تأملات في رمزية الحلم: طريقٌ إلى اللاوعي والإبداع

الحلم، كما يقول فرويد، هو الطريق الملكي الكبير نحو اللاوعي. وبعض الأحلام  عابرة ، ولكن البعض الآخر من أحلامنا في غاية الأهمية، لأنها طاقات خام غاية في العمق ينتجها العقل بحرية تامة، وهي صور أصيلة مليئة بالطاقة والعاطفة والرمز.

وكثير من الفنانين أخذوا من طاقة الأحلام مادة للإبداع الفني. سلفادور دالي مثلًا رسم لوحات كثيرة من وحي أحلامه، مثل لوحة الساعات الذائبة، حيث رأى أثناء نومه مشهدًا صحراويًا ساكنًا تتدلّى فيه ساعات ذائبة على فروع الأشجار وسطح طاولة.

وأيضًا كافكا كتب الكثير من القصص القصيرة بناءً على أحلامه، منها قصة التحول ورواية المحاكمة. فضلًا عن أنه ترك وراءه الكثير من المذكرات واليوميات والرسائل التي تضمنت أحلامه، مثل رسائله إلى ميلينا.

وقالت ماري شيلي إن أصل روايتها الشهيرة فرانكنشتاين ما هو إلا كابوس رأته في المنام، ثم إنها طورت وأضافت إليه تفاصيل حتى أصبح تلك الرواية العظيمة.

أما خورخي بورخيس فكان يستخدم أحلامه كثيرًا في قصصه القصيرة، وكان يعتبر الأحلام مختبرًا للأفكار الميتافيزيقية.

وأيضًا أديبنا نجيب محفوظ سجّل بعض أحلامه في أصداء السيرة الذاتية بطريقة أدبية وفلسفية غاية في الرقي.

وفي السينما هناك ديفيد لينش، المخرج العظيم الذي يُعتبر سيد "سينما الأحلام"، فكثير من أفلامه مثل امشِ معي في النار أو طريق مولهولاند اعتمدت على منطق الحلم، فالأحداث تتبدل بلا سبب، والشخصيات تتخذ مسارات غير اعتيادية، وفهم أفلامه لا يعتمد على المنطق بل على الشعور والرمز، وهذا هو مدخل الفن التشكيلي والسريالي بشكل عام.

ومن المهم ألا نتوقف عن الحلم، سواء كنا نائمين أو مستيقظين، ولكن الأهم من ذلك ألا نتوقف عن كتابة أحلامنا. فنحن حين نضع أحلامنا على الورق، تتخذ وجودًا ماديًا مستقلاً، وتصبح قابلة للفهم والتحقق، على الأقل نظريًا.

وأنا سأحاول لأول مرة في حياتي أن أضع حلمي كما هو على الورقة، لعلّي أفهمه:

رأيت فيما يرى النائم أنني أدخل نفقًا مظلمًا يؤدي في نهايته إلى حجرات خشبية صغيرة متجاورة، تشبه غرف الساونا في الفنادق. وكان أحد الموظفين، الذي لم أتبين وجهه، يسجل بياناتي ويعطيني مفتاح غرفتي بدون المرور على الاستقبال. صعدت الطابق الأعلى وأنا غير مرتاح، أفكر كيف سأنام في تلك الغرفة الضيقة، وغالبًا هي بالداخل حارة، وقلت: "سأشتكي".

وجدتني في مكتب شرطة، والضابط كان الفنان محمد الشقنقيري، كان يمسك بمطواة مغلّفة في جراب جلدي، ويهز الكرسي الذي يجلس عليه إلى الجانبين ويتوعدني: "مش عايز استظراف، انت جابوك من الصحراوي، ومعايا الدليل، وأدي كمان الشاهد."

نظرت إلى جانبي فرأيت المطرب سعد الصغير هو الشاهد، ونسيت التحقيق ورحت أقول له كم أنا أحبه وكم أنا زعلان منه. سألني عن السبب، فقلت له: عندما كنت أعمل نادلاً في فندق سيتي ستارز منذ 15 عامًا، كان هو يحيي إحدى الحفلات، وعدني مساعدوه بأنني سوف تتاح لي فرصة التقاط صورة معه،وانتظرت طويلاً، ولكنهم أخلفوا موعدهم.، فهو كان قد جاء متأخرًا ودخل القاعة مسرعًا. (وتلك حادثة حقيقية).

اعتذر الفنان وقال: "حقك عليّ، أنا كنت عيّان، اعتبرني يا أخي زي أبوك." وأخبرته أنه يبدو في الحقيقة أصغر كثيرًا من التلفزيون، وأشرت إلى الدليل، وكانت فوق رأسه صورة فوتوغرافية لأطفال. نظرنا إليها سويًا، وبدأ الأطفال يتحركون داخل الصورة، كانوا يلبسون جلاليب بيضاء وصفراء، ويدخلون معًا فيما يشبه فريق استعراض حاملين شمعدانات، متوجهين إلى داخل حلبة رقص مضيئة، وهم ينظرون إلينا من داخل الصورة، وبدأ بعضهم يشير إلينا إشارات خارجة بالأصابع.

وقال سعد الصغير: "هنصحك نصيحة، أنا أبويا زي أبوك بالضبط، بس الفرق إن أبوك مش بيصلي، وإن أبويا بيشتغل بحّار وبيصطاد سمك." فاستغربت وقلت: "أبويا بيصلي!" وردّ عليّ وهو خارج من الغرفة: "ربنا يهديهم بقى."

