عندما فارقتني نفسي-قصة قصيرة

د.مريم فرجالله
صيدلانية وكاتبة على التوازي
وقت القراءة: دقائق

ذات يوم باهت غير محدد المعالم ولا الزمن، غير أنه قبل وقت طويل من الآن، قررت نفسي أن تهجرني، لملمت حقائبها وبدأت في البحث عن مدن أخرى لتسكنها غير السكن إليً، أعلنت العصيان على الأيام الباهتة التي تندس رغمًا عنا داخل العمر، ضجرت من الحياة التي نتشاركها سويًا.

عندما فارقتني نفسي-قصة قصيرة

ولأني لا أقوى على المعارضة تركتها ترحل مستسلمة أمام رغبتها الجامحة بحياة غير حياتي لعلها تعود لي ذات يوم محملة بصناديق السعادة الغامرة، وأطنان من الأحلام الوردية، تركتها على أمل أن تعود لي ذات يوم فأنا بدونها لن أكون.

اعتقدت نفسي دائمًا في وجود المدن المثالية، والرجال الكاملين، والحياة الخالية من المشاكل والسعادة المطلقة، اعتقدت دائمًا أنه ثمة وجود للحب في مكان ما ولكنه ينتظر الشخص الذي تعب في البحث عنه حتى يجده، وهكذا رحلت دون أن تودعني أو حتى تحبني يومًا....

بعد مشقة وعناء مسيرة أيام كثيرة دخلت آخيرًا إلى مدينة مكتوب على بوابتها الشامخة بالخط عريض وواضح جدًا “مدينة ليل بدون نهار". هذه المدينة بها رجال رائعين في تدفئة الفراش ليلًا ولكن ما أن يطلع النهار لن تجديهم لن تستطيعي أن تتقاسمين معهم هم اليوم ولا حرارة الشمس ولا عناء الظهيرة.

رجال كُتب في قواميسهم الأزلية البيولوجية أن تعريف الرجولة يعني بما لا يدع مجالًا للشك هو كلمة فحولة وأن لا وجود ولا ضرورة لأي تعريف أحمق آخر، لذلك هؤلاء الرجال الرائعين جدًا لن يستطيعوا أن يخيطوا جرح ولا حتى أن ينتبهوا أصلًا لوجود الجروح، رجال مستعدين دائمًا للفرح، في وضع الغناء والطرب طوال الليل.

هذه المدينة العجيبة غير مسموح فيها للدموع بالدخول فجميع سكانها يتعبدون إلى السعادة ويتراقصون طوال الليل على إيقاع العشق المصطنع كما يتراقص عباد النار حول الحطب المشتعل، مدينة جميع سكانها مغرمون بالليل فأضاءت الشمس نهارهم على مضض.


اقرأ ايضا

    فجميع سكانها عاجزون عن الرؤية في النهار حين تتوقف حفلات الطرب لن يستطيعوا أن يسمعوا أنين قلبك ولا يروا أنثى محملة بالوجع مثلك ، سيرونكِ دمية من دمى الفراش سيفضلونها صامتة لا تئن ولا تحكي حتى يستطيعوا أن يعزفوا ألحان رجولتهم الكاذبة بلا إزعاج وسيفضلونها لو كانت خرساء لا تجيد الثرثرة في الأحاديث النسائية أوغير النسائية فجميع حكاياتك تافهة بالنسبة لهم ،يرضيهم منك فقط الحديث عن انتصاراتهم باستمرار غير ذلك لن يهتموا بحديث.

    لن يلاحظوا أبدأ الثقوب العميقة التي في قلبك، ولكنهم لحسن الحظ سيهتمون جدا بلون ثيابك الداخلية، لن يسألونك أبدًا عن أين قضيتي نهارك الحزين ما دمتي متواجدة دائمًا في لياليهم السعيدة وإن تغيبت يومًا عن الحضور، سيحل محلك أخرى من قوائم الانتظار الطويلة. لا يخشوا شيء أكثر من ضياع سهرة مسائية في حل مشكلة نهارية فجميع النساء بالنسبة لهم أجساد يبرعون بالعزف عليها ولكن بألحان مختلفة يكفي فقط أن تكوني حاضرة بالجسد وتجيدي فن التمثيل الصامت للسعادة الوقتية.

    ولما أدركت نفسي الحقيقة أنها أكثر من مجرد جسد وأنها لا تصلح للحياة الليلة فأنها نفس تهوى الحياة لا تهوى الهوى فالسعادة التي تبحث عنها تتخطى حدود شهوات الجسد، سريعًا هربت من المدن الليلة وبحثت عن مدن يقدسون فيها الإنسان ويحترمون الحزن مدن مسموح فيها بالدموع الصادقة، فقادتني خطواتي اليائسة وأشواقي المتوهجة إلى "مدينة نهار بدون ليل".

