السعي بين الصفا والمروة، لماذا تحلق روح هاجر فوق الساعين بين الحبلين؟!

نشرت:
وقت القراءة: دقائق

لا تقول أنها مجرد شعائر عليك إنجازها مع تمتمات لتؤجر وتفوز بأجر العمرة، لا ليس الأمر كذلك، نصحبك في رحلة عبر الكلمات نعم ولكن ستشعر أنك تحلق في سماء المسعى بين الصفا والمروة، هنا حيث يدرس بشكل عملي كيف يكون تخليد ذكرى المرأة، لكنها ليست كأي امرأة، إنها امرأة استثنائية لم ينجب الزمان مثلها، يليق بها أن تكون زوجة نبي، وأم نبي، والمعلمة الأولى للنساء عبر الزمن كيف يكون التسليم والتوكل على الله.

جموع الساعين بين الصفا والمروة جموع الساعين بين الصفا والمروة

جبلت النساء على الحنان والحب، لا تطيق الألم، يهز كيانها الخوف، ينبع من داخلها الرأفة والمشاعر الفياضة. هذا بشكل عام ولكن عندما يكون الأمر متعلق بالابن تكون المشاعر أقوى وأكثر إلحاحا.

منذ أن بدأت السعي بين الصفا والمروة وأنا أستشعر روح هاجر عليها السلام تحلق في المكان، ويلح في ذهني أسئلة لم يلبث قلبي إلا وأجاب عليها واحد يلي الآخر.

لماذا يخلد المكان ذكرى امرأة بالرغم أن الإسلام يطاله الكثير من الإدعاءات بتهميش المرأة، وازدرائها وحصر دورها في المنزل، وتهيئته وتنظيفه، وتربية الأبناء، وأنها طوع يد الرجل يأمرها وينهاها ولا تنبث ببنت شفه وإلا كانت آثمة!

مجموعة من الساعين ويظهر جزء من جبل الصفامجموعة من الساعين ويظهر جزء من جبل الصفا

لماذا من بين المارين على التاريخ اختص الله أن يكون بطل مشهد السعي بين الصفا والمروة امرأة لا حيلة لها ولا قوة؟ تركها زوجها في مكان لا زرع فيه ولا ماء وطفل يرفث الأرض يبكي من الجوع، مع كل رفثة ضربة قوية لكيان هاجر.

سبع أشواط قطعتها في حرارة مكة وشمسها، بين الجوع والعطش والخوف الذي يملأ قلبها على طفلها الرضيع الذي يبكي بكاء مرير يخلع قلب كل رؤوف، ما بالك وأمه شاهدة تسمع وترى. انقطعت الأسباب وذهب الزوج المعين، لا أحد في المكان ولا يشي الوضع القائم أن أحدا سيقصد هذا المكان القحط لا اليوم ولا غدا ولا بعد غدا.

انقطع الأمل في عثور المرأة الضعيفة على ماء أو زرع لهذا الطفل المسكين، ولها أيضا وقد انهكها المشي والهرولة، والضعف نتيجة الجوع والعطش، وحرارة الجو وسطوع الشمس. لكن الثقة بالله واليقين بأنه لن يضيعها هي ووليدها جعلها تحمل قلبا قويا قادرا على التحدي والثبات، جعلها تجيء وتروح سبعة أشواط لعلها ترى أحدهم قادما من بعيد، أو تلمح أي سبيل ينقذ وليدها من الموت المحتوم، أو يكف عن البكاء الذي كان لا محالة يقطع نياط قلبها.

تخيلت هاجر أن السبب ربما يسوقه الله على يد قافلة مارة، أو شخص ساقه الله إليها، أو لعل ابراهيم يأتي حاملا ما ينقذ به وليده من الموت، الابن الذي انتظره إبراهيم أن يأتي سنوات وسنوات بعد عقم طويل.

لكن إبراهيم لم يأتي ولن يأتي، كان يتوكل على الله ويمثل هو أيضا لأمر الله عندما أمره أن يترك هاجر وإسماعيل هنا، حيث القحط والجفاف والشمس الحارقة، والأرض الخالية من بنو البشر إلا من الرضيع العزيز وأمه.

صورة علوية لحجارة الجبل مع جموع الساعينصورة علوية لحجارة الجبل مع جموع الساعين

كانت هاجر تشرأب بعنقها تارة من على جبل الصفا، وتارة أخرى من على جبل المروة، تسعى بين جبلي الصفا والمروة باحثة عن الماء ولكنها لا تعلم أن النجاة هنا أسفل قدمي وليدها الذي تعهده الله بالرعاية والعناية، وهذا ما نعهده من رب العالمين لم يكن ليضيعنا ولا لأن يكلنا إلى أنفسنا طرفة عين!

فجأة، انفجرت من الأرض ينبوعا من الماء تحت قدمي الطفل تهللت هاجر بفرج الله، واستبشرت بنجاة وليدها وجعلت تزم الماء بيدها خوفا من أن ينضب قبل أن يرتوي وليدها، لكنها لم تكن تعلم أن العين التي تزمها الآن هي عين جارية إلى يوم الساعة لن تنضب أبدا، بل هي من ستجذب لها قبائل ليعمروا المنطقة ويأنسوها ووليدها، عين شافية تأتي بالناس من كل أنحاء الدنيا قاصدين زمزم وأهل زمزم.

لم تكن تعلم هاجر أنها وهي تشرأب بعنقها يمينا على جبل الصفا أن بيت الله سيبنيه هنا إبراهيم وولده، ليجعل الله من الوجهة غير المقصودة من هاجر موضع الكعبة المشرفة التي تهفو القلوب لها من العرب والعجم.

لم تكن تعلم هاجر أن مسعاه بين جبلين أصمين هو جزء أصيل لكل العباد في شعيرة العمرة والحج، لم تكن تعلم هاجر أنها ستعطي الدروس والعبر على مر العصور في تمام التوكل على الله، وأن الله لا يضيع عباده ويشملهم بالرحمة والحفظ.

المسعى بين الصفا والمروة وهو شعيرة رئيسية للعمرةالمسعى بين الصفا والمروة وهو شعيرة رئيسية للعمرة

أما عني وعن البشر الذين يسعون كل ثانية بين الصفا والمروة يتأدبون الآن في حضرة التوكل على الله، لا عجب أنني وأنا أؤدي السعي بين الجبلين الأصمين الشاهدين على قلب تلك المرأة وسعيها لتجد الماء لوليدها، لا عجب أن أشعر بما كانت تشعر به هاجر من لهفة وخوف على وليدها، لا شك أن المسافة كبيرة خاصة مع تكرارها سبع أشواط الفارق بيننا أنني لست الأم، لست جائعة، أنهل أنا الآن من ماء زمزم كلما شعرت بالتعب، الجو بارد وجميل، أسعى بين الناس ولست وحيدة، الطريق ممهد ومستوي اللهم من مطلع جبلي الصفا والمروة وبالرغم من ذلك الصعود سهل بفضل تمهيد الأرض. بالرغم من ذلك المشي متعب لذلك شعرت بألم وغصة في حلقي على حال هاجر وقت أن أتمت السبع أشواط وهي في حالة يرثى لها.

تلمست الدروس والعبر من السعي بين الصفا والمروة، وبالتأكيد كانت روح المرأة المؤمنة التي ينبض قلبها بحب الله وثقتها به تغلف المكان، أنا الآن أستشعر روح هاجر في هذا المكان، واتعجب كل العجب في كل مرة اقف فيها عند ماء زمزم كيف لهذا البئر أن ينبع بالماء طول هذه السنوات، وكيف أنه ذا حلاوة وبركة، وكيف أنه هدية من الله لصبر هاجر وفداء لإسماعيل.

امرأة أو رجل لا فرق عند الله إلا بالتقوى، التقوى هي المعيار الوحيد الذي يصنف الله به عباده، أبو جهل رجل وخديجة امرأة، فرعون رجل وآسيا امرأة، قارون رجل وأم موسى امرأة، وهذه هاجر المصرية أم اسماعيل من نسله عليه السلام جاء محمد خاتم الانبياء، لا عجب أن الطهر والنبوة جاءت من تلك المربية التي ضربت للبشرية أروع صور التوكل والثقة بالله، ماذا وضعت في اسماعيل كي ينام للذبح امتثالا لأمر الله، وكيف ربته ليكون خليفة أبيه في النبوة والصبر على الرسالة ونشرها ومقاومة الباطل وأهله، وماذا عودت وليدها ليصبح يافعا يحمل حجارة البيت العتيق يرص اللبنة تلو الأخرى وتحفر قدماه ويخلد إلى يوم القيامة هناك عند مقام ابراهيم، هنيأ لك ذكر ورمز لأبد الآبدين وسلام الله عليك وعلى زوجك وولدك وعلى نبينا الصلاة والسلام.

اقرأ ايضاّ