
بقلم:سارة خماش الزهراني
في لحظات الحيرة الكبرى، لا يعود الطريق مجرد خطّ مرسوم على خارطة، بل يصبح اختبارًا داخليًا: هل أتابع المسير بما أؤمن به، أم أترك قلبي يتفاوض مع الواقع حتى يفقد صوته؟ يبدو المبدأ أحيانًا كشيء ثقيل نجرّه خلفنا، والمصير كشيء بعيد يلوّح لنا من آخر الأفق، حتى نظن أن بينهما عداوة سرية لا نُحسن فكّ شيفرتها.
نصبر على مبادئنا لأنها تشبه أعمدة الروح، ونتوجّس من مصائرنا لأنها لا تقدّم ضمانات نهائية،نريد أن نبلغ النقطة التي تتصالح فيها القيم مع الحياة، ولا نعرف أين تكون،وربما لن نعرفها إلا حين نصل لها صدفة.
في الحقيقة،ليست كل الطرق التي نختارها بوعي هي الأقرب إلينا،هناك طرق تلتقطنا من حوافّ الارتباك، وتعيد ترتيب أولوياتنا دون أن تستأذن.
هناك وجهات تنبت في حياتنا مثل مفاجأة مُطمئنة، وجهات لم نكن نقصدها أصلًا… ثم اكتشفنا أنها كانت الأكثر شبهًا بنا.
وربما تكون أجمل الوجهات تلك التي لم تقصد الوصول إليها أبدًا.
التي لم تضع لها خطة خمسية، ولم تدافع عنها بمبررات، ولم تجرّب فرضها على الواقع، جاءت وحدها، مثل فكرة عابرة تحوّلت إلى حياة كاملة،مثل طرقات يضيئها الله لنا لأننا تعبنا من الافتراضات.
الحيرة بين المبدأ والمصير ليست ضعفًا.
هي عملية صيانة للروح، تمرين شاق على أن نكون صادقين مع أنفسنا، لا مع توقعات الآخرين.
أن نعرف ما الذي يمكن التخلي عنه دون أن نخسر صوت القلب،وما الذي يجب أن نمسك به حتى لو تكسّرت الأصابع.
نحتاج أحيانًا إلى الجرأة:
جرأة أن نبقى، وجرأة أن نغادر.
جرأة أن نعيد تعريف المبدأ ليصبح قابلًا للتنفس،
وأن نعيد تعريف المصير ليصبح قابلًا للتحقق.
لا بأس أن نبطئ،لا بأس أن نستريح قليلًا ونراجع معادلة الطريق،فما خُلق الإنسان ليستعجل الوصول، بل ليُحسن السعي،وما خلق الله المصائر لتُرى من بعيد، بل لنتشكل ونحن نقترب منها.
وفي النهاية، قد نكتشف أن كل ما حدث لم يكن صدفة بالكامل،ولم يكن تخطيطًا محضًا أيضًا،بل كان شيئًا بين هذا وذاك:
لمسة خفية من العناية، تخبرنا بأن الطريق يعرفنا أكثر مما نعرفه.