هذه النسخة السريعة من الموقعانتقل للنسخة الكاملة ←

الإفصاح وعدم الإطناب على ما في الإلحاد من الاضطراب

              

       مدخل:

 بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي هدانا وجعل البيان سبيلا للتمييز بين الحق والباطل، والصلاة والسلام على من أرسله رحمة للعالمين، وبعد:

فإن أعظم ما يُصادفه الفكر البشري منذ بدأ الإنسان يدرك نفسه والعالم من حوله، هو مسألة المعنى والغاية في الوجود، فهي التي توجه الفكر، وتستحث القلب على السعي، وتضبط السلوك بالعدل والخير، وتمنح الوجود كله انتظامه وتوازنه. ومن هنا كانت الحاجة إلى دراسة أعمق للمسائل التي يثيرها الإلحاد، والذي يزعم بلا برهان أن الكون كله بلا غاية، وأن الحياة بلا معنى، وأن الأخلاق بلا أساس، وأن مصير الإنسان محدود بالنهاية المادية، فيسقط كل تقدير للحق والخير، ويصبح العقل مضطربا، والفطرة مشوشة، والنفس محبطة.

وقد رأيت أن من أعظم واجبات الفكر الإسلامي والعقل السليم، أن نعرض هذه المزاعم على ميزان العقل والمنطق والفطرة، وأن نبين الخلل الذي تنطوي عليه، والاضطراب الذي تلحقه بالنفس البشرية، وأن نوضح كيف أن إنكار الغاية، ونفي الحياة الأخرى، ونقد الدين بلا برهان، كل ذلك يؤدي إلى اضطراب عقلي ونفسي، ويعطل فطرة الإنسان، ويقوض المعايير التي بها يُعرف الصواب والخطأ.

فهذا الكتيب سعي عقلي متأمل، وتجربة فكرية متزنة، نسير فيها على هدي الفطرة، ونستلهم فيها منهج يجمع بين العقل وفهم الفطرة، وبين البرهان العقلي والتجربة المعرفية، وبين تحليل الأسباب والتدليل على النتائج.

ومن هنا كانت ضرورة البدء بالمبادئ الأولى، مثل الغاية في الوجود، والحق في الحياة الأخرى، والعقل والفطرة، قبل أن نعرض لموضوعات أكثر تفصيلا مثل ادعاءات الملحدين في العلم، والأخلاق، والدين، والحياة بعد الموت، وكلها مسائل ترتبط ارتباطا وثيقا بأسس الوجود وفطرة الإنسان.

واعلم _ أيها القارئ العزيز_ أن هذا البحث يتخذ أسلوبا ممتدا، صريح المعنى، متدرج الدليل، متوازنا بين العقل والنقل والفطرة، لكي يُثبت أن الفطرة البشرية والعقل الصريح كلاهما يرفضان الإلحاد، وأن إعمال العقل المنطقي والفطري يكشف عن الاضطراب النفسي والعقلي الذي ينطوي عليه هذا القول، وعن فساد أصله وخلل منهجه.

فأما بعد، فاعلم أن رحلتنا الفكرية هذه هي سعي لفهم الحقيقة، وتهذيب النفس، وبيان عيوب التفكير المضاد للمعقول والفطرة، وتأكيد أن العقل السليم لا يرضى بلا غاية، ولا يقبل العبث، ولا يطمئن إلى الباطل.

فصل:

إنك إذا تأملت أحوال هذا الخلق، وتدبرت دقائق النفوس، واعتبرت مجاري العقول، علمت أن الله تعالى لم يجعل للإنسان سبيلا إلى إدراك الحق إلا عبر ثلاثة طرق متلازمة: طريق الفطرة التي هي أول المعارف، وطريق العقل الذي هو نور على نور، وطريق الوحي الذي يكشف للعقل ما خفي على الفطرة، ويبين للفطرة ما خفي على العقل.

ثم إنك تجد أن هذه الطرق الثلاثة تتضافر على أصل واحد، هو أن الوجود ليس عبثا، وليس النظام صدفة، بل كل شيء يجري على قواعد محكمة، لو انخرمت واحدة منها لانخرم الكون بأسره.

فبهذا التقدير يتضح أن الإلحاد ليس من قبيل "النظر الخالص"، بل هو في كثير من صوره اضطراب في النفس قبل أن يكون اضطرابا في البرهان، وضيق عن تحمل أسئلة الوجود قبل أن يكون "مذهبا فكريا" كما يزعم أصحابه.

ثم إنك إذا حاولت أن تقيم محاورة صادقة مع أحد الملاحدة، رأيته يقبل المقدمات التي يهدم بها مذهبه، ويرفض المقدمات التي يقوم عليها البرهان.  فتارة يسلم بأن لكل حادث سببا، ثم إذا سُئل عن سبب وجود الكون قال: “السبب غير مطلوب هنا.” وتارة يزعم أن العقل حاكم على الأشياء، ثم إذا حاججته بأن كارهي السببية يهدمون العقل نفسه، قال: “العقل منتج للدماغ فلا يُعول عليه.” وبهذا ترى أن الإلحاد يبدأ بإنكار ويُبنى على إنكار وينتهي إلى إنكار، لكنه لا يعطي إثباتا واحدا صالحا للبناء الذي يرفعونه شعارا. بل إنك لو استخرجت من كلامهم جميع الفروض، لما وجدت فيها إلا سلسلة من “لا أدري” المعلقة في هواء الظن دون ربط أو قاعدة.

