... أخوات الدّار الصّغيرات ...
.....
بدأت أحداث القصّة في يوم خريفيّ غائم على الأرجوحة المشدودة بحبل أصفر إلى غصن شجرة المشمش الضّخم العالي في وسط باحة الميتم. كانت الأمّ صورايا تدفع بالبنات على الأرجوحة بالدّور، و البنات كعادتهنّ في قمّة السّعادة؛ كلّما كانت تدفع بإحداهنّ بقوّة أكبر كلّما كانت تهتف أكبر، أمّا صورايا فكانت تكتفي فقط بالمناداة: حنان، و بسمة، و صونيا، و ليليا، و أحلام... و بالقول: حان دوركِ، أو بالقول: انزلي لكي تصعد أختكِ.
لم تكن الأمّ صورايا، أو السيّدة صورايا، ، أو المربّية صورايا، أو المعلّمة صورايا، أو مديرة الميتم أو الدّار، أو سمّها ما شئت، على طبيعتها في ذلك اليوم. لمّا كانت تلاعب البنات كانت تتحوّل إلى طفلة صغيرة بعمرهنّ، أمّا في ذلك اليوم فإنّها و هي تدفع بهنّ على الأرجوحة خُيّل لها و كأنّها تدفع بهنّ إلى المجهول أو إلى خطر محدق..
- ليت بوسعي إيقاف الزّمن..
تواصل صورايا بينها و بين نفسها:
- ليت بوسعي إبقاؤكنّ تتمرجحن، و تلعبن، و تهتفن..
- و لكن هذه هي الحياة؛ الحياة كالأرجوحة تتقدّم إلى الأمام، وعند العودة إلى الوراء تعود ببطء شديد..
تناديها مساعدتها من الشّرفة:
- سيّدة صورايا! لقد عاد.. إنّه بانتظارك في المكتب مع المحامي.
لم تبد على محيّا صورايا علامات الارتياح، و لكنّها رسمت ابتسامة عريضة بينما كانت تطلب من البنات أن يواصلن اللّعب بحبّ!
" … و لكنّها رسمت ابتسامة عريضة بينما كانت تطلب من البنات أن يواصلن اللّعب بحبّ! "
إنّها تولي أهمّية كبيرة لانتقاء الكلمات التي تحدّث بها بنات الميتم؛ فهي تناديهنّ بناتي، و هنّ بالنّسبة لها أخوات، و الآن و هي تتركهنّ لتعود إلى المكتب لم تطلب منهنّ أن يلعبن بهدوء، أو بصمت، أو أن يتوقّفن عن اللّعب، بل طلبت منهنّ أن يواصلن اللّعب بحبّ، و بمحبّة، و بأخوّة، و شدّدت على هذا الطّلب: الحبّ و المحبّة و الأخوّة، ثم غادرت.
" ... و شدّدت على هذا الطّلب: الحبّ و المحبّة و الأخوّة، ثم غادرت. "
..........
كان اللّقاء بين السيّدة صورايا و السيّد شالوم و محاميه لقاءً إداريّا بامتياز؛ لم يكن ودّيا و لم يكن يحوي أيّة نكهة دبلوماسية؛ كان صراعا رائقا على بنتين من بنات الميتم؛ على صونيا و ليليا..!
- السّيد شالوم: هل أتممت الإجراءات يا سيّدتي؟
- السيّدة صورايا: هل فكّرت بحديثي معك في المرّة السّابقة يا سيّد شالوم؟ لا يمكن يا سيّد شالوم؟ ليس من الممكن بعد ثلاثة عشر سنة من العيش في هذا الميتم، تأتي أنت وتفصلهما عنه و تنقلهما إلى مكان آخر. إلى أين؟ إلى فيلاديلفيا؛ في الولايات المتحدة الأمريكية؛ في الشّق الآخر من العالم. صونيا و ليليا ولدتا في هذه المدينة؛ هذه الدّار بيتهما؛ هنا ذكرياتهما و أحلامهما، البنات اللائي تسمع أصواتهنّ من الباحة؛ هؤلاء أخواتهما. ماذا تعرف أنت عن صونيا و ليليا؟ مواهبهما، مخاوفهما، أحلامهما؟ ماذا تريدان أن تصيرا في المستقبل؟ لا شيء.. لا تعرف شيئا..
