"تحول السوشيال ميديا: من التوعية إلى السطحية"
في البداية، كانت السوشيال ميديا ساحة حقيقية للتغيير، وسيلة تواصل فعّالة بين الناس، خصوصًا بين الشباب. كانت منصة للحرية والرأي، ووسيلة للوعي والتأثير، مثلما رأينا في ثورة 25 يناير التي كانت دافعًا كبيرًا في تحفيز الشعب على التحرك. لكن مع مرور الوقت، بدأت السوشيال ميديا تتطور بسرعة، لكن لم تكن كل هذه التطورات تصب في صالح الهدف الأصلي لها. بل مع ظهور تطبيقات جديدة مثل الإنستجرام و التيك توك، بدأنا نرى تحولًا في مفهوم السوشيال ميديا. بدلاً من أن تكون وسيلة للتواصل الهادف، أصبحت هذه التطبيقات تُقدم محتوى سريعًا، سطحيًا، وأحيانًا بلا معنى. وهكذا بدأ يظهر جيل جديد من المستخدمين يلهث وراء الشهرة السريعة، وهو ما خلق فخ الشهرة السطحية.
"دلوقتي لازم نعرف من الأول إيه هي بداية التيك توك وظهر إزاي"
تيك توك، الذي أطلق في 2016 تحت اسم "Douyin" في الصين، بدأ كمنصة بسيطة تهدف إلى تقديم محتوى موسيقي ورقص لفئة المراهقين والشباب. ولكن مع مرور الوقت، بدأ يحقق انتشارًا غير متوقع، ليصبح واحدًا من أكثر التطبيقات شهرة في العالم. مع انطلاقه عالميًا في 2017، كان الهدف الأساسي تقديم فيديوهات قصيرة سريعة وسهلة الاستهلاك. ومع التطورات المستمرة فيه، سرعان ما تحول من منصة ترفيهية إلى ظاهرة ثقافية. وبحلول عام 2020، أصبح التيك توك منافسًا شرسًا لأكبر منصات السوشيال ميديا مثل فيسبوك، الذي كان يُعتبر "غول السوشيال ميديا" لسنوات طويلة. ومع تزايد عدد مستخدميه، تجاوز تيك توك حاجز المليار مستخدم حول العالم، ليظهر كأحد التطبيقات الأكثر تأثيرًا في العصر الرقمي.مع تفشي جائحة كورونا في 2020بسبب الحجر المنزلي، زادت ساعات استخدام الإنترنت، وكان تيك توك واحدًا من أبرز التطبيقات التي جذبت المستخدمين، حيث أصبح الوسيلة الأمثل للترفيه وقضاء الوقت في المنزل.
الفيديوهات القصيرة التي كانت تعتمد على الرقص، التحديات، والتعليقات المضحكة، أصبحت وسيلة للتفاعل مع الآخرين. فتيك توك قدم للجميع فرصة للهروب من ضغوط الحياة اليومية خلال فترة الحجر.

أصبح الإنترنت وسيلة التواصل الرئيسية بين الناس. في هذه الفترة، بدأ تيك توك يحقق شهرة غير مسبوقة.
زيادة الانتشار والشعبية:مع استمرار الجائحة، بدأ التيك توك يظهر كوسيلة للهروب من الواقع، وأصبح من أولويات الشباب للحصول على "شهرة سريعة" بدون الحاجة لجهود كبيرة.
في هذه الفترة، زادت شعبية التحديات مثل "التحديات الراقصة" و"الميمز"، كما انتشر المحتوى الترفيهي الذي كان سريع الاستهلاك وسهل التفاعل معه.
تيك توك نجح في جذب فئات عمرية مختلفة من الشباب إلى كبار السن، وظهر تأثيره بشكل واضح في خلق ثقافة جديدة من "الشهرة السطحية" المبنية على لحظات سريعة تجذب الانتباه.
تكتيك عبقري من تيك توك: السر وراء جذب المستخدمين باستمرار"

التطبيق يتيح للمستخدمين نشر فيديوهات بسهولة باستخدام مؤثرات بصرية وصوتية جذابة، مما جعلها وسيلة ممتعة وسهلة للإبداع والمشاركة.
فكرة "التحديات" و"التريندات" جذبت العديد من المستخدمين، حيث يمكن للجميع المشاركة في نفس التحديات أو خلق تحديات جديدة، مما ساعد في خلق روح من التواصل والمشاركة بين المستخدمين.
مع زيادة استخدام التطبيق من قبل المشاهير والمبدعين، ساعد ذلك في جذب جمهور أكبر، حيث كان الكثير من الأشخاص يتابعون هذه الشخصيات ويقلدون محتواهم.
تيك توك استغل بشكل ذكي عصر السرعة والتكنولوجيا اللي بنعيش فيه، واللي بقت فيه كل حاجة بتحصل بسرعة، سواء في الأخبار أو الترفيه أو حتى في تفاعلنا مع العالم. في ظل هذه الظروف، قرر تيك توك إنه يقدّم محتوى بسيط، سريع، وقصير، ما بين 20 لـ 30 ثانية، عشان يناسب احتياجات الناس في العصر الحالي.في الزمن ده، الناس مش بيدو وقت طويل لمتابعة الفيديوهات، وكل شخص عايز يحصل على المتعة أو المعلومة في وقت قصير جدًا.
تيك توك بيقدّم المحتوى بشكل عشوائي ومتجدد، وده بيختلف تمامًا عن منصات زي يوتيوب أو فيسبوك، اللي غالبًا بتقدّم اقتراحات شبيهة بالمحتوى اللي كنت بتتفرج عليه قبل كده أو اللي اهتميت بيه.في تيك توك، كل مرة تفتح التطبيق أو تسكرول، بتلاقي فيديو مختلف تمامًا، ممكن يكون ميم جديد، موسيقى جديدة، أو فكرة جديدة. ده بيخلي الدماغ دايمًا مشغولة ومش قادرة تركز في حاجة واحدة لفترة طويلة، فبترغب تكمّل في التمرير لحد ما تشوف حاجة جديدة ومختلفة. ده بيخلي تجربة الاستخدام إدمانية، لدرجة إن المستخدم ممكن يشوف 270 فيديو في ساعة واحدة، وهو رقم كبير جدًا لو قارناه بوقت مشاهدة الفيديوهات في منصات تانية.
الناس بتميل لالمفاجأة المستمرة، وده اللي بيخلي التطبيق جذاب أكتر، لأنه بيقدم لهم تجربة مش متوقعة في كل مرة.
بما إننا جبنا سيره المحتوى العشوائي والمحتوى القصير، لازم نفكر لو كان ده فعلاً حاجة حلوة وممتعة وبتساعد في التفاعل بشكل إيجابي، ولا في نفس الوقت ليها مخاطر قد تكون مش واضحة أو قد مش حاسين بيها. صحيح إننا استمتعنا بسرعة الوصول للمحتوى المُتنوع، لكن ما فيش شك إن ده ممكن يسبب إدمان حقيقي بسبب التمرير المستمر بدون توقف، وكمان ممكن يقلل من التركيز ويأثر على قدرتنا في متابعة محتوى طويل أو معقد. ومن الناحية الاجتماعية، ممكن يساهم في تضييق الأفق بسبب تكرار نفس النوعيات من الفيديوهات، ويجعلنا نعيش في فقاعة رقمية بعيدة عن تنوع الآراء. ده غير إننا ممكن نكون مش منتبهين إن الفيديوهات القصيرة والعشوائية بتغذي فكرة التحفيز الفوري، اللي يمكن تكون ضارة على المدى البعيد لو استمرينا في استهلاكها بدون تفكير."
هناك العديد من الدراسات والأبحاث التي تدعم النقاط التي ذكرتها حول التأثيرات السلبية للمحتوى العشوائي والفيديوهات القصيرة. إليكم بعضًا منها:

تقليل مدى الانتباه والتركيز: أظهرت الأبحاث أن الاستهلاك المفرط للمحتوى السريع يؤثر على قدرة الدماغ على التركيز لفترات طويلة، الأطفال الذين يعتادون على الفيديوهات القصيرة قد يجدون صعوبة في متابعة المهام التي تتطلّب التركيز العميق، مثل الدراسة أو القراءة.زيادة القلق والتوتر: التمرير المستمر بين الفيديوهات يمكن أن يؤدي إلى حالة تُعرف باسم الإرهاق الرقمي، قد يشعر الأطفال بالضغط لمواكبة المحتوى الجديد أو المشاركة في تحديات مشهورة، مما يزيد من مشاعر القلق والتوتر.المقارنة الاجتماعية: تتّسم الفيديوهات القصيرة غالباً بعرض نماذج مثالية من الحياة أو الإنجازات، هذا قد يؤدي إلى المقارنة الاجتماعية، حيث يشعر الأطفال بأنهم أقل قيمة أو غير كفوئين مقارنة بما يشاهدونه.اضطرابات النوم: الاستخدام المفرط للشاشات، خاصة قبل النوم، يسبّب اضطرابات في النوم نتيجة التعرّض للإضاءة الزرقاء وتأثيرها على مستويات الميلاتونين، علاوة على ذلك، يمكن أن يبقى الدماغ في حالة نشاط مفرط بسبب تدفق المحتوى السريع.الإدمان على الفيديوهات القصيرة:
الإدمان على الفيديوهات القصيرة يمكن أن يحدث نتيجة الجمع بين التصميم الجذاب لهذه الفيديوهات، وآليات الدماغ البيولوجية.
حذرت دراسة حديثة من أن قضاء ساعات في تصفح مقاطع الفيديو القصيرة قد يؤدي إلى الإدمان وإليكم بعض تفاصيل هذه الدراسة :
تفاصيل الدراسة ونتائجها:
شملت الدراسة 111 شخصًا تتراوح أعمارهم بين 17 و30 عامًا، ممن يشاهدون مقاطع الفيديو القصيرة بشكل متكرر، وخلال فترة البحث، طُلب من المشاركين مشاهدة ما معدله 95 دقيقة من مقاطع الفيديو يوميًا لمدة شهرين، بينما تم تتبع نشاط أدمغتهم باستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي.
بعض النتائج:
• لاحظ الباحثون أن المشاركين أظهروا أنماط نشاط دماغي مشابهة لحالات الإدمان.• زادت كمية المادة الرمادية في مناطق الدماغ المسؤولة عن اتخاذ القرار والتحكم في المشاعر، مثل القشرة الجبهية المدارية والمخيخ.• لوحظ نشاط متزايد في القشرة الحزامية الخلفية والقشرة الجبهية الظهرانية، وهي مناطق مسؤولة عن الانتباه والتفكير الذاتي، مما يشير إلى انخفاض القدرة على التركيز.• كشفت الدراسة عن وجود 500 جين مرتبط بالإدمان والتغيرات العصبية لدى المشاركين الذين أظهروا مستويات أعلى من إدمان مقاطع الفيديو القصيرة.
(المشكلة الحقيقية ليست فيما إذا كانت الآلات تفكر، بل فيما إذا كان البشر يفكرون.)
"إدمان السرعة والشهرة السطحية: كيف أصبحنا نبحث عن النجاح الفوري؟"

بعد ما أصبح المحتوى القصير جزءًا أساسيًا في حياتنا اليومية، بدأنا نعيش في دائرة من الإدمان على السرعة والسهولة. النهاردة، مش بس بنبحث عن المعلومة بسرعة، لكن بدأنا نفكر في الشهرة السطحية السريعة، اللي بتعتمد على التفاعل السريع والانتشار الفوري. بدل ما نركز في تحسين مهاراتنا أو بناء شيء مستدام، بقى الهدف هو الوصول السريع للشعبية على حساب المحتوى العميق والمستمر. إحنا في عصر بنطلب فيه كل شيء في ثوانٍ، وأصبحنا عايشين في عالم يتنقل بسرعة، من فيديو لآخر، دون أن نترك لنا مساحة للتفكير العميق أو للانتباه لمحتوى ذو قيمة.
الشهرة اللي بيحصل عليها الشباب أو الأطفال من خلال التيك توك مش مبنية على مهارات حقيقية أو محتوى هادف، لكنها مبنية على التفاعل السريع مع الترندات والتحديات اللي بتمثل سطحية أو محتوى فارغ. الفخ ده بيخلي الناس، خاصة الأجيال الجديدة، يظنوا إن الشهرة السريعة دي هي الهدف الأساسي، بينما في الواقع هي مجرد غطاء وهمي مش بيديهم قيمة حقيقية أو تأثير حقيقي في المجتمع.الـ "الشهرة السطحية" بقى تعني الشهرة اللي مبنية على المظاهر والتحديات التافهة بدل ما تكون مبنية على إنجازات أو محتوى هادف ومؤثر.
هل التيك توك ممكن يكون لي اثر على ثقافتنا واولادنا؟
من أبرز الطرق التي ساعدت في تحول تيك توك إلى منصة تحتوي على محتوى غير هادف هي اللايفات. أصبحت اللايفات وسيلة مهمة للمستخدمين للحصول على الشهرة السريعة وجذب التفاعل الفوري. في العديد من الأحيان، يركز الأشخاص على تقديم محتوى مثير أو حتى استعراضات غير هادفة خلال اللايفات فقط لجذب أكبر عدد من المشاهدات والمشاركات. هذا النوع من المحتوى يساهم في تحقيق الربح السريع من خلال الهدايا والتبرعات التي يتلقاها المستخدمون خلال البث المباشر، مما يجعلهم يفضلون التركيز على جذب الانتباه أكثر من تقديم محتوى ذو قيمة أو هدف حقيقي. وبذلك، تتحول اللايفات إلى نوع من الألعاب التي تعتمد على التفاعل السريع والشهرة العابرة، بدلًا من تبادل المعرفة أو تقديم محتوى هادف.
هذه اللايفات تقوم بنشر صوره غير حقيقية عن ثقافتنا وهويتنا
استخدام اللايفات كوسيلة للتسول. بعض المستخدمين يعتمدون على هذه اللايفات لجذب التبرعات والهدايا من المتابعين، في بعض الأحيان بشكل مبالغ فيه أو حتى غير لائق. هذا التصرف لا يقتصر فقط على الاستغلال المادي، بل إنه ينقل أيضًا صورة غير متحضرة عن الثقافة المصرية، حيث يظهر بعض الأشخاص في اللايفات بمواقف غير لائقة أو محتوى فوضوي، مما يؤثر سلبًا على سمعة الشعب المصري بشكل عام. للأسف، أصبح التيك توك أداة للتسول بطريقة غير مباشرة، مما يساهم في تشويه الصورة المجتمعية والثقافية، وهو ما يعكس جانبًا غير حضاري في المجتمع المصري. وهناك العديد من الامثله بدل من استخدام هذه المواقع في الترفيه المتعه استخدموها في اشياء تقوم بتشويه الثقافه وتشكك من تحضر الشعب المصري تقوم بتصدير صوره غير حقيقيه للغرب وربما يكون هذا هو الهدف من هذه اللايفات هو تشويه سمعتنا
لأنه من يدعم ويساعد ويساند اشخاص لا تقدم سوى الهزل من الاكيد انه يمتلك سبب وجيه وربما هذا السبب هو تدمير وتصدير صوره غير حقيقيه عن ثقافه الشعب
هل انتشار هذه اللايفات كان على حساب تدهور مستويات هذه الأجيال؟
من الظواهر المقلقة في تيك توك هي أن معظم من يقدمون اللايفات المربحة هم أشخاص غير متعلمين، أو على الأقل ليس لديهم خلفية تعليمية قوية. هؤلاء الأشخاص يقومون بعرض محتوى غريب وألفاظ سوقية من أجل جذب المشاهدات وكسب المال السريع. وللأسف، في بعض الأحيان يحقق هؤلاء المقدمون دخلًا شهريًا كبيرًا جدًا يتفوق على دخل الأشخاص المتعلمين والمهن المحترمة، مثل الأطباء أو المهنيين الذين أمضوا سنوات في التعلم والعمل الجاد. هذا الواقع يجعل الشباب يتوجهون بشكل متزايد نحو هذه الطرق السهلة، حيث يرون أن الشهرة والمال السريع يمكن أن يأتيان دون الحاجة إلى التعلم أو التخصص. بدلاً من السعي وراء التعليم واكتساب مهارات حقيقية، أصبح الكثيرون يفضلون الانضمام إلى هذا النوع من المحتوى الهزلي الذي يحقق لهم المال بسهولة، وهو ما يعزز ثقافة الربح السريع على حساب التعليم والعمل الجاد.
في النهاية، يمكن القول أن تيك توك واللايفات قد أحدثت تغييرات كبيرة في طرق التفاعل والمحتوى الذي يتم استهلاكه في العصر الحديث. ومع أن هذا النوع من المحتوى قد قدم فرصة للربح السريع والشهرة العابرة، إلا أن التحديات التي يخلقها من حيث التأثير على القيم المجتمعية والتعليم تعتبر أمورًا تستحق الوقوف عندها. أصبحت السرعة في الوصول إلى الشهرة والمال عاملًا مغريًا للكثير من الشباب، مما يدفعهم نحو تقديم محتوى غير هادف، ويشجعهم على التساهل مع التقاليد والقيم المجتمعية. لذا، يبقى السؤال قائمًا: هل نحن بالفعل نريد الاستمرار في هذا الاتجاه السريع، أم يجب أن نعود إلى قيم العمل الجاد والتعلم المستمر لتحقيق النجاح الحقيقي والمستدام؟
عن الكاتب
"مهتمة بتصحيح المفاهيم الغلط، لأن الحقيقة مش دايمًا في الكلام المتكرر… التفكير هو المفتاح! العقل الواعي بيسأل قبل ما يصدق… مش كل حاجة بتتقال تبقى صح!"