وإذا التفت إلى أصول النظر، وجدت أن كل سؤال لا بد أن يكون مبنيا على تصور صحيح لمحل السؤال، وإلا كان السؤال فاسدا في نفسه. ومن ذلك سؤالهم المشهور:

"إذا كان لكل شيء خالق، فمن خلق الله؟"

فنقول لهم: إنما يصح هذا السؤال على كائن ممكن الوجود يقوم بوجود غيره، لا على واجب الوجود الذي يقوم كل شيء بوجوده.

فاتهم هذا السؤال من أوله إلى آخره قيامه على تخيل سقيم؛ إذ هم يظنون الخالق واحدا من جملة الأشياء، ثم يسألون عنه سؤالهم عن سائر الأشياء. تعالى الله عما يشركون.

فلو صدق هذا المنهج لوجب أن يكون كل مبدأ مؤسس محتاجا إلى مبدأ، وكل نظام قائم محتاجا إلى نظام، وبذلك نصل إلى تسلسل لا ينتهي، وهو باطل بالعقل؛ لأن ما لا نهاية له في التسلسل لا يتحقق وجوده، وما لا يتحقق وجوده لا يثمر أثرا، وما لا أثر له لا يعقل أن يتسبب الكون عنه.

ثم إنك إذا حاولت أن تستكشف العقل الإلحادي من داخله، وجدت أنه ينقض نفسه بنفسه من غير حاجة إلى أن ننقضه نحن. فإذا أنكر وجود الغاية، عاد إليه السؤال: “وما الغاية من نفي الغاية؟” وإذا أنكر وجود القيمة الأخلاقية الموضوعية، عاد إليه السؤال: “وبأي معيار حكمتَ على الدين بأنه باطل أو ظلم أو سفه؟” وإذا أنكر الوعي وقال إنه نتاج التفاعلات الكيميائية، عاد إليه السؤال: “ومَن الذي يحكم إذن على صحة حكمك إن كان حكمك نفسه تفاعلا كيميائيا لا صلة له بالصدق والكذب؟”

فأنت ترى أن الإلحاد يأخذ المسلمات التي تُقيم العقل، ثم ينقض بعضها ليُبقي بعضها الآخر، فيصير العقل عندهم نصف عقل ونصف بطلان، فلا يثبتون المعيار ولكن يستخدمونه، ولا يؤمنون بالمعنى ولكن يحتكمون إليه، ولا يعترفون بالغائية ولكن يسألون عن غاية عدم الغاية.

ومن أعجب ما ترى، أنك حين تسألهم عن تفسير وجود النظام المحكم في الكون، قالوا: "الصدفة".

 فنقول لهم: إن الصدفة ليست تفسيرا وإنما هي اعتراف بالعجز عن التفسير؛ لأنها لا تمتلك قوة إيجاد ولا خاصية توجيه، ولا قدرة على تفضيل أحد الاحتمالات على غيره. فالعقل لا يقبل أن البناء المتقن حصل بلا مهندس، ولا أن الكتاب المعجز يحصل بلا كاتب، ولا أن النظام الرياضي يحصل بلا عقل مدبر.

فإن قالوا: "ولكن التطور قد يفسّر الحياة"،

 قلنا: التطور إن صح لا يفسر أصل الوجود ولا أصل القوانين ولا أصل المادة، ولا يفسر لماذا يؤدي التطور إلى ازدياد التعقيد بدل أن يكون عبثا لا ينتج إلا عبثا.

فإذا تأملت هذه الفصول، علمت أن الملحد وإن ادعى العقلانية فإنه يهرب من السؤال العقلي الأعظم، ألا وهو: لماذا يوجد الوجود بدلا من أن لا يوجد؟ ولماذا هذا الوجود منظم متقَن بدلا من أن يكون فوضى لا نظام فيها؟ ولماذا يملك الإنسان وعيا يعقل القوانين؟ ومن الذي طابق بين عقل الإنسان وقوانين الكون المطردة بحيث يفهم بعضها بعضا؟ ولماذا تتجه النفس بطبعها إلى الغاية والقيمة والمعنى؟ وهل يمكن أن يكون معنى الوجود قائما في كون لا معنى له من أصله؟

هذه الأسئلة لا يستطيع الإلحاد الإجابة عنها لا بالعقل ولا بالنقل ولا بالتجربة، لأنها أسئلة تتعلق بالعلة الأولى، والإلحاد لا يملك علة أولى، ولا يقبل علة أولى، ولا يستطيع أن يفسر غياب العلة الأولى.

فهم يهربون من "القدرة" ثم ينسبون القدرة إلى المادة، ويهربون من "الإرادة" ثم ينسبون الاختيار إلى العشوائية.

فإذا جُمعت أقوالهم، كانت تسليما بالغيبيات ولكن بلا نظام، وقبولا بالمسببات ولكن بلا سبب، وتعظيما للطبيعة كأنها إله، وإنكارا للإله كأنه طبيعة.

