كثيرًا؛ لكنه يكفيني!". 
لقد كان ما يملكونه قليلًا ربما، نعم؛ لكنه كان كبيرًا في نفوسهم، وهذا يكفي.