كنت أنوي أن أقول إن أبي مات عام 98، لكن وجدت سعد الصغير قد مشى، ووجدتني واقفًا في الغرفة وقد تحولت بقدرة قادر إلى طريق النصر امتداد شارع صلاح سالم. كنت أقود سيارتي "الياريس" الصفراء، والطريق فارغ إلا من بعض السيارات، لكنها لا تتحرك. كنا أمام طيبة مول من الناحية الأخرى، لكنه في الحلم كان مكتوبًا عليه خطأ سيتي سنتر.

قلت لمن معي: "الطريق واقف، أنا كده هتأخر على الشغل." وأخرجت هاتفي المحمول وبدأت أصور فيديو حتى أرسله لمديري في العمل إثباتًا، والغريب أن في الفيديو كان الطريق يتحرك، بينما في الحقيقة كان الطريق واقفًا.

وقلت: "مبدهاش بقى." ومن معي اكتشفت أنه الدكتور أحمد زويل الحائز على جائزة نوبل. قرر أن ينزل من سيارتي ويستقل ميكروباصًا كان خلفنا مباشرة، وأوصاني أن أبحث في سيارتي عن كريم الشعر الخاص به وأرسلَه إليه إذا وجدته، وقال: "سلام عليكم." وأشار إلى السائق ثم مضى الميكروباص.

تحركت أنا الآخر بالياريس وكنت وحدي، وفجأة بعد ثواني اكتشفت أنني لست وحدي في السيارة، كان بالخلف عائلة لا أعرفها مكونة من فردين أو ثلاثة، وبجانبي أطفال مع امرأة تزاحموا وقد صعبوا حركتي بيدي في القيادة، مما اضطرني إلى القيادة وأنا مائل إلى الجانب قليلًا.

قالوا لي إنهم يريدون الذهاب إلى منطقة بيت القش في الجفير، فأخبرتهم أنني لا أستطيع هكذا أن أقود ولا أن أرى الخرائط، لكنهم أصرّوا، ألا ينتقل بعضهم إلى الكنبة الخلفية.، وكانت النتيجة أن دخلت بالسيارة في شارع خطأ، وقلت: "عاجبكم كده؟"

قالت إحدى السيدات: "معلش، يا أسطي ،دول زي بناتك ، انزل اسأل حد عن العنوان." فنزلت من السيارة، ونزلوا هم أيضًا، وتمشّيت قليلًا، والتفتّ للخلف فلم أجد السيارة، والشارع غير الشارع. بدأت أبحث هنا وهناك فلم أجدها، ولمحت من بعيد أصحاب الجامعة (سعد، ورفعت، ومنعم، وسمير) وهم يرمقونني بنظرة جانبية، يلمّون بعضهم ويتجهون بعيدًا عني، ذاهبين إلى قصر مضيء كبير شبيه بقصر عابدين محاط بالأسوار الحديدية العالية..ولكنهم، رغم وجود الأسوار، كان لديهم واسطة علي البوابة ستدخلهم إلى هناك على أي حال، وقلت في سري: "من غيري يا أندال؟"

ووجدت البلد قد تغيّرت، والناس من حولي ليسوا شبه المصريين، والميدان شبيه بشوارع الأوبرا في يريفان بأرمينيا، بالمباني القديمة المزخرفة ورسومات الحوائط. كانت هناك لسعة برد، ورأيت وجوه الناس الحمراء وملابسهم الشتوية.

ولم أعرف من المارة إلا ناهد فريد شوقي التي توقفت وسلمت عليّ  بحرارة وقالت: "بابا مبسوط منك أوي، قرى روايتك الأخيرة، صحيح إنها كلها شتايم وأخطاء، بس هو حبّها." فأخبرتها أن ذلك شيء غريب، خصوصًا أن الجميع الآن يستخدمون شات جي بي تي من أجل كتابة القصص، فقالت: "ما هو عشان كده عجبته، إنك مش زيهم، إنت لسه بني آدم، وده سر جمالها."

ثم مشت.

ورأيت على أحد المقاهي فاروق حسني، وزير الثقافة السابق، يسحب كرسيًّا ويجلس عليه بالمقلوب في حركة سينمائية لطيفة، بدا شابًا خفيفًا وشعره أسود مصبوغ، وقال شيئًا لا أتذكره.

ووجدت نفسي ما زلت أبحث عن سيارتي "الياريس" وعن أصدقائي في بلد غريبة، وقلت لنفسي: "دي تحويشة العمر راحت..."

وشعرت بالحزن لأني لم أطفئ محرك السيارة، مما يعني أن البنزين يقترب من النفاد بمرور الوقت. قعدت أتلفت في الشوارع وأبحث في المباني عن أي علامة مميزة تدلني على الطريق، لكنني وجدت الطرق ضيقة للغاية، ولا تشبه وسط البلد أبدًا، وقلت: "مستحيل أكون في القاهرة.. أقطع دراعي!"

ونظرت  على القمة، فرأيت  طريقًا أسفلتيًا منحدرًا من أعلى إلى ناحيتي، يؤدي في نهايته إلى فضاء واسع وميدان تملؤه ضوء شمس. قلت لنفسي: "من الممكن أن أصدقاء الجامعة ذهبوا هذا الاتجاه." فصعدت بصعوبة ناحيته، وكانت قدماي تؤلماني عند الصعود من شدة التعب، ولاحظت أنها تثقل عندما أمشي، ويتوقف الألم عندما أقف..

ولكنّي تحاملت و أكملت المحاولة .. 

خطوة... خطوتين... وأفقت.

📚 المراجع

معنى لوحة “إصرار الذاكرة” لـ(سلفادور دالي) - ساقية

سلفادور فيليبي خاثينتو دالي إي دومينيتش (1904-1989)، رسام إسباني. يُعتبر (دالي) من أهم فناني القرن ا

تصفح المرجع ↗