في نقض دعوى العشوائية وبيان استحالة صدور النظام عن غير مدبر

**

واعلم أن أصل الإلحاد في هذا الباب يقوم على مسألة تُظن صغيرة، لكنها عند التحقيق أم الشبهات، وهي قولهم: إن النظام الناتج عن الكون إنما حصل اتفاقا أو عشوائية أو صدفة، بلا حاجة إلى مدبر، ولا إلى مخصص، وهذه الشبهة _ وإن تعددت صورها _ تعود عند التحليل إلى دعوى واحدة، وهي إنكار مبدأ الترجيح الذي عليه يقوم كل عقل، وكل منطق، وكل فهم. ولنشرع في تفصيل القول فنقول:

أولا: في بيان فساد مفهوم "الصدفة" نفسه

إن لفظ "الصدفة" _ عند التحقيق _ ليس اسما لشيء موجود في الخارج، بل هو لفظة تُطلق على ما جهلت العقول سببه. فالإنسان لا يقول عن شيء "إنه صدفة" إلا إذا لم يعرف علته؛ فإذا عرف العلة، بطل اسم الصدفة.  فالصدفة وصف بالجهل في هذا الباب لا وصف للوجود.  

وإذا كانت الصدفة جهلا، كان جعلها تفسيرا للوجود جمعا بين النقيضين؛ لأن الجهل لا يصير علما، والعدم لا يصير وجودا، وما لا معنى له لا يصير تفسيرا لشيء له معنى.

ثم إن من قال: هذا حصل بالصدفة، فقد قال: لا أدري، ولكنه جعل لا أدري اسما لشيء زعم أنه يفعل ويدبر. فإذا كان الأمر كذلك، علمتَ أن قول الملحد: “الكون نتج عن الصدفة” هو في الحقيقة قولُه: “الكون نتج عن لا شيء”، وهذا هو عين السفسطة.

ثانيا: في إبطال صدور النظام الدقيق من غير مُنَظِّم

وإنك لو فتشتَ العقل من أوله إلى آخره، ونقّبتَ في قوانينه، وأعدت النظر في ضرورياته، لوجدت أن العقل لا يقبل أن يكون النظام بلا ناظم، ولا أن يكون الاتساق بلا قصد، ولا أن يكون الانتظام بلا مخصص يختار هذا الوجه دون ذاك.

فالنظام ليس مجرد اجتماع أشياء، بل هو اجتماع على هيئة مخصوصة، ولو تبدلت هذه الهيئة أو تغير موضع واحد من مواضعها لاختل المعنى كله.

فإن قال قائل: “إن اجتماع العناصر أدى إلى هذا النظام بالصدفة.” فنقول: هذا القول يبطل بأدنى تأمل؛ لأن اجتماع العناصر قد يحدث ملايين المرات ولا ينتج عنه شيء ذو نظام، بل تنتج منه الفوضى. فالذي يحتاج إلى تفسير هو لماذا اجتمعت العناصر بهذه الصورة لا بتلك؟

ثم إنك إذا عددت أعداد الاحتمالات، وجدتَ أن احتمال حصول حياة قابلة للتطور في كون بلا عناية هو احتمال يساوي الصفر رياضيا. والعقلاء يُجمعون على أن ما كان احتمال وجوده قريبا من العدم، ثم وجد بأدق ما يكون، لم يكن وجوده اتفاقا بل قصدا.

ثالثا: في استحالة قيام القوانين على العشوائية

واعلم أن القانون ليس شيئا يفعل، ولا قوة تؤثر، وإنما هو وصف إحصائي لكيفية انتظام الفعل. فإذا قال الملحد: “القوانين هي التي أنتجت الكون.” قلنا: هذا مثل أن يقول: “إن النحو هو الذي أنشأ الكلام.” أو يقول: “إن قواعد الموسيقى هي التي عزفت اللحن.”

فالقوانين تابعة للكون لا متقدمة عليه، ومفسَّرة به لا مفسِّرة له.

فإذا كان الكون محتاجا إلى قانون، والقانون نفسُه محتاجا إلى تفسير أعلى، علمت أن الاحتجاج بالقانون احتجاج بالمعلول لإبطال العلة، وهذا قلب للحقائق.

رابعا: في أن العشوائية لا تنتج عقلا، والعقل يشهد بنفسه لنفسه

ولو سلمنا _ جدلا_ أن الكون بدأ بعشوائية، فكيف خرج عقل يدرك قوانين الكون من تلك العشوائية؟ وهل يمكن أن ينتج عن عبث عقل منظم؟ إنك لو رميتَ أحجارا في الهواء ألف مرة، لما خرج منها حجر على هيئة كتاب مرتب. فكيف يُعقل أن ترمي ذرات بلا قصد، فتنتج وعيا قادرا على فهم ذاته وفهم الكون؟ وفاقد الشيء لا يعطيه، فالطبيعة العمياء لا تهب بصيرة، والصدفة لا تهب معنى، والعشوائية لا تهب قانونا، وما لا عقل له لا ينشئ عقلا.

فإذا كان العقل شاهدا على نفسه، وشاهدا على انتظام الكون، صار شهادة العقل على الخالق أصدق من شهادة أي تجربة.

خامسا: في أن الإلحاد يقف على حافة اللاشيء ولا يجد مستندا

وحقيقة الإلحاد أنه هرب من سؤال العلة لا إجابة عنه.

فالملحد إذا سئل: “من أين جاء الكون؟” قال: “من الانفجار الكبير.” فإذا سئل: “ومن أين جاءت المادة والطاقة التي انفجرت؟” سكت أو قال كلاما هو أقرب إلى الشعر منه إلى العلم.