    مدينة عكس سابقتها تمامًا وجدت فيها مخلوق يشتعل بالحرائق الشعورية مشغول في حل المشكلات النهارية والقضايا العالمية مخلوق ثرثار يعشق الكلام وبارع في التعبير يمكنك أن تتقاسمين معه جميع أحزانك، يمكنك أن تخبريه بكل مشاكل حياتك الكبيرة أو الصغيرة العظيمة أو التافهة حتى لو كانت مشكلة اختيار لون طلاء أظافرك.

    هذا المخلوق سيشاركك هموم يومك وليس شرطًا أن يكون بارعًا في إيجاد الحلول ولكنه سيقضي نهاره كله في محاولة سماعك ويحاول جاهدًا في أن يجد حل لها ولكن حين يأتي الليل للأسف لن تجدينه !!!

    ستقضي وحشة الليل بدونه فهو مخلوق نهاري فقط لا يفقه شيئًا في القضايا المسائية، حتمًا سيكون عليكِ أن تتجمدي ليلًا بمفردك وإلا تقربك نيران الشهوة أبدًا حتى لا تفني ذات ليلة ثلجية في غياب المخلوق النهاري، ولما كان ذلك غير منطقيًا رحلت.

    وبعد عناء الأيام التي لياليها بطعم الوحدة في "مدينة نهار بلا ليل" وتعب النهار في "مدينة ليل بلا نهار" أخيرًا وصلت إلى "مدينة الأشياء الرائعة" هناك وجدت كل شيء رائع، كل ما كان ينقصني في الحياة أخيرًا وجدته هناك، كان لديهم ليالي رائعة وأنهرة خلابة.

    كانت مدينة مثالية جدًا للعيش فيها فقررت في لحظة جنون أن استقر فيها فسألت عن الثمن الذي عليّ دفعة لأقيم في "مدينة الأشياء الرائعة" هذه، وجاءنا الرد بأن أقدم كل قلبي فقدمت لهم كل القلب بلا تردد، ولكن ذلك لم يكن كافيًا، طلبوا أيضًا أن أقدم لهم كل روحي فقدمت لهم كل روحي غير مبالية بما قد أخسر في سبيل أن أنضم إلى عالمهم.

    ولكن ذلك أيضًا لم يكن كافيًا طلبوا أن أقدم لهم كل أحلامي وسعادتي فقدمتها على أمل أن أجد هناك خلف أبوابها سعادة آُخرى وأحلام آُخرى تنتظرني، وأخيرًا منحوني على مضض دار هناك، فسارعت لسكن فيها أنا المسلوبة الأحلام والمعدومة السعادة ولكن جاءت الصدمة الكبيرة حيث وجدتها خربة بعد أن فتحت الباب عكس ما كان يزينوا لي من الخارج.

    هذه المدينة التي تمتص الأرواح وتمتص السعادة وتقتات على القلوب البشرية مدينة ستظل تقدم لها كل شيء حتى ترضى عنك ولكنها لن ترضى أبدًا ستظل تحاول فيها جاهدًا أن تنال شيئًا من أشياءهم الرائعة التي وعدوك بيها وأنت خارج أبوابها ولكنك لن تنال شيئًا، مدينة مغرية بالحب ومغرية بالأشواق ولكنها فارغة بلا حب وبلا أشواق، مهما حاولت ومهما قدمت لن يكون كافيا لتحصل على أي شيء منها.

    في النهاية قررت الخروج منها بثقوب أكبر في قلبي وروح مرهقة حملتها على يدي وتركت بالداخل أحلامي الوردية وسعادتي المطلقة بعد أن اغتالوها بأنانية ونرجسية غير مسبوقة، قادني قلبي المكسور إلى مدينة كُتب على أبوابها " مدينة الذين يعشقون قذف الحجارة" لم أبالي بالاسم اعتقادًا مني بأن لا شيء سيء يمكن أن يحدث لي أكثر مما حدث وإني ليس لدي ما أخسره أكثر مما خسرت.

    كنت مرهقة جدا فدخلت هذه المدينة التي كُتب على مدخلها مدينة الرجال الحقيقيون، مدينه لها نهار ولها ليل ولا تعاني النرجسية ولا أي عقد في أيدلوجية، فتنهدت تنهيد عميق ودخلت لعل وعسى أجد أخيرًا راحتي فيها، كان كل شيء فيها يوحي بالسكينة والهدوء كنت أحسبها أخيرًا المدينة التي طالما حلمت بها مدينة هادئة يمكن للمرء أن يعيش فيها نهاره وليله على حد سواء مدينة يمكن أن تستوعب إنسان باختلافات العام كله.

