" يعتبر القلب أشرف ما في الإنسان " علقت هذه الجملة بأذهاني كثيراً عندما سمعتها في أحد المحاضرات التي كانت تتحدث عن ماهية القلب وأهميته كونه جزء عظيم شرّف الله به الإنسان عن معظم الكائنات الحية الأخرى. ظلّت هذه الجملة تُشغلني كثيراً، جعلتني أتعمّق التفكير في أهمية الحفاظ عليه نقيّاً وطاهراً وماذا سيحدث لهذا العضو العظيم الذي كرّمنا به الله لو أصبح فارغاً خاوياً تتخلله المفاتن والأمراض؟ وماهي الأسباب التي تجعله يؤول لذلك؟ وإن حدث وأصبح القلب عليلاً كيف أعالجه؟ كيف أطهّره؟
جميعنا بشر خلقنا الله من نفس الطين وعلى نفس الهيئة مع وجود بعض الفروقات التي ميّزت كل شخص عن الآخر وهي حكمة كونية لا دخل لنا بها، ولكن المُسلّم به أن قلوبنا جميعاً خُلقت على نفس الهيئة ولكن مع الوقت تباينت واختلفت نظراً لعدة عوامل سنتحدث عنها بالتفصيل. فكثيراً ما نسمع أن فُلاناً يمتلك قلباً طيباً حنوناً وآخر قلبه قاسي وآخر يُوصف بأنه بلا قلب. على أي أساس تم وضع هذه التصنيفات؟ وماهي ضوابط التصنيف ونحن في الأصل نمتلك نفس القلب؟ الكثير من الأسئلة التي ظلّت تُشغلني عزيزي القارئ وسأحاول قدر المستطاع الإجابة عليها في هذا المقال، لعلّنا نصل سوياً أيها القارئ إلى تصوّر علمي وعملي عن ماهية القلب.
ما هو القلب؟
عند البحث عن مفهوم شامل ووافي للقلب ستجد الكثير من المفاهيم المُفصّلة بشكل علمي وعملي دقيق من حيث أجزاءه وطريقة عمله ووظيفته الرئيسية في جسم الإنسان وفي باقي الكائنات الحية فسأصدمك عزيزي القارىء في هذه المقال بأن القلب ليس فقط مضخة دماء بل إنه يمتلك حوالي أربعون ألفاً خلية عصبية وذلك حسب ما تم اكتشافه عام 1990 أي أن القلب له عقل يفكر ويشعر ويخزّن المشاعر ويتحكم بالأمور، ومن هذا المنطلق سأضع له مفهوماً خاص من وجهة نظري بعيداً عن ماهيته العلمية. في اعتقادي، أن القلب هو بطاقة هوية الفرد الحقيقية التي تضع عنوان له وتُصنّفه وتُميّزه، فهذه البطاقة لا تستطيع الكذب ولكن إن استطعت قراءتها جيداً. تحتوي هذه البطاقة الكثير من المشاعر وتُخزّن الذكريات والتجارب والأفكار الخاصة بكل فرد. نعم لقد ذكرت أفكار فصحيح الأفكار ينتجها المخ ولكن القلب هو من يوجهها ويصيغها ويتحكم بها كما يتحكم في باقي أعضاء الجسم فكما ذكرنا سابقاً يحوي خلايا عصبية كالتي توجد في المخ. تحزن لموقف فتدمع عيونك ويتألم قولونك أو تغضب فيرتفع ضغطك وتزيد سرعة ضربات قلبك أو تشعر بالسعادة فتتفتح شهيتك ويُشرق وجهك. جميعها أفعال يؤديها مُخك نتيجة لما يحمله قلبك من مشاعر. لذلك، تجد نفسك عندما تتعرض لصدمة نفسية أو حدث عظيم تضع يدك على قلبك وليس مُخك.
