
هل قلت لطفلك: أنا سأشتري لك لعبة تحبها؟، هل قلت له: أنا سأشتري لك ملابسًا تعجبك؟، لماذا لا تجعل طفلك يستلم المقود ويتخذ قراراته بنفسه؟
امنحه فرصة اتخاذ القرارات، مثلًا: اجعله ينتخب له لعبة أو كتاب أو بعض الملابس، بالطبع قد يخطأ الطفل في اختيار الصنف المناسب، لهذا يأتي دورك كمرشد يقلّم القرار الخطأ ويشذبه، ستكون أنت له عين ثالثة تبين له الإيجابيات والعيوب في اختياراته، ستتقمص دور لسان المزمار وشرطي المرور في التنقيح ومسكه بيده للاختيار الصائب، ومع مرور الوقت سيتمكن هذا الطفل من بلوغ القرار السليم بصورة مباشرة.
إننا ننصح بمدح اختياراته والتفاعل الحقيقي في إبراز نقاط قوة ما ينتخبه لمنحه مزيدًا من الثقة فيما يلعبه من أدوار ولنعزز بناءَ شخصيته، لا تكسر مرآة ثقته بنفسه، فمثلًا: نشير إلى جمال ما اختاره ونتحدث عن الألوان الزاهية المنتقاة، ثم نمسك ببطاقة السعر ونثني على السعر التنافسي المدوّن، ونبين له إيجابيات لم تخطر له على بال فيما اختاره، ثم يأتي دور الترشيد بإلفاته لعيوب المنتج كضعف الجودة وبقية السلبيات التي تحسم عدم الشراء، ونعيد دورة التبضع بذات الطريقة حتى نصل إلى المنتج الجيد، وإن استدعى الأمر زيارة عدة متاجر، الهدف من هذه السياحة التسوقية، ليس صفقة ناجحة فقط، بل انجاح بناء شخصية معتمدة، وفرق كبير بين الأول والأخير.
العملية ستكون بسيطة وسهلة إذا استخدمنا صعود السلم التديجي نحو ذروة الاستقلالية، العملية تحتاج لمزيد تأمل، ومزيد من التجارب والاشراكات، نعم ينبغي التريث لاختيار التجربة الملائمة لشخصية الطفل، ولا ننصح بالمقارنة بين الأشقاء، فلكل شخص كيانه وشخصيته وتفرده، فالشخصيات متباينة وأصابع اليد غير متساوية، وإليك السؤال: هل جريت استشارة أبنائك يومًا؟، هل اشركتهم في حلقة نقاش؟ هل دعوتهم لعقد اجتماع يهمهم؟، لماذا نستصغر مواهب أطفالنا؟، أنا شخصيًا أتعلم من بعض أطفالي وطلابي العديد من الأمور؟، لماذا ننظر لصغير السن بنظرة دونية، ونغفل عن رجاحة بعض آرائه؟، بعض الأبناء قد يفاجئك برد عجيب ومستغرب، وقد نتعجل الحكم على مشورته، إلا أن هذا الرد العجيب قد يكون هو الصائب، يحكى أن رجلًا كان يعيش في قرية جبلية، وحينما فقد الرجل جواده جاءه الناس يعزونه، فقال لهم: وما أدراكم أنها مصيبة؟، وبعد أيام عاد الجواد ومعه قطيع كبير من الخيول البرية، هرع إليه الناس يهنؤنه، فقال لهم: وما أدراكم أنها مسرّة؟، وبعد أيام كسرت رجل ابنه وهو يدرب أحد تلك الخيول، فلما عزّاه الناس، قال لهم الرجال: وما أدراكم أنها مصيبة؟، مرّت أيام قليلة وإذا بطبول الحرب تقرع، وعلى إثر تلك الحرب قتل جميع من شارك، وسلم ابنه من الموت المؤكد لإصابته. هل نعلم أحيانًا أن رأي أحد أبنائنا ورأي هذا الحكيم يخرج من مشكاة واحدة؟، فلماذا نستبق الأمور قبل التمحيص؟
بعض الأبناء يخشى الوقوع في بئر الخطأ، وقد يفزع من الأخطاء أو يصيبه الرهاب فينكمش على ذاته، وهذا ما يخلق في داخله الشخصية المترددة التي تمنعه من الإقدام، بينما نجد أن واحدة من استراتيجيات التعليم التعلم عبر المحاولة والخطأ، فكبير السن لم يمتلك الخبرات الغزيرة إلا من خلال العديد من المحاولات التي فشل حتمًا في بعضها، لهذا ينبغي أن تتسع صدورنا حينما يخطأ الأبناء، ولا يعني هذا الخطأ أو ذاك نهاية العالم، نحتاج أن ننظر للتجارب الفاشلة بنظرة إيجابية، فالكهرباء لم تولد إلا بعد مخاضات الفشل المتوالية، المهم أن تصل السفينة للميناء الصحيح وإن تناهبتها الزوابع والأعاصير في بعض لقطات الرحلة.
المستبصر لأحوال أمتنا يرى أن الأبناء يرفلون في الدلال في الأعم، وهذه المعيشة لا تولد النتائج الطامحة، عليه يلزم الآباء والمربون قلب الصفحة، وأخذ الأبناء باليد، يلزمنا قطع الطريق بهم إلى الضفة الصحيحة، ولنبدأ بالتشخيص، السهر والكسل والتساهل في انجاز المهام، لا ينتج عنه جيل يتحمل الأعباء، والأب في الأسرة كصاحب الشتلة، إن أهملها ذبلت وذوت وماتت في أقرب وقت، والمطلوب منه رعاية ابنه والصبر على المعاناة في تنشأته، فالأولاد هم زروع الحياة وبساتينها، فلماذا يصبر الفلاح لإنتاج محاصيلة، ولا نصبر على أهم ما نصدّره للعالم؟، أبناؤنا أكباد القلوب والمهج، فهل سنلقي بهم كما تصنع السلاحف ببيضها؟، أم نرعاها كما ترعى الطيور فراخها؟، الصواب أمر بين أمرين، فالإنسان مواسم، موسم للرعاية والبناء، وموسم للاعتماد على النفس والانطلاق، ولا يكون القارب قويًا ومتينًا إلا بالصناعة المحكمة، والبرهان هو اختبار البحر، فإذا صمد القارب عرفنا جودة الصانع، فماذا يرقب من أهمل رعاية أبنائه؟، لا تتشائم فمازال الطريق مبكرًا للحكم، عليه يجدر بنا استعارة حنجرة الديك المبكر، لنصيح في وجداننا "حي على الصلاة"، العبادة لا تنحصر في الصلاة فقط، وخير ما يتقرب به إلى الله الولد الصالح، فلماذا لا نفتح الصفحة الآن ونضع النقاط على حروفنا المهملة؟ قد نستطيع قراءة الكلمات من غير نقاط، ولكن تقييد الكلمات بنقاطها لها حكمة، وإليك المثال: اقرأ الكلمة التي بين القوسين (حبر)، بدون نقاط نجهل المعنى، فقد تكون الكلمة: (خبز)، أو (جبر)، أو غير ذلك، عليه من المهم وضع نقاط التربية في مكانها الصحيح.
هناك فرق بين متابعة الأبناء وبين محاصرتهم، البعض يتحول لطائرة عمودية بوليسية مخصصة للمراقبة من طراز هليكوبتر، يشدد الخناق على مراقبة أبنائه، فلا يسمح لهم حتى بقتراف الخطأ الطفيف، فكيف سيتعلم هذا الابن مذاق الألم؟، السقوط في المشكلات يطور شخصية الأبناء، وفي التجارب علم وبها يتعلم الطفل المناعة الذاتية، فهل سنرافق الأبناء كالظل مدى الحياة؟، عليه ينبغي عدم التدخل في كل شيء حتى في أصغر الصغائر، فلنفسح لهم فرصة اتخاذ القرار، أبناء اليوم يتكلون على آبائهم وأمهاتهم في كل شيء، حتى في اختيار الملابس اليومية، لا يدري ماذا يجب أن يأكل؟، وما الذي ينبغي أن يرتديه؟، وهذا سلب سافر لحرية الأبناء، ومصادرة فاقعة، نخطأ ونظن أننا نحسن الصنيع، الاستبداد في التربية والدلال الزائد واحدة من أهم ما تعانية الأسر المعاصرة، بعض الأسر لها نظام أبوي صارم، لا ننكر أن هذا النظام المفروض له محاسنه، إلا أنّ من أبرز المساوئ الهيمنة وسلب حرية الأبناء، والنتيجة شخصية مهتزة لا تستطيع اتخاذ القرار، حتى في أبسط أمورها، شخصية أبسط ما يقال عنها أنها لا تثق بنفسها وتستمد الثقة من وهج العيون المحيطة بها فقط.
التوجيه الزائد يعدم روح المسؤولية لدى الأبناء، هشاشة نفسية متربعة على قلوب الصغار، تستمر حتى الكبر، أحدهم بلغ الستين من العمر، ولايزال يحتاج لقرارات والديه، لا يزال يعيش الطفولة رغم كونه جَدًّا، هل هي طرفة؟، لا هي حقيقة مؤلمة، وعلينا أن نتفطن لما تجنيه أيدينا من الهيمنة البطريركية الأبوية إنجاز لنا التعبير.
الصرامة في القرارات تكتم الأنفاس، وتولد العقد، وتجعل الأبناء مجرد أحجار على رقعة شطرنج، يحافظون على وثنيتهم، إذا لم تحركهم أصابع القدر، هل أبناؤنا أراجيز ودمى ذات خيوط تتحرك في مسرح الحياة وفق رغبتنا؟، ثم ماذا سيحدث لو تمرد الأراجوز على رغبة صاحبه؟، هل سيشنق؟ أم يعدم؟ أم تسقط المقصلة على عنقه؟، الصواب فتح الحرية للأبناء في مضامير مقننة ليتعلموا فن اتخاذ القرار السليم، فلسنا دائمون لهم، وما دائمٌ إلا وجهه.