وإذا سئل: “ولماذا كانت القوانين قابلة للفهم؟” قال: “هكذا وجدناها.”

وإذا سئل: “ومن الذي ضبط المقادير بحيث لو تغير واحد منها بنسبة واحد في مليون لما كانت حياة؟” قال: “صدفة.”

فإذا سئل: “وما الصدفة؟” قال: “لا شيء.”

فصار قوله في نهاية المطاف: إن الكون نتج عن لا شيء، بطريق لا معنى له، ليعطي عقلا لا تفسير له، يعيش في عالم لا غاية له. وهذا هو سقوط العقل لا تحرير العقل.

 

في إبطال العدميّة بالبرهان العقلي والفطري وبيان فساد قول الملحد في الوجود بلا غاية

**

واعلم _ وفقك الله _ أن من أصدق البراهين على فساد قول العدميّة في الوجود بلا غاية، ما يظهر جليا إذا تدبرت طبيعة العقل الإنساني والفطرة البشرية، فإن العقل البشري لا يسير خطوة إلا بدافع من سؤال “لماذا؟”، وهو سؤال أعمق وأرفع من مجرد الفضول العابر، إذ إنه جذر الحركة العقلية كلها، ومنه ينبثق كل مفهوم عن الغاية، وكل حكم على الصواب والخطأ، وكل تقدير للخير والشر.

فالملحد حين يقول: “الوجود بلا غاية”، يكون قد ألغا سببا أساسيا لحركة الفكر ذاته، لأنه إذا صح كلامه، فلا فرق بين أن يسعى الإنسان لسعادة أو لألم، للعدل أو للظلم، للصواب أو للخطأ، إذ لم يعد هناك معيار مطلق أو مرجعية للغايات، فتصبح كل حركة عقلية، وكل قرار، وكل اختيار مجرد سلسلة عشوائية من الظواهر بلا معنى، وهذا يؤدي إلى تناقض داخلي: فهو يعلن أن الوجود عبث، وفي الوقت نفسه يتصرف بحسب مقتضيات الغاية والفطرة التي لم ينكرها في نفسه أو في حياته العملية.

ثم إن النظر إلى الكون نفسه يظهر أن الغاية متأصلة في كل ما فيه من نظم دقيقة ومتسقة: من انتظام السماء والكواكب، إلى قوانين الطبيعة التي تحقق الثبات والتوازن، إلى التشابك المعقد للحياة البيولوجية، إلى تنظيم العقل البشري الذي يميز بين الخير والشر، الصواب والخطأ، الجمال والقبح. فكيف يُعقل أن كل هذا النظام الشديد الاتساق والرفعة يكون بلا غاية؟ فادعاء الملحد هنا يقابل عقلا سليما بقوله: “تخيل مصنعا عظيما، أو آلة موسيقية متقنة الصنع، تعمل دون مبدع ولا هدف” وهذا تصور محال أصلا.

ثم ليعلم أن نفي الغاية لا يضر العقل وحده، بل يضرب كل مفاهيم المعرفة والعلوم العملية، فإن العلم نفسه يقوم على سؤال “لماذا؟”، فلا يمكن لأي علم أن يثبت قاعدة واحدة أو يميز تفسيرا صحيحا من تفسير خاطئ إذا لم يكن هناك غاية وراء الظواهر. فإذا قلت: “الخلية تعمل بلا غاية”، وقلت: “القوانين تعمل بلا غاية”، فكيف تفسر انتظام الظواهر، وكيف تقدر أفضل التفسيرات؟ فكل شيء يصبح متساويا، وكل حكم على شيء أو تقدير له بلا أساس، وهذه النتيجة تفقد الإنسان القدرة على المعرفة نفسها، وتجعله يعيش في عالم من الفوضى المعنوية لا يقود إلى أي يقين.

وأما الفطرة البشرية، فهي قبل العقل شهادة واضحة على الغاية، فالمولود الجديد، والطفل البسيط، وحتى من لم يتعلم التفكير العميق، يسأل بالفطرة “لماذا؟”، ويبحث عن المعنى، ويستشعر وجوب ترتيب الأمور وفق غاية، وهذا السؤال نفسه شهادة على وجود الغاية في الوجود، وليس بحاجة إلى برهان آخر. فالملحد حين يحاول إنكار الغاية، يكون كمن يحاول باستخدام أدوات من الحديد أن يزيل نور الشمس؛ أدواته عاجزة، ليس عن الإبطال فقط، بل حتى عن إدراك الحقيقة نفسها.

ومن هنا يظهر أن العدمية تؤدي إلى سقوط منطقي مزدوج: سقوط معرفي، إذ ينسف العلم ويمحو الفروق بين الصواب والخطأ، وسقوط وجودي، إذ يحول الكون من نظام مترابط وهادف إلى مجرد عبث جامد، وهذا مما لا يقبله عقل سليم. والملحد حين يعيش حياته العملية، يرى نفسه مضطرا للالتزام بالغايات، يسعى للسعادة، يتحاشى الضرر، يطلب العدالة، ويستنكر الظلم، ويسعى للتقدم، وكل هذه الغايات ليست سوى اعتراف غير معلن بالغاية التي ينكرها كلامه النظري، وهو بذلك يعيش على مبادئ يقاومها كلامه، وهذا ما يسمى بتضاد القول والفعل.