    ولكن ما أن سكنت إليها حتى قٌذفت بأول حجر وحين سألت مستنكرةً لماذا تفعلون ذلك؟!! أخبروني أنها الضريبة التي يجب على السكان أن يدفعوها لينعموا بكل الرفاهيات هنا كلما تحتملين ضربات أكثر كلما طابت إقامتك عندنا أكثر فاسترخيت لأحصل على المتعة والسعادة بعد أن رحل قاذف الحجارة، ثم ما لبثت أن عدت إلى حالة السكينة ورسمت على شفاهي بسمة الرضا حتى عاد قاذف الحجارة من جديد ورماني بحجر أكبر فأصابني إصابة بالغة في كرامتي وحين اعترضت أخبرني أنه يجهزني لراحة أكثر وسعادة أكبر فعدت أحاول الوصل إلى حالة السكينة استمتع بالمناظر الرائعة حولي ولكن عبثًا حاولت، فلم أتمكن أن اسكن من جديد كما الأول كنت في حالة ترقب دائم لقاذف الحجارة ولكنه لم يأتي إلا بعد أن نسيته تماما ونسيت وجعي السابق فعاد على غفلة ليقذفني بحجر أصاب إنسانيتي فصرت أتألم كثيرًا هذه المرة فإصابتي كانت بالغة فقال سنكافئك مكافأة أكبر ولكن لم أجد بداخلي أي أنسان ليسعد بما يقدم فرحلت خائبة بنفس خيبة المدن السابقة ولكن مصابة بإصابات أعمق وأخطر.

    كنت أعتقد أن عشقي للمغامرات هو عشق مجرد، ولكن فيما بعد اكتشفت أننا نغامر لكي نستقر، لنسكن أكثر المدن راحة، وأكثر المدن جمالًا، أكثر المدن هدوءً، نحن لا نهوى التغير، ولكن نهوى التأكد من حقيقة الوضع الحالي أنه الوضع المثالي لنعيش فيه إلى الأبد بلا تغير.

    تعلمت من جميع الرحلات الاستقرار وأن لا وجود للمدن المثالية للعيش وإن الرجال الكاملين غير حقيقين لا وجود للأشياء الرائعة التي تحقق السعادة المطلقة في عوالم غير كاملة ذلك الفكر الذي يروج للسعادة المطلقة هو فكر تجاري بحت.

    فبالرغم من أننا لا نملك شق فارهة مازال لدينا مسكن دافئ، وبالرغم من عدم حصولنا على مأكولات شهية مصورة على لافتة بعرض شارع توهمك بأنها وجبة مشبعة لأنها بحجم الكون وتصدمك في النهاية بحجمها الحقيقي، لذلك نصنع أكل صحي ومغذي ولا نروج له، نحن لا نملك أهالي كاملين ولكن لدينا أهل محبين ليس لدينا الجسم المثالي ولكننا نملك الصحة.

    وهنا ارتاح قلبي حين تقبلت حالة عدم الكمال التي أعيشها وحين توقفت عن البحث راضية ومقتنعة أن الحياة التي نعيشها حياة ناقصة لا وجود فيها للسعادة المطلقة أبدًا، وسكنت وحدتي نهارًا وأفكاري ليلًا.

    بت أعرف نفسي جيدًا واسمعني وأحكي لي مشاكلي، صادقت وحدتي فلم تعد وحيدة بعد، واعترفت بعجزي فلم يكن هناك داعي لأهرب منه، أما اكتئابي فتقبلته على أنه مرضي المزمن فلا هو يرحل ولا يفارقني فلم أعد أعاني الفراغ أبدًا، صرت أشغل يومي بمتابعة تقدمي ومحاولة تعليمي أن أكبر، صرت أتلهف لتخرجي من جامعة الحياة وأتطلع للحصول على تقدير عالي في حل مشاكلي.

    سكنت إليّ نفسي، فسكنت ورأيت كم كانت رائعة، كم كانت طيبة وهادئة ومريحة حتى سعادتي التي أنفقتها في محاولة إيجاد مدن الأحلام الواهية قدمتها كلها لنفسي هدية وأخيرا فوجدت السعادة حقًا يوم توقفت عن إنفاقها في محاولة الحصول عليها.

    بقلمي

    #سرالهاربة

    د.مريم فرجالله

    د.مريم فرجالله

    صيدلانية وكاتبة على التوازي

    الحياة سر رغم إنها تسكن فينا أو ربما نحن من نسكنها أنا أبحث عن الحياة باستمرار ..لا تظنوا أني أبحث عن مكان له سقف

    تصفح صفحة الكاتب

    اقرأ ايضاّ