لقد التقيت ذات يوم في دورة تكوينية بسيدة فتحت معي باب المحادثة، فناقشنا بعض الأمور المتعلقة بالحياة والذات، لكن في لحظة قفزت لزمن الماضي لتحدثني بما كان فيه، وكيف كانت من قبل، وتم التركيز على سرد ما كان فيه من سلبيات وخيبات الأمل، فشعرت بطاقة منخفضة أحسست معها بحالة السلبية، فتلاشت قوتي، وعكر مزاجي، رغم أني خرجت من المنزل، وأنا مفعمة بالحيوية لعيش يوم ينبض بالحياة، والاستفادة بأقصى درجة من الساعات التي سأعيشها ذلك اليوم.

إن أغلب الناس متشبثون بالماضي وتفاصيله، بالرغم من أنه مضى ولم يتبقى منه سوى لحظات في الذاكرة، فقد يعيش المرء حياته الحاضرة بناء على أحداث الماضي وتفاصيله، ومن هذا المنطلق بادرت لذهني الكثير من الأسئلة، والتي إذا تم فك لغزها تجلى الماضي كزمن من الأزمنة نعيشه ثم نمر منه بسلام، ونكتسب منه خبرة نتعلم منه لننطلق في الحياة بشكل أكثر قوة وحكمة، ومن هذه الأسئلة ما يلي:
-لماذا يا ترى يختار الإنسان بوعي منه وبدون وعي العيش بالماضي، بدلا من العيش في اللحظة والتركيز بكل ما فيها من فرص وتحديات؟
-وما الذي يجعل الإنسان يتذكر الماضي خاصة اللحظات المأساوية فيه؟
-كيف يمكن للإنسان أن يجعل من الماضي زمنا للتعلم بدلا من اعتباره زمن التذمر والندم؟
-من أين يستمد الماضي قوة السيطرة على الإنسان؟
-إذا كانت العقول تعيش بالماضي، فأي عقل سيسير اللحظة الحالية؟

إن السؤال هو المفتاح الأول للتغيير، فأي شيء يخضعه الإنسان للسؤال يصبح شيئا خاضعا لوعي الإنسان وتحت سيطرته، فلا يوجد مفتاح أعظم من السؤال، فهو باب التغيير وإعادة النظر في الأمور، بدلا من الاقتصار على ما هو مألوف، وعدم البحث فيما هو غير مألوف...
إن هذه الأسئلة فتحت في إدراكي فضول البحث والاكتشاف الداخلي في عمق الذات، فاخترت العزلة، وأنصتت لإيقاع عالمي الداخلي، فما وصلني هو أن الماضي بحد ذاته لحظات، وأحداث، وأقوال ، وأفعال، والشيء الذي يدفعنا للتشبث به، هو أولا: تفسيرنا للأحداث بطريقة خاطئة، واعتبار ظروف الماضي كأعداء لنا بدلا من اعتبارها السبيل للوصول لنضج وحكمة أكبر، فلولا ماضيك لما تعلمت الكثير، ولولا لحظات الألم لما تعلمت الدروس، ولولا الماضي لما أدركت قيمة الحاضر، وقيمة ما تملكه الآن، وإذا فهمتني فستعرف أني أريد القول بأهمية الماضي ولحظاته، ولكن كما أشرت فتفسيرنا لأحداث الماضي بشكل خاطئ هو ما يجعلنا نندم ونتحسر على ما فاتنا، وخطأك في الماضي هو جزء من طبيعتك البشرية، فالخطأ وارد، وعليك بذلك أن تسامح نفسك، وتطلب منها أن تسامحك ، لأنك كنت تتصرف بناءا على مستوى وعي محدد، واليوم تغيرت عندك المفاهيم، فأصبحت تتصرف بوعي جديد، وعليك بأن تحترم مستوى وعيك القديم، فلو كنت تعلم بخطورة الأمر، لما فعلت ما فعلت، وبالتالي سامح نفسك، واطلب منها أن تسامحك وامضي بثقة، وكن متأكدا أنك تعلمت الدروس الحياتية، ولن تكرر نفس الخطأ الذي اقترفته من قبل.
الشيء الثاني الذي توصلت إليه بإدراكي هو أن الأحداث التي تتذكرها، هي تتواجد في الذاكرة، ومشكلتك الآن هي مع الذاكرة، أما أحداث الماضي فقد رحلت منذ زمن، لكن ما يجعلها حية اليوم هو ذاكرتك، وهنا ينبغي التعامل مع مستوى الذاكرة لتصل لنتيجة النسيان المطلق، لتبقى اللحظات الجميلة هي المسيطرة على فضاء ذاكرتك، وهذا يكون بتمرينات تدريبية تطبيقية.
عندما تقرر الرجوع لما فات فـأنت ترجع لنسخة قديمة، وللحظات قديمة، تفقدك لذة اللحظة، ولذه الحضور، فتغيب عن اللحظة، فتفقد بوصلة تركيزك، فتتشتت في عملك، وتفقد أحبائك لأنك غير مركز على محاسنهم في اللحظة، وتفقد شغفك لأنه يحتاج لحس الإبداع في كل لحظة، وتفقد نفسك لأنك غير مركز في حبها والتصالح معها، لكن في المقابل تجعلها تحس بالذنب، وبتأنيب الضمير بسبب أحداث مضت.
إن غيابك عن اللحظة هو موت لك، فعندما تدرك أهمية الآن، وأن حقيقتك هي الآن، فستعيش حقا، فأنت لا تملك السيطرة على المستقبل ولا على الرجوع للماضي، لكن ما تملكه هو الآن، اللحظة الحالية، فابدأ بأخذ قرارا لعيش اللحظة، واجعلها لحظة حب وتعلم، وعمل، وشغف، ومغامرة، وستنبهر بكمية الحضور الذي سيصلح علاقاتك، ويجعلك جذابا لأنك أصبحت أقوى بسيطرتك على الأحداث، بدلا من أن تكون الظروف هي المسيطرة عليك، فانوي أن تبدأ رحلة عيش اللحظة، ليغيب القلق والتوتر من عالمك بشكل نهائي.