وأخيرا، يجب أن يُفهم أن إثبات الغاية ليس أمرا وجدانيا هشا، وإنما هو أصل عقلي وضرورة وجودية، لا يمكن أن يوجد عقل أو علم أو فطرة من دونه، ولا يحق لأحد أن ينكرها بلا خلل في قياساته وفوضى في مفاهيمه. فكل من ينكر الغاية وهو يستعمل العقل والفطرة يفضي إلى تناقض لا ينجو منه إلا من قبل بعقل صريح، يميز بين الجزئيات والكليات، ويدرك أن الغاية أصل كل موجود، وعلة كل فكر، وقاعدة كل معرفة.

    في تفكيك شبهة الشر ومنشَئها المنطقي والوجودي

**

من أعظم ما يشغل أذهان المتأملين في أمر الإيمان والإلحاد ما يُسمى بشبهة الشر، وهي دعوى الملاحدة التي تزعم أن وجود الشرور في العالم يناقض وجود الإله الحكيم، وأنه إذا كان الإله قادرا على كل شيء وعالما بكل شيء، فكيف يسمح بوجود الشر والألم؟ ولعله، عند أول وهلة، يبدو السؤال شديد الوضوح، لكنه عند التدقيق يُرى أن أساسه خاطئ، ومقدمة المتسائل غير ثابتة، ومفهومه عن القدرة والحكمة مختزل، ومفهومه عن الخير والشر مشوه.

فدعنا أولا نوضح أن معنى الشر عند هؤلاء لا يعبر عن الحقيقة المطلقة، وإنما يعبر عن شعور الإنسان المحدود تجاه ما يعجز عن فهم حكمة وجوده. فالشر بحسب تعريفه الإنساني ليس إلا ما يتعارض مع مقاصد الإنسان الجزئية، وما يحد من رغباته اللحظية أو تمنياته القريبة، أما على مستوى النظام الكلي، فالكائن العاقل لا يرى ضررا إلا إذا لم يمتثل للحكمة الكبرى التي يضعها الخالق، بل كثير من ما يظنه الإنسان شرا هو في الحقيقة جزء من النظام التكاملي للوجود الذي يفضي إلى الخير الأكبر، ولو لم يقف العقل على كل حلقاته فلن يستطيع الإنسان استقصاء صور الخير المقترنة بالشر الظاهر.

ثم إن قدرة الله لا تُفهم بمعنى التسهيل لكل رغبة عابرة، بل بمعنى القدرة على خلق النظام الكامل الذي يحقق الغاية الأسمى، ونفي الشر ليس مطلبا للعقل، إذ أن العَالم الكامل ليس عالَما بلا تعارضات جزئية، بل عالما تتوزع فيه المصالح والمفاسد بحسب حكمة تفوق إدراكنا المحدود، فلو حذفنا كل ما يشعر به الإنسان من ألم، لأبطلنا القدرة على التمييز، ولألغينا التجربة الإنسانية، ولأصبح كل شيء جامدا بلا معنى، لأن إدراك الخير يستلزم مقابله، ولو لم يكن هناك ظلام لما شعر الإنسان بنور، ولو لم يكن هناك مرض لما شعر بالصحة، ولو لم يكن هناك خطأ لما قدر الصواب.

والأعجب أن كثيرا من الملحدين يزعمون أن الشر دليل على العدمية، مع أن الشر ذاته يحتاج إلى معيار، وهذا المعيار لا يمكن أن يوجد إلا بوجود الخير الأسمى والعقل الحاكم على الأمور، فالمسألة إذن ليست مسألة قدرة بل مسألة حكمة، والحكمة العلية تتجاوز حدود إدراك البشر، وليس معنى ذلك أن الشر بلا سبب، بل أن سبب الشر غالبا يتخطى حدود شعورنا المباشر، وربما يمتد إلى علة كبرى لا يُدركها إلا من يحيط بكل الأمور ويعلم ارتباط كل سبب بأثره النهائي، وهذا وصف لا يتحقق في المخلوق، وإنما هو وصف للخالق سبحانه وتعالى.

ثم إن مجرد وجود ألم أو حادثة مؤلمة لا ينفي القدرة الإلهية، ولا يدل على العجز، فالمخلوق محدود، والمحدود لا يمكنه أن يحكم على ما يتجاوز خبرته، ولا يحق له أن يقارن بين مقتضى الرغبات اللحظية وبين مقتضى النظام الكلي الذي يشمل كل الأزمنة والأمكنة. ولو تأملنا في الطبيعة، لرأينا أن ما يبدو من ظواهر مؤلمة أو قاسية هو في الحقيقة سبب لوجود توازن أعظم، ولو ألغي ذلك التوازن لأبطل النظام كله، فالله الحكيم لا يلغي الحسن الأكبر لأجل الألم الظاهر الصغير.

وأخيرا، ينبغي أن يعرف السائل أن الشبهة تقوم على خلط بين المعرفة الجزئية والكلية، بين الإرادة الظاهرية والغاية الحقيقية، بين ما يشتهي الإنسان وما يستحقه الإنسان، فإذا نظر الإنسان إلى الأمور بعين الفكر السليم، أدرك أن وجود الشر لا ينفي وجود الخير ولا ينفي وجود القدرة والحكمة، بل يثبتها، لأن النظام الذي يحتوي على شر ظاهر يتحقق فيه الخير الأكبر، والله الذي يدبر هذا النظام لا يحتاج إلى تبرير عند من يقيسون الأمور بأوهامهم وحدود إدراكهم، إذ لكل شيء سبب وحكمة لا يحيط بها إلا هو تعالى عما يشركون.

