نظن دومًا أن الذاكرة كسبورة المدرسة، فيها طباشير وممحاة. تسجل الذاكرة جميع الأحداث والمواقف وقد تستخدم ألوان طباشيرٍ مختلفة حسب كل موقف، ولكن الممحاة غير متاحة. في هذه الحالة، هي أداةٌ وهمية يخترعها العقل لإقناعنا أنّ الأمر مُحِيَ من الذاكرة إلى الأبد.
النسيان ... خيانة
ننسى أحيانًا وجود تلك الغرفة الصغيرة المظلمة في الذاكرة. لا تُفتح إلا باستدعاءٍ رسمي من الحياة، وحين تُفتح على مصراعيها تملأ المكان رائحة الحزن والدمار التي كانت مكبوتةً لسنين.
قرأت مرّةً عبارةً: "النسيان خيانة فيجب ألا ننسى". تسائلت كيف لفعلٍ عقلي شخصي لاإرادي أن يُعتبر خيانة. أتصور أنّ الخيانة دومًا ما تكون بأفعالٍ عنيفة متعمدة ولكن اتضح لي بعد تأمل العبارة أن الأمر قد يكون بضغط زرٍّ في الذاكرة، اختيار ثم مسح. ولكن الموضوع أقعد من ذلك، فخيار المسح متاحٌ لفتراتٍ محدودة وحين تعود الذكرى تعود أقسى وأسوء من قبل.
قد يكون النسيان خيانةً لأنفسنا أو للآخرين. نخون حين ننسى الذكريات السعيدة، وحين ننسى من ساعدنا في وقت الشدة، وحين ننسى الأحباب، وحين ننسى الواجبات المترتبة علينا، وحين ننسى قضيتنا الأساسية في الحياة وحين وحين وحين.
الذاكرة خائنةٌ بطبعها
قد تكون الذاكرة خائنةً أحيانًا لأنها تنسينا اللحظات السعيدة، فنحن نجبر الذاكرة على نسيان الحزن ولكنها تختار نسيان السعادة. هل هي حقًّا تختار نوع النسيان؟ هل تتعمد الذاكرة اختزان التعاسة وإطلاق سراحها متى ما شاءت؟
كل هذا يؤدي إلى استنتاجٍ واحد... أنّ الذاكرة أنثى بوجهين. تريك الورود حينًا ثم تلقي بك حينًا.
ربما نحن المخطئون في نهاية المطاف. يجب أن نتشبث بهذه الذكريات إلى آخر رمق ألّا نفلتها للزمن أو لغدر الذاكرة.
قد تكون الذكريات نفسها هي الغدارة أيضًا، تأتينا لبرهة ثم تختفي لدهر. وتتعدد الأسباب، ربما لمنحنا أملًا ضئيلًا أو لتذكرينا بما كنا عليه سابقًا فنعود لسابق عهدنا.
أنتَ ذكرياتك
فلتكن وفيًّا للذكريات التي ابتسمت فيها من قلبك وضحكت فيها وكنت فيها أفضل نسخةٍ من نفسك... فهي ما سيبقيك أنت...