كيف يُصبح قلبنا خاوياً وعليلاً بالفراغ؟
خُلقنا جميعاً نمتلك قلوباً كرّمنا الله بها ولا أخصّ بحديثي هذا من خُلق بعيب في قلبه منذ الولادة. زرع الله فينا جميع الأنسجة والشرايين والأوردة التي تجعل القلب يعمل بكفاءة ليضخ الدم إلى جميع أعضاء الجسم وخلق لنا تلك المشاعر المرتبطة به والتي تُعلّي من قدر إنسانيتنا وتُميزنا عن الحيوانات مثلاً. ولكن قلوبنا ليست متماثلة ومشاعرنا تجاه ذات المواقف مختلفة نتيجة لعدة أسباب، أولهما: التربية ونشأة الفرد هما أساس صقل جميع القيم وتثبيت الوازع الديني ومراجعة سلوكياته باستمرار فمن نشأ على الأخذ دون العطاء يصبح قلبه أنانياً ومع الوقت تتولّد الكراهية بداخله لمعظم من حوله. ثانياً: الصحبة السيئة فقد تكون نشأة الفرد سليمة ولكن احتكاكه بأصدقاء أثروا على مبادئه وأخلاقه فكان مادة هشة استطاعوا أن يُغيّروا ما كان عليه وذلك يرجع لاقتناعه بهذه المبادئ بعقله ولكنه لم يحبها بقلبه ولم تؤثر فيه منذ البداية. أضف إلى ذلك، ما نعيشه من مؤثرات بصرية وذهنية وسوشيال ميديا تافهة تجعل القلب مُتعلّق بهذه المغريات والحياة السريعة التي نعيشها فنبتعد عن كل ما هو حقيقي ونرتبط بالأشياء الخالية من أي قيمة تُذكر لمجرد أنها زاهية وبرّاقة والجميع مُنجذب لها ويصبح فضولياً يتتبع أخبار الناس فيحقد على من كان حاله أفضل منه ويشمت فيمن كان حاله أسوأ منه. ثالثاً: الوازع الديني ضعيف وغير متماسك ولقد تعمّدت أن أجعله ثالث سبب بعد التربية والصحبة لإننا جميعاً مسلمون بالفطرة وقد نحيا ونموت ولا نعرف الله حق المعرفة فبعد مرحلة المراهقة والبلوغ يبدأ العقل بالنمو وحينها تتشكّل اهتمامات الإنسان حقاً وآرائه ومعتقداته فمن يسلك سبيله لمعرفة الله والتثقّف في ديننا والقرآن الكريم يجد كم هو دينٌ يسير لم يترك شيئاً واحداً عبثاً ويدرك أيضاً كم أنّ ربنا رب عظيم ومن كان قلبه عامراً بذكر الله كيف سيمتلأ قلبه بالحسد والحقد والكره والقسوة وباقي أمراض القلب؟ أخيراً وليس آخراً: الشغف الذي يحتاج إليه كل فرد ليكمل به حياته حيث لا يوجد أحد على وجه هذه الكرة الأرضية لا يمتلك موهبة أو حرفة أو مهارة يتمتع بها فيشغل عقله وقلبه بها عن أي فراغ قد يشعر به أو ملل أو مرض قلبي يصيبه.
جميع هذه الأسباب قد تجعل القلب فارغاً من أي مشاعر ذات قيمة تُذكر فيفقد الإنسان إنسانيته تدريجياً ويصبح أقرب للحيوان يأكل ويشرب ويتزوج ولا يؤثر فيمن حوله أو أقرب للآلة الفارغة من أي مشاعر أو أفكار خلّاقة فينسى دوره الذي خُلق من أجله وهو العبادة وعمارة الأرض ويصبح حياً بلا أي حياة.
الخاتمة:
القلب عضو خطير وهو نعمة أكرم الله به علينا فلا تستهزأ بدوره عزيزي القارئ. بدون القلب لن يتسنى للإنسان أن يصبح إنساناً فكما تملأ معدتك بالطعام اللازم املأ قلبك بالأفكار الإيجابية التي تُغذيه وتُعلّي من شأنه وأصقله بالمشاعر الرقيقة التي تُميّزنا نحن البشر وابتعد عما يقولونه بأن القسوة وسوء الظن والتقليل من البشر وكرههم هي أفضل وسيلة للتعايش فنحن نعيش في زمن غريب وسط مجتمع أشبع بالغابة كما يقولون. اجعله يقوم بدوره على أكمل وجه فوظيفته الأساسية فهم أعمق للمشاعر وتحليلها وممارسة الحب المنطقي فلا تجعله يحيد عن هذه الوظيفة العظيمة فالقلب النظيف هو من يُشكل كينونتك لتبقى إنساناً شريفاً، إذن فالقلب هو أشرف ما في الإنسان حقاً. كُن أنت المثال الصحيح للصورة التي يجب أن يكون عليها الإنسان ولا تدّعي المثالية وتحاول أن تصل إليها، فقط كن بشرياً ترحم البشر وتشعر بهم وتعذرهم تُقدّر أفراحهم وتتعاطف مع أحزانهم تُخطيء فتعتذر ولا تستحي لذلك. فالقلب كما قولنا هو بطاقة هوية تُحدد مدى ما تحمله من إنسانية تجاه نفسك والمحيطين بك وتجاه الحياة بذاتها وتصف أفكارك ومعتقداتك ولكنها بطاقة هوية عميقة واسعة ومتغيّرة ليست ثابتة قد تتقلب وتتغير. وهذا هو التحدي والاختبار الأصعب في الحياة أن تُحافظ على قلبك نقياً سليماً مُعافى من العلل في ظل وجود العديد من القلوب الباهتة فلا يتغير ولا يتلوّث وهو ما سينقذك في النهاية كما ذكرت الآية الكريمة: "إلا من جاء بقلبٍ سليم". ❤
المراجع:
سورة الشعراء.. الآية (89):