 في بطلان دعوى إنكار الآخرة والحياة الأخرى وفساد القول فيها

**

واعلم أن من أعظم ما يعرض للعقل والفطرة البشرية ما يروج له بعض الملاحدة من إنكار الحياة الأخرى، ونفي البعث والحساب، زاعمين أن الإنسان زائل بمجرد انتهاء جسده، وأن كل ما يسعى إليه في الحياة الدنيا لا يعدو أن يكون ترفا، وأنه لا مستقبل ولا جزاء ولا عقاب، وأن الموت نهاية كل شيء. وهذه الدعوى، تفضي إلى فساد النظر والمنطق وفهم الإنسان لنفسه والوجود كله، بل تكشف عن خلل معرفي معقد، وتعارض مع مقتضيات العقل والفطرة.

أولا: العقل لا يقبل أن يبقى الظلم بلا جزاء، ولا الخير بلا مكافأة إن العقل السليم، الذي يزن الأمور، ويقيس الأفعال بمعايير الصواب والخطأ، يعلم أن هناك فرقا بين الفعل الصالح والفعل الطالح، وأن هناك ضرورة لتوازن العدالة. فإذا زعم أحد أن الحياة تنتهي بالموت، وأن لا بعث ولا حساب، فكيف يفسر العقل الفرق بين الفعل الحسن والفعل السيئ؟ وكيف يحقق التوازن العقلي بين الكسب والخسارة، بين الحق والباطل؟

 إن العقل البشري يشهد بوجود غاية، وبوجود نظام أخلاقي يتجاوز حدود الزمن والمكان، فبدون الحياة الأخرى، يصبح مفهوم العدالة مجرد وهم، ويصبح الخير والشر بلا معيار حقيقي، إذ لا يمكن إقامة أي علم أخلاقي إلا على أساس الاعتقاد بأن للأعمال عاقبة، وأن للإنسان جزاء على أفعاله.

ثانيا: الفطرة تشهد بالبعث والحساب

الفطرة السليمة التي جبل عليها الإنسان تنطق بلسان حالها، وتشهد في سرها، أن للموت ما بعده، وللعمل جزاءه، وأنه لا يُتصور في ميزان الحكمة أن يستوي الظالم والمظلوم، والمحسن والمسيء، ولا أن يُترك الخير سدى، أو يذهب البر هدرا.

فهذه الشهادة الباطنة ليست مذهبا مكتسبا، وإنما هي من قبيل الضرورات الفطرية التي وُلد بها الإنسان، وتشبعت بها نفسه قبل أن يُكلّف بالنظر أو يُدعَى إلى الدليل. فهي سابقة على العقل في الإدراك، وممهدة له في الاستدلال، كالماء يتقدم البذر في تهيئة الأرض للإنبات.

وإذا أنكر الملحد هذه الشهادة، فقد أنكَر أولَ ما علّمه الله لنفسه، وطمس النور الذي خُلق به، واستغلق على قلبه بابا فتحه الله لجميع خلقه. فالفطرة إذا نطقت، فلا يسع العقل إلا أن يُصغي، وإذا دلّت، فكلُّ ردٍّ عليها تكلف، وكل جحودٍ لها ظلم، ومن حاد عنها، فقد حاد عن سبيل الهُدى، وركب مركب العمى، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

ثالثا: نفي الآخرة يناقض مبدأ الغاية والعدل

إنك إذا نفيت الآخرة، فذلك يعني أن كل ما في الحياة الدنيا هو غاية مطلقة، وأن الإنسان يسعى بلا سبب، وأن الشر والظلم والفساد لا قيمة لها سوى العدمية، وأن الكدح والسعي والاجتهاد ليس إلا حركة ميكانيكية عابثة. وهذا يتناقض مع مقتضيات العقل الصريح والفطرة السليمة، إذ لا يمكن للإنسان أن يقبل أن يعمل، ويتعب، ويجتهد، ويصبر، ويضحي، وكل هذا بلا معنى، وأن يزعم في الوقت نفسه أنه عاقل. فالبعث والجزاء لا يرفعان عن العمل شقاءه، بل يعطيان له معنى، ويثبتان الغاية، ويؤسسان للعدل الشامل الذي لا يمكن أن يتحقق في الحياة الدنيا وحدها.

رابعا: إنكار الحياة الأخرى يفضي إلى فساد القيم الأخلاقية والاجتماعية

ثم انظر إلى ما يترتب على إنكار المعاد من خراب في المعاني، واضطراب في السلوك، وفساد في الاجتماع؛ فإن من جحد الحساب الأخروي، وتوهم أن لا وقوف بعد الممات، ولا جزاء على الأعمال، ضعُف في نفسه سلطان الواجب، وانطفأ من قلبه نور المراقبة، وخفَّت عليه المظالم، وهان عليه خرق القيم، فلا وفاء بحق، ولا صبر على أذى، ولا إنصاف في خصومة، ولا خوف من عاقبة.

وإذا استُؤصل هذا الأصل من القلوب، تهاوى بناء الأخلاق، وزالت دوافع الإحسان، وانحل عقد العمران، فلا يبقى من العدل إلا صورته، ولا من المعروف إلا ما وافق الهوى. وبهذا يُعلم أن إقرار المعاد ضرورة عقلية وفطرية أيضا، لا تستقيم الحياة إلا به، ولا يُبنى سلوك قويم دونه، فهو الميزان الذي توزن به الأعمال، والسقف الذي يحمي القيم من التلاشي والاضطراب.

خامسا: البعث والحساب مطلب العقل والغاية معا

القول بإثبات الآخرة هو من محض ما يوجبه النظر الصحيح، والعقل الصريح. فإنك إذا تأملت بعين البصيرة في أحوال العالم، وجدت أن نظام الوجود لا يكتمل، ولا تستقيم حكمة الخلق، إلا بإثبات دار يُفصل فيها القضاء، ويُميز فيها بين المحسن والمسيء، ويُجازى فيها كل أحد بعمله، إن خيرا فخير، وإن شرًا فشر.

والدليل عليه أن الإنسان مفطور على طلب المعنى، ومرتاض بالسعي إلى الغاية، ومنكر المعاد إنما يثبت التناقض بين أصل الفطرة التي جُبِل عليها وبين ما ينسبه لنفسه من عقل وهداية. وكيف يُعقل أن يكون المكلَّف مثابا أو معاقبا في الدنيا، ثم لا يستوفي الجزاء على الكمال؟! أم كيف يُتصوَّر أن تُهمل العدالة، وتُترك الحقوق دون فصل، وكم من ظالم لم يُقتصّ منه، ومظلوم لم يُنصف؟!

فلا بد إذا من دار يُكمل فيها الجزاء، ويُظهَر فيها تمام عدل الله ورحمته، وهو الذي تقطع به البراهين، وتشهد له دلائل العقل والنقل، ومن أنكره فقد أبطل الحكمة، وهدم أسس العدل، وأعرض عن نور الفطرة، ووقع في أبين التناقض.

   في بيان الاضطراب العقلي والنفسي عند الملاحدة

**

إن النظر المتأمل في مسالك أهل الإلحاد، يكشف لأول وهلة عن اختلال بيِّن في نظام الفكر، واضطراب ظاهر في ميزان النفس والعقل، وليس ذلك من قبيل الخلاف الجدلي المحض، ولا من جنس التفاوت في طرائق النظر، وإنما هو فساد في المنهج، وانحراف في الفطرة، وضلال في المقاصد والعلل.

فالفكر الإلحادي ـ وإن تزيا بزي العقل والتحقيق ـ إنما يقوم على أصل مختل، يُنكر به ما هو مركوز في الفطر، ومسلم به في العقول، ومتواتر في الشرائع، فلا غرو أن تتشعب عنه لوازم باطلة، وتظهر في أصحابه آثار التناقض والقلق، والحيرة والتخبط، بما يدل على فساد الأصل، وخلل المبنى، وانهدام الأساس الذي عليه يُقام التصور الصحيح للوجود والغاية والمعنى.

أولا: التناقض الداخلي

إن العقل البشري، إذا سار على منهاج الفطرة السليمة وقواعد النظر الصحيح، لا يطيق التناقض، ولا يستقر مع ازدواج المقاصد، ولا يرضى بالتنافي بين المبادئ والنتائج. غير أن الملحد واقع في وَهْدةٍ من التناقض البيِّن، فهو يزعم رفض الغاية، ثم يسعى في تحصيل المنفعة كأنما لها مأوى ومقصد، وينكر العدل الأخروي، ثم يضج للظلم، كأنما في أعماقه صوت يُنادي بحساب وعدالة.

وهو يرفض الدين، ثم يتحاكم إلى القيم الأخلاقية التي لا يجد لها أساسا في معتقده، فيستعير من الدين ما يوافق طبعه، ويرفض ما خالف عناده، فهو يريد أن يعيش بمقتضى الإنسانية الكاملة، وهو قد نزع عنها لبوسها، وقطع ما يمدها من أسبابها، فأضحى كالذي ينكر ضياء الشمس ثم يستنير بنورها.

وهذا التناقض هو وصف حال من تشتت نفسه بين داعي الفطرة ولجاجة العناد، فغلب عليه الميل العقلي المجرد، وخالف ما وُطِن عليه قلبه، فبقي مضطربا لا يستقر له حال، ولا يستبين له سبيل.

ثانيا: الفزع من المجهول

الملحد في باطنه لا يطمئن إلى عبثية الوجود. وإن أنكر المعاد ببيانه، ففطرته تشهد بخلاف ما يدعي، وتضطرب نفسه كلما لاح له في الأفق معنى الموت، أو لاح في القلب سؤال الغاية.

ومن تتبع سلوكه وجد في طياته تردّدًا بين زهو العقل ودخان الحيرة، بين جفاف الحُجّة وارتعاش النفس، فتراه يصطنع الصلابة في الإنكار، لكنه لا يهنأ بذلك، لأن القلب لا يطمئن إلى معنى ناقص، ولا إلى كون بلا مقصد.

فالإنسان، في أصل جبلته، لا يسكن إلى الفراغ، ولا يأنس للعدم، بل يفتش ـ وإن أنكر ـ عن تفسير يجمع بين العدل والمعنى، بين العمل والجزاء، فإذا أعوزه ذلك، اضطربت فطرته، وتوزع بين شعور لا يُكذّب، وذهن يعاند ما تواثقت عليه البصائر.