طرق تعزيز اللحظة الحالية؟
1-التركيز بحضور تام في الصلاة: فالصلاة ليست مجرد حركات، إنما سرها في الخضوع والتركيز للحظة التي أنت فيها، وهي جلسة في حضرة ربانية.
2-التأمل: ممارسة التأمل يدخلك في لحظة انصات لعالمك الداخلي، والبعد عن ضجيج أصوات العالم، فيقلل من التوتر، ويحسن عملية ارجاع بوصلة العقل لنقطة الصفر، نقطة التركيز.
3-ممارسة الرياضة: فعندما تمارس الحركات الرياضية، فإن تركيز العقل يذهب للجسد، ولا تكون لديه فرصة الهروب للماضي.
4-تجنب التفكير السلبي: بالتركيز وتدريب العقل على التفكير بإيجابية، وتطهر محيطك بحيث تسمع للكلمات الإيجابية فقط، بدلا من التواجد في محيط المتنمرين والمنتقدين، فيفسدون عليك لذة الحضور في اللحظة.
5-التركيز على المهمة الحالية: قم بالتركيز على المهمة الحالية، في عملك، أو منزلك، أو مالك، وقم بالعمل الذي هو من أولوياتك، اعطيه من وقتك وركز عليه، بدلا من التشتت والقيام بمهام عديدة في وقت واحد، بدون جودة وإتقان.
6-استمتع بالأنشطة: و التي تجد فيها شغفك، وتعبر فيها بحب، فهي ينبوع سعادتك وسر رضاك في الحياة.

عزيزي القارئ، عزيزتي القارئة، ليس هناك زمن أقوى من الآن، والزمن الحقيقي هو اللحظة الحالية، فهي رأسمالك الوحيد، فاغتنمها وعشها بكل ما أوتيت من قوة وبهجة، وكن ممتنا لوجودها فهي فرصة لك لتعيش الحياة، وتحقق ما ترغب، فلا تضيعها وأنت تلوثها بألوان الماضي، وبالخوف من المستقبل.
عن الكاتب
KELTOUM AGOURRAME
كاتبة
كلثوم اكرام أعمل كمختصة اجتماعية في مؤسسة تعليمية،وابلغ من العمر 27 سنة،ولدي ميل للكتابة اكتشفته منذ فترة ولابد أن يحمل هذا الميل الهام لمساعدة الناس للتغيير للأفضل. ان وجودنا تعبير عن روح تعرف ما فيها وما عليها،ومتى اكتشف الانسان سبب وجوده وهدفه في الحياة سمح له ذلك بعيش الحياة بأسلوب أكثر جودة وباحساس هائل.