- السيّد شالوم: و لكنّ صونيا و ليليا يا سيّدة صورايا ابنتا أختي، و نحن اليهود كما تعرفين نتناقل الدّين عن طريق الأمّ؛ و صونيا و ليليا تعتبران يهوديّتين.
السيّدة صورايا: سأعتبر نفسي أتحدّث مع خال يبحث عن ابنتي أخته بدافع أنّه خال، و ليس بدافع شيء آخر. يمكنك زيارة صونيا و ليليا في أيّ وقت أردت، كما أنّني أتّفق معك جزئيّا في بعضٍ ممّا قلت. ليليا أصغر من صونيا كما تعرف بعام واحد؛ عندما أحضرناهما إلى هنا كان عمر ليليا سبعة أشهر بعد حادث المرور الأليم ذاك الذي راح فيه والداهما. اليوم، و بعد ثلاثة عشر سنة البنتان تعيشان تلك المرحلة الحسّاسة؛ مرحلة الانتقال من الطّفولة إلى تكوين شخصية سويّة، برأيي حان الوقت لكي تتعرّفا عليك كخال، و لكي تتعرّفا على أفراد آخرين من عائلة الأمّ و حتّى من عائلة الأب، و لكي تتعرّفا على بلد، و لغة، و عقيدَتَي، و ثقافَتَي والدهما و والدتهما، و في النّهاية لهما الاختيار.
- السيّد شالوم: لهما الاختيار!.. سيّدة صورايا! من الأفضل أن نحلّ الأمر ودّيا؛ لا تجعليني ألجأ إلى العدالة..
- السيّدة صورايا: و هل تعتقد أنّ العدالة ستمنحك حضانة البنتين دون موافقتهما؟
- السيّد شالوم: أفضّل أن يجيبك المحامي على هذا السّؤال.
ترمق السيّدة صورايا المحامي بنظرة جانبيّة فتجده لا زال يدخّن سيجارته محافظا على وضعية الجلوس نفسها -السّاق على السّاق- و هو يطلق ضحكة تنمّ عن استخفاف عميق.
- السيّدة صورايا: سيّد شالوم! بصفتي مديرة الدّار، يؤسفني أن أخبرك أنّ الإجراءات التي تنتظرها لم تكتمل، و لا يمكنني تحديد موعد اكتمالها بالضّبط.
- السيّد شالوم: سيّدة صورايا! بصفتي خال البنتين صونيا و ليليا المقيمتين بالميتم الذي تديرينه أخبرك بأنّ مكتبك قريبا جدّا سيستقبل دعوى من المحكمة في قضية بشأن حضانة البنتين.
- السيّدة صورايا: بصفتك خال البنتين صونيا و ليليا المقيمتين بالميتم الذي أديره أطلب منك تصحيح العنوان قبل توجيه دعوى المحكمة: إلى السّيد جاك ويلصون، و أنصحك بالإسراع، و إلّا ستتوجّه دعوى المحكمة إليك من السيد ويلصون. أعتقد أنّك عرفته من اسم العائلة. أجل، إنّه عمّ صونيا و ليليا. أ تدر ما أوّل ما سألني عنه عندما جاء إلى الميتم؟ سأل إن كنّا قد عمّدنا ابنتَي أخيه في الكنيسة؟ هو أيضا يطالب بأن تكون ابنتا أخيه مسيحيّتين لأنّ والدهما مسيحيّ. بدأت أشعر بالشّفقة و بالحزن على هذين البنتين؟
...............
ويليام ويلصون و زوجته ناديا شالوم مهندسان بريطانيان تخرّجا من جامعة كامبريدج عام 1985، و لأنّهما من عائلتين أرستقراطيتين في بريطانيا، و لأنّهما مختلفان دينيّا كان أمر زواجهما مستحيلا.
تمكّنا من الهجرة و الاستقرار في بلد من بلدان شمال إفريقيا بمساعدة صديق درس في بريطانيا و استقرّ فيها. في البداية سافرا إلى مرسيليا في فرنسا؛ تزوّجا هنالك بعقد مدني، ثم استقلّا الطّائرة نحو البلد الجديد. استقرّا في مدينة ساحليّة جميلة و هادئة. وجدا كلّ شيء مجهّزا: شقّة مفروشة على شاطئ البحر، منصب عمل لكلّ واحد منهما في تخصّصه في شركة من أهمّ الشّركات في تلك المدينة. كانت مدينة الأحلام بالنّسبة لعاشقين مثلهما، و لكنّ عيب ويليام كان أنّه يفرط في تناول المشروبات الكحولية، أمّا عيب ناديا فكان إفراطها في التّدقيق على الأمور الصّغيرة قبل الكبيرة، بالإضافة إلى صفة تضخّم الأنا حسب تقدير ويليام!
كانت ناديا امرأة لا تهادن أحدا لا في العمل، و لا في البيت، و لا في أيّ مكان آخر؛ لا تهدأ حتى تعبّر عن كلّ ما يخطر ببالها، و إن تعرّضت للانتقاد من أحدهم فتلك إذن هي الطّامّة الكبرى، و بالموازاة مع ذلك كانت سيّدة بيت ممتازة: طبّاخة ماهرة؛ تنجز أعمال البيت بإتقان؛ حتّى إنّها كانت أحيانا تقوم بإعادة تدوير بعض الأدوات المنزلية. و كان ويليام على العكس منها تماما؛ رجل مسالم؛ يفضّل الصّمت عند الانزعاج؛ ربّما كان يخشى أن يقول كلاما يؤذيها أو يؤذي غيرها إن تكلّم و هو في حالة غضب، و كان بالمقابل يكثر من التّدخين و من تناول المشروبات الكحوليّة..
....................
ليلة 31 ديسمبر 1989، خرج ويليام و ناديا و معهما بنتاهما الصّغيرتان إلى أحد المطاعم الواقعة على شاطئ البحر ليحتفلا برأس السّنة الجديدة. كان ويليام عازما في تلك اللّيلة على ألّا يتناول النّبيذ و لا أيّ مشروب كحولي، و على ألّا يدخّن. كان عازما أن يواجه ناديا بأمور كثيرة، و أن يتوصّل معها إلى حلول عديدة، و إلى قرارات حاسمة و مصيريّة؛ كان عازما أن يضع معها النّقاط على الحروف في تلك اللّيلة.
كانت ليلة ليلاء على ناديا التي لم تتوقّع أن يحصرها ويليام بالزّاوية في يوم من الأيّام؛ هي التي تعوّدت صمته المطبق أمام صخبها و ضجيجها كلّ تلك السّنوات. كم بدا لها غريبا في تلك اللّيلة! كأنّها تلتقيه لأوّل مرّة.. كأنّه مختلف عن ويليام الطّالب اللّطيف الذي درس معها في جامعة كامبريدج، و الذي عاش معها مغامرة الزّواج سرّا دون علم الأهل، و مغامرة الهجرة إلى بلد آخر و الاستقرار فيه. إنّه صريح جدّا؛ يقول بأنّ هذه العلاقة أتعبته، و بأنّه تحمّل كثيرا من أجل أن تستمرّ خاصّة و أنّهما راهنا على بعضهما البعض، و بأنّ هذا العام الجديد لا بدّ أن يأتي معه بالتّغيير – يقصد على مستوى تصرّفاتها- و إلّا فإنّهما سيصلان حتما إلى طريق مسدود هو بالتّأكيد الانفصال.
.........................
في تلك اللّيلة تحدّث ويليام كثيرا، و شربت ناديا التي لم تكن تشرب الكحول إلّا ناذرا كثيرا، بل و دخّنت أيضا. شعرت بالخجل من ويليام بل و من نفسها أيضا. أريد لابنتيّ يا ناديا أن يعرفا الدّفء.. أن يعرفا الأمان.. أن يعرفا الحنان.. أن يعرفا السّلام.. أن يعرفا الهدوء.. أن يعرفا الاستقرار.. أريد لصونيا و ليليا أن تكبرا في أسرة لا أن تكبرا في محكمة..
" ... أن تكبرا في أسرة لا أن تكبرا في محكمة.. "
" ... بتصرّفاتك ستحوّلين بيتنا إلى محكمة.. "
"... و لكنّي كنت صامتا ليس ضعفا منّي بل نبلا منّي ... "
بتصرّفاتك يا ناديا ستحوّلين بيتنا إلى محكمة، و ستكونين أنت القاضي و أنت الجلّاد، و هما الضّحيّتان الوحيدتان؛ ضحيّتا تعجرفك و ضحيّتا صمتي الطّويل. و لكنّي كنت صامتا طوال السّنوات التي مضت ليس ضعفا منّي بل نبلا منّي؛ كنت نبيلا مع المرأة التي غامرت من أجل العيش معي؛ كنت نبيلا مع المرأة التي لم تزر بلدها و لم تتواصل مع أهلها أربع سنوات. و لكن يا ناديا لا تنسي؛ نحن شريكان في المغامرة.. أنا أيضا متعب بل منهك و خائر القوى، كما أنّنا لم نعد لوحدنا؛ صرنا أبا و أمّا.
الحياة يا ناديا أبسط ممّا تظنّين؛ هي ليست خطط، و إجراءات، و تدابير، و آليات، و... دعينا نعيشها بعفويّة و ببساطة..
ثمّ قفلا عائدين بعد أن اتّفقا لأوّل مرّة منذ استقرارهما بشمال إفريقيا على الإتّصال بعائلتيهما في بريطانيا من خلال إرسال بطاقات تهنئة بمناسبة العام الجديد مرفوقة بصور صونيا و ليليا، و سيتكفّل صديقهما فرحات سليماني بتوصيلها. ظلّا صامتين؛ ويليام يقود السّيارة بكلّ هدوء ، و البنتان نائمتان في المقعد الخلفي، و ناديا تحاول مقاومة السّكر الذي يكاد يغلبها بسبب إفراطها في الشّرب، و تحاول الاعتياد سرّا على نبرة صوت للتّوّ اكتشفتها.
لقد تبادلا الأدوار في تلك اللّيلة؛ كان ويليام يقود السّيارة براحة تامّة؛ ما عاد ويليام الذي ينتبه للصّغيرة قبل الكبيرة حتّى يرحم نفسه من تجبّرها و من لؤمها اللّفظي، و ما عادت هي ناديا التي تنبّه ويليام لأمور مهمّة أثناء القيادة. ربّما لو لم يتبادلا الأدوار في تلك اللّيلة لانتبها – الاثنان - إلى ذلك القادم بسرعة جنونية -هربا من الشّرطة- قبل أن يصطدم بسيّارتهما. و هكذا انتهت قصّة العاشقين الهاربين من بريطانيا العظمى إلى شمال إفريقيا، و بدأت قصّة البنتين صونيا و ليليا في ميتم ماما صورايا أو في "دار الأخوات الصّغيرات" كما هي تسميته.
..............................
في يوم المحاكمة، اكتفى القاضي بطرح سؤال وحيد على المدّعي، و على المدّعى عليه ثم راح يبحث عن الإجابة بين تفاصيل لغة الجسد لدى كليهما:
- لماذا لم تبحث طوال المدّة التي مضت عن ابنتي أختك؟
- لماذا لم تبحث طوال المدّة التي مضت عن ابنتي أخيك؟
- إذن لو لم تعلم بوفاة أختك لما قدمت للبحث عن ابنتيها؟
- إذن لو لم تعلم بوفاة أخيك لما قدمت للبحث عن ابنتيه؟
- أ ليس من المثير للاستغراب أن تأتيا للبحث عن البنتين في الوقت نفسه؟
بعدها كان قرار المحكمة كالآتي: تظلّ البنتان في كفالة الميتم إلى غاية بلوغهما سنّ الرّشد، رفعت الجلسة.
اصطحبت صورايا صونيا و ليليا معها و خرجت من قاعة الجلسات. مرّت شهور و شهور و هي تنتظر أخبارا عن نتائج قضيّة الحضانة التي أعيد رفعها في بريطانيا؛ اتّصلت بالسّفارة و لكن لا أخبار مؤكّدة، و اتّصلت على رقم السّيد شالوم، و على رقم السّيد ويلصون، و لكن لا أحد يجيب.
...................................
في صبيحة أحد الأيّام، وصلت رسالة من لندن إلى مكتب السيّدة صورايا من سيدة تقول بأنّها عمّة صونيا و ليليا، وأنّها حصلت على العنوان بعد أن تمّ القبض على السيّد شالوم، و السيّد ويلصون ، و السيّد سليماني من طرف شرطة لندن، حيث سلّمتهم بطاقات تهنئة تعود إلى العام الجديد 1990 مع صور للصّغيرتين صونيا و ليليا عُثر عليها في سيّارة ويليام بعد حادث المرور الذي توفّيا فيه. لقد أرسلت السيّدة صورايا تلك البطاقات و الصّور كما استلمتها - بعد أن احتفظت بنسخ عنها في ملفّي البنتين- إلى عنوان السّيد سليماني الذي وجدته مكتوبا على الغلاف البريدي. مرّت بعدها حوالي ثلاثة عشر سنة، و لم تتلقّ أيّ ردّ. طوال السّنوات التي مضت راسلته ثلاث مرّات أخرى، و لكن بلا جدوى. و في ذلك اليوم اكتشفت أنّ صونيا و ليليا نجتا من مجموعة من المحتالين تذرّعوا بذرائع المعتقد، و بذرائع الرّوابط الأسريّة، و الصّداقة من أجل الإستيلاء على ميراث البنتين. لقد وقفت السّيدة صورايا مشدوهة و هي تكتشف نذالة صديق ويليام و ناديا؛ الصّديق اللّطيف الطّيّب الوفيّ الذي رتّب أمور زواجهما، و أمور هجرتهما و استقرارهما بشمال إفريقيا.
........................................
فهمت السّيدة صورايا أنّ المرسلة هي عمّة صونيا و ليليا الصّغرى، و أنّها متزوّجة من خالهما الأصغر هي الأخرى! وأنّ المحكمة منحت لهما حقّ حضانة البنتين. كانت الرّسالة مكتوبة بلغة عربية سليمة و متقنة، و هذا ما جعلها تتلهّف للقاء هذه الحاضنة الجديدة القادمة من بريطانيا العظمى والتي تتقن العربية بهذا الشّكل.
كانت متلهّفة و بها غصّة، أو بها غصّات؛ أو غصّات الفراق.. تجتمع مع البنات في الباحة تحت شجرة المشمش، و تدفعهنّ على الأرجوحة الواحدة تلو الأخرى وهنّ يضحكن ويهتفن، و هي تعدّ مرور الوقت بضحكاتهنّ، و بهتافهنّ.. إلى أن جاء اليوم المنتظر.
- أهلا و سهلا بكما، سعيدة جدّا بزيارتكما، أنا السّيدة صورايا مصباحي مديرة الميتم.
- شكرا سيدتي على كرم الاستقبال، أنا صوفي ويلصون، و هذا زوجي جاكوب شالوم.
- تفضّلا بالجلوس، ماذا تشربان: شاي، قهوة...؟
- قهوة.
- قهوة.. جميل، تتحدّثان العربية بطلاقة. هكذا سيكون بوسعكما مساعدة صونيا و ليليا على التّأقلم و التّكيف مع الواقع الجديد في البلد الجديد. كنت أتمنّى أن تظلّ صونيا و ليليا مع أخواتهما في هذه الدّار، و لكن لا أحد يمكنه أن يعاند القدر.
- لا تحضري أيّة ملفّات يا سيّدة صورايا (يقاطعها جاكوب).
- ! ! ...! (السيّدة صورايا متعجّبة).
تواصل صوفي:
سيّدة صورايا.. اسمك ثريّا و أنت حقّا ثريّا.. نريدك فقط أن تعلمي أيّتها السّيدة العظيمة أنّنا لم نأت إلى هنا لكي نأخذ منك صونيا و ليليا. صحيح أنّ القانون منحنا حقّ حضانتهما، و لكنّ نفسيتهما و مصلحتهما أولويتنا نحن أيضا، و لا يمكننا أن نفصلهما عنك، و عن بنات الدّار بهذا الشّكل العنيف. سنتعرّف على بعضنا تدريجيّا ثمّ سيكون الانتقال إلى الحياة الجديدة بشكل تدريجيّ. ثمّ هل تعلمين؟ أنا وجاكوب قرّرنا الاستقرار في هذه المدينة. ستظلّ صونيا و ليليا قريبتين من أمّهما صورايا و من أخواتهما. يبدو أنّنا أحسنّا الاختيار؛ لا يوجد أحسن من هذه المدينة.
و بينما كان جاكوب يهمّ بالرّدّ على صوفي إذ ببنتين آيتين في الجمال تطلّان من باب المكتب. تنادي عليهما السيدة صورايا:
- صونيا.. ليليا.. تعاليا؛ هذه عمّتكما صوفي، و هذا خالكما جاكوب.
تهرول صوفي دافعة بالأريكة التي كانت تجلس عليها جانبا، و يلحق بها جاكوب، و تعانقوا أخيرا بالقرب من الباب، أمّا صورايا فقد اقتربت قليلا و ضغطت على زرّ الإضاءة المحاذي للباب، و أنارت مصابيح ثريّا المكتب، و اكتفت بالمشاهدة و الابتسام.
انتهت

عن الكاتب
نزيهة زعبار
كاتبة و مترجمة و مدققة لغوية