ثالثا: الإحساس بالفراغ الداخلي

إن الفكر الإلحادي، عند من يطبقه، يورثه فراغا هائلا، واضطرابا شديدا، لا يسكن له القلب، ولا يطمئن به الوجدان. لأنه فكر ينسف الغاية، ويهدم الأمل، ويقوّض العدالة، ويجعل جزاء العمل كلا شيء، فلا معنى في الحياة يُطلب، ولا غاية وراءها تُرتجى، بل الأمر عندهم دوران في فلك العدم، لا يثمر إلا الحسرة والضيق.

وهذا الفراغ إذا تمكن، أورث النفس كآبة، وأمطرها بوابل من اليأس، وأذهب عنها حافز الجد والاجتهاد، حتى تُصبح الحياة عبئا ثقيلا، والوجود سؤالا لا جواب له، (حتى أنه في كثير من الأحيان إن لم يراجع نفسه، أورده فكره موارد التهلكة، ولا يرى من السبل أمامه غير التعرض للموت)، فلا عجب أن ترى التمرد على النفس، والجفاء مع المجتمع، ثم التردي في هاوية المعاندة والمكابرة.

وذاك أن النفس مفطورة على طلب المعنى، والعقل مركوز فيه حب الغاية، فإذا نُزِعت من الإنسان هذه المعاني، بقي جسدا بلا روح، فلا عجب أن يضطرب، إذ خالف فطرته، وكابر عقله، فضل عن سواء السبيل.

رابعا: محاولة النيل من المعقوليات لتعويض الاضطراب

إذا تأملت حال من أعرض عن السنة الإلهية، وخالف موجب الفطرة، وجحد الغاية والمعاد، رأيته _ وإن تشدق بالمنطق، وتفيهق في مقالاته _ إنما يطوي على قلب مضطرب، ونفس قلقة.

فهو يعالج ما وقر في نفسه من وحشة الإنكار، وفراغ المعنى، بشيء من الجدل واللفظ، ويلوذ بنسبة المعارف إلى النسبية المطلقة، ويُقحم نفسه في مغالطات لا يُبنى عليها يقين، ولا ينجبر بها الخلل، بل يزيد بها الاضطراب تمكّنا رسوخا.

وذلك أن العقل إذا عُزل عن موجب الفطرة، واستُخدم في غير ما جُعل له، صار آلة لتبرير الباطن المريض، فإن من العقل ما يكون وبالا على صاحبه إذا لم يقترن بالهدى. فالعقل إنما ينفع إذا استُعمل في مقامه، واهتدى بنور الوحي، وإلا كان تابعا للهوى، وزينا لمرض القلب، وذاك هو "التبرير العقلي القسري".

  خاتمة:

بعد مسيرتنا الفكرية هذه، في بيان فساد الإلحاد، وإبطال نفي الغاية، والرد على دعوى العدمية، وبيان اضطراب النفس عند من يتبنون هذا القول، تبين لنا في أن الإنسان لا يُدرك الحقيقة إلا إذا سار على هدي العقل السليم، واستمع لشهادة الفطرة، ونظر إلى آيات الوجود، فوجد فيها الغاية، والعدل، والمعنى، والنظام، وأن كل محاولة لنفي هذا، أو التشكيك بلا برهان، ما هي إلا إظهار للاضطراب النفسي والفكري، وللعجز عن تقديم بديل عقلي متين.

والغاية في الوجود أصل عقلي، ضرورة وجودية، وشرط لثبات المعايير العقلية والأخلاقية والعلمية. وأن إهمال هذا الأصل، كما رأينا، يؤدي إلى بطلان الحكم بين الصواب والخطأ، وإلى انهيار أسس العلم، وإلى اضطراب النفس، وإلى فراغ معنوي عميق لا يطاق، كما عانى منه الملحدون أنفسهم حين حاولوا إنكار ما جبلوا عليه بالفطرة.

كما رأينا أن الدين والحياة الأخرى استجابة عقلية وفطرية للحقائق الكبرى في الكون والوجود، وأن نفيهما بلا برهان يؤدي إلى تناقض واضح بين القول والفعل، ويكشف عن خلل منطقي ونفسي لا يمكن إخفاؤه.

ومن هذا كله يتبين لنا أن المهمة الكبرى للعقل البشري ليست محصورة في التساؤل عن الوجود، وإنما أيضا في إقامة الفكر على قواعد ثابتة، والاعتراف بالغايات، والسعي وراء المعنى، وتطبيق العقل والنقل والفطرة في فهم الدين والكون والحياة. ومن فعل ذلك، ارتفع عن الاضطراب الداخلي، واستعاد التوازن النفسي، وأدرك معنى الحياة، ووجد لعمله وحياته غاية، وهذه هي حكمة الله في خلق الإنسان وعقله وفطرته.

فنسأل الله تعالى أن يجعل هذا البحث نافذة للوعي والفهم، وأن يهدينا جميعا إلى الحق، ويثبتنا على المعقول، ويجنبنا التناقض والاضطراب، ويملأ قلوبنا باليقين والطمأنينة، إنه سميع مجيب.   

 والحق في قول: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، إن الدين عند الله الإسلام، رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا.

خُتِمَ والسلام.

الكاتب:  مصطفى اعتاني (باحث في الدراسات الإسلامية، المملكة